إبراهيم أحمد: الذات بين الكينونة والتاريخ
*كاتب و روائي وقائد سياسي كردستاني
عباس عبدالرزاق :
دراسة أكاديمية فلسفية وجودية وتحليلية في السيرة الذاتية
مقدمة: السيرة بوصفها مشروعَ كينونة
لا تُقرأ سيرة المفكر والسياسي والأديب بوصفها سجلّاً من الوقائع المصفوفة على خطّ الزمن، بل بوصفها أثرَ وعيٍ وهو يصارع الشرط الذي أُلقي فيه من غير اختيار. سيرة إبراهيم أحمد (١٩١٤–٢٠٠٠) تمنح هذا الافتراض مشروعيته كاملة، إذ تتقاطع فيها جغرافيا محدَّدة هي السليمانية، ولحظة تاريخية محدَّدة هي عراق ما بعد الانتداب وولادة السؤال الكردي الحديث، وموهبة لغوية استثنائية، لتنتج ذاتاً ترفض أن تختزل في أيٍّ من ألقابها: الشاعر، القاصّ، الروائي، القاضي، السياسي، الأمين العام للحزب، السجين. هذه الدراسة لا تنشغل بتثبيت الوقائع بقدر ما تنشغل بقراءة السيرة بوصفها موقفاً وجودياً؛ أي بوصفها الكيفية التي حوّل بها إبراهيم أحمد "الوقوع" في شرطه التاريخي إلى "مشروع" يُنجَز بالكتابة والفعل معاً، بحيث لا تنفصل الكلمة عن القرار ولا القصيدة عن الزنزانة.
أولاً: الانغراس في المكان ...الطفولة بوصفها هندسة أولى للوجود
يولد إبراهيم أحمد في السليمانية في مطلع القرن، في مدينة لم تكن يومها مجرّد نقطة على الخريطة، بل كانت — وما تزال — مركز ثقل رمزي للوعي الكردي الحديث. هذا الانغراس المبكّر في مكانٍ مشبعٍ بالذاكرة والحكاية ليس تفصيلاً بيوغرافياً عابراً، بل هو ما يمكن تسميته، على نحو باشلاري، بـ"شاعرية المكان الأول"؛ فالبيت والحيّ والمدرسة الأولى لا تكوّن فحسب حسّاً بالانتماء، بل تشكّل جهاز الإدراك الذي سيُعاد توظيفه لاحقاً في اللغة والسرد. التنقّل المبكر بين كتاتيب السليمانية ومدارس بغداد يضع الطفل، منذ البداية، على عتبة ازدواجية لن تفارقه: عتبة بين المركز الكردي والمركز البغدادي، بين لغة البيت ولغة الدولة، بين هوية تتشكّل وسلطة تفرض نفسها من خارجها. هذه الازدواجية المبكرة هي، بالمعنى الهيدغري، صورة أولى لـ"الانقذاف" (Geworfenheit): الذات لا تختار شرطها الأول، لكنها مطالَبة، منذ الطفولة، بأن تصوغ منه موقفاً.
ثانياً: الكتابة الأولى بوصفها مواجهة..من الطالب إلى المتَّهَم
حين يشارك الشاب إبراهيم أحمد، في أوائل ثلاثينياته العمرية، في إصدار كتيّب بالعربية عن حقوق القوميات في العراق، متطرّقاً إلى حقّ تقرير المصير الكردي، فإنه لا يمارس فعلاً أدبياً بريئاً، بل يمارس ما يسمّيه سارتر "الالتزام": أن يجعل الكاتبُ من كلمته فعلاً في العالم، فعلاً له ثمن. الثمن هنا كان المنع والمحاكمة. هذه اللحظة المبكرة تؤسّس لنمط سيتكرر طوال حياته: الكتابة عنده لا تسبق الفعل السياسي ولا تتلوه، بل هي الفعل نفسه في صورته الرمزية. من هنا يمكن فهم عمق الصلة بين الكاتب والمتَّهَم في شخصه: فالوعي الذي يكتب هو نفسه الوعي الذي يُحاكَم، والمحاكمة ليست عقاباً خارجياً بقدر ما هي تأكيد، من طرف السلطة نفسها، بأن الكلمة قد أصابت موضعاً حسّاساً من بنية الهيمنة. في هذا المعنى، تتحوّل المحاكمة من واقعة بيوغرافية إلى لحظة تأسيسية: الذات تتعرّف على قوّتها بمقدار ما تُقمع.
ثالثاً: گەلاویژ..المجلة بوصفها مرآة جماعية للذاكرة الجمعية
تسلّم إبراهيم أحمد رخصة مجلة گەلاویژ، ثم رئاسة تحريرها لسنوات طويلة بمعية علاء الدين سجادي، لا يمثّل مجرّد محطة مهنية، بل يمثّل انتقالاً من الكتابة الفردية إلى صناعة فضاء جماعي للتعبير. المجلة، هنا، تؤدي وظيفة أقرب إلى ما يصفه بول ريكور بـ"الهوية السردية": فالجماعة لا تعي ذاتها إلا حين تجد من يروي حكايتها بشكل متواصل ومتراكم عبر أعداد ومقالات وأصوات متعددة. مئة وستة عشر عدداً على مدى سنوات تعني أن إبراهيم أحمد لم يكن يكتب لنفسه، بل كان يبني، عدداً بعد عدد، ذاكرة كردية حديثة قابلة للاستمرار، ذاكرة تحفظ الشعر والنثر والفكر في وعاء واحد. قربه من شعراء كبار في تلك المرحلة ليس زخرفاً بيوغرافياً، بل دليل على أن المشروع كان جماعياً بامتياز: الذات الفردية للكاتب تنمحي جزئياً لصالح مشروع أكبر هو تأسيس أفق كتابي كردي حديث، وهذا انمحاء اختياري لا قسري، وفيه من التضحية الوجودية ما يستحق التوقف عنده.
رابعاً: القاضي الذي استقال..جدلية القانون والضمير
تعيينه حاكماً في أربيل ثم في حلبجة، واستقالته لاحقاً من هذا المنصب، يفتحان سؤالاً وجودياً دقيقاً: ماذا يعني أن يشغل الكاتبُ موقع السلطة القانونية ذاتها التي سبق أن حاكمته؟ القانون، في صورته المؤسّسية، يفترض مسافة محايدة بين الحاکم وموضوع الحكم، لكن إبراهيم أحمد، بحكم تكوينه، لا يملك تلك المسافة: هو ابن قضية، لا حكم فوقها. الاستقالة، هنا، ليست انسحاباً بل هي حسم وجودي بالمعنى الكيركغاردي: لحظة يختار فيها الفرد الأصالة على حساب الاستقرار الوظيفي، حين يستحيل التوفيق بين ما يمليه المنصب وما يمليه الضمير المنغرس في قضية جماعته.
من هنا فإن مغادرته سلك القضاء ليست فشلاً مهنياً، بل هي ثمن الاتساق: الذات ترفض أن تسكن مؤسسة لا تعبّر عن حقيقتها، فتعود إلى موقع الفعل المباشر: تأسيس تنظيمات ثقافية وسياسية جديدة.
خامساً: الأمين العام..الفرد داخل جدل التنظيم
انتقاله إلى العمل الحزبي، ثم توليه موقع الأمين العام، يضعان الذات الكاتبة أمام امتحان آخر: كيف يحافظ المثقف على صوته الفردي وهو يتحمّل مسؤولية تمثيل جماعة بأكملها؟ بلغة بورديو، يمكن القول إن إبراهيم أحمد ينتقل من "حقل الإنتاج الثقافي" إلى "حقل الفعل السياسي"، وهما حقلان لهما منطقهما الخاص ورأسمالهما الرمزي الخاص، وكثيراً ما يتصادمان. المؤتمر الحزبي الثالث، الذي غيّر اسم الحزب وأعاد تشكيل علاقاته وهو محاصَر في كركوك، يكشف عن سياسي يمارس الفعل في الحدّ الأقصى من الخطر لا في أريحية المكتب، وهذا يعيد إنتاج النمط ذاته الذي رأيناه في المحاكمة الأولى: القرار الحاسم لا يُتخذ إلا تحت الضغط الأقصى. اقتراحه تأسيس اتحادات للكتّاب والشبيبة والنساء الكرد يكشف، بدوره، عن وعي منهجي بأن التحرر السياسي لا يكتمل من دون بنية ثقافية موازية تحتضنه وتديمه، أي أن السياسي عنده لا ينفصل عن مشروع الكتابة الذي بدأه.
سادساً: السجن..الزمن المعلَّق وكتابة الانتظار
في السجن، حيث يُستكمل ديوان "گەلاویژ"، يتجلى بعدٌ آخر من الوجود: الزمن حين يُصادَر من صاحبه. السجن يعطّل الزمن الخطّي للفعل السياسي، لكنه، في المقابل، يفتح زمناً آخر هو زمن التأمل والكتابة الداخلية. هنا يمكن استدعاء ليفيناس: العزلة القسرية لا تُنتج انغلاقاً على الذات، بل تُعمّق الإحساس بالآخرين الغائبين — الرفاق، الجماعة، الوطن — إذ يصبح وجه الآخر أكثر إلحاحاً كلما تعذّر الاتصال المباشر به. الكتابة في هذه الحال ليست هرباً من العزلة بل مقاومة لها: هي الطريقة التي يعيد بها المسجون وصل نفسه بالزمن الجماعي الذي حُرم منه جسدياً. أن يخرج من هذه التجربة بديوان مكتمل هو، إذن، أبلغ تعبير عن قدرة الوعي على أن يحوّل السلب — الحرمان من الحرية — إلى إثبات: إثبات القدرة على الاستمرار في صنع المعنى حتى في أضيق الشروط.
سابعاً: مرثية قاضي محمد..الشهادة على الفقد الجماعي
حين يكتب إبراهيم أحمد في رثاء قاضي محمد بعد إعدامه، فإنه لا يمارس طقساً أدبياً تقليدياً، بل يمارس ما يمكن تسميته "عمل الحداد" بالمعنى الذي يتجاوز الفرد إلى الجماعة: الإعدام هنا ليس موت فرد، بل هو جرح في الجسد السياسي بأكمله، ومهمة الشاعر أن يحوّل هذا الجرح إلى لغة قابلة للتناقل، إلى ذاكرة لا تُمحى بمحو الجسد. المرثية، في هذا السياق، فعل شهادة (témoignage) قبل أن تكون فعلاً جمالياً: هي التزام الحيّ تجاه الميت بألا يُترك للنسيان، وهي، في الوقت نفسه، تعزية للجماعة بأن خسارتها لم تمرّ من دون أن يُقال فيها قول. العلاقة الحميمة التي تجمع الكاتب بالزعيم السياسي تكشف أيضاً أن السياسة، عند إبراهيم أحمد، لم تكن يوماً علاقة تنظيمية باردة، بل كانت ممتدة الجذور في المودة والوفاء الشخصيين، وهذا ما يمنح كتاباته السياسية نبرتها العاطفية العميقة.
ثامناً: من الرومانسية الثورية إلى الواقعية..الشكل بوصفه اختياراً وجودياً
انتقال إبراهيم أحمد، على مستوى الكتابة، من رومانسية ثورية في بداياته إلى واقعية سردية ناضجة في مرحلة لاحقة، ليس مجرّد تطوّر أسلوبي بل هو، بمعنى أعمق، تحوّل في العلاقة بالوجود ذاته. الرومانسية الثورية تفترض ذاتاً منتشية بإمكان التغيير الشامل والفوري، أما الواقعية فتفترض ذاتاً تصالحت مع تعقيد الشرط الإنساني، مع بطء التاريخ، مع مقاومة الواقع لإرادة الفرد. هذا الانتقال يوازي، على نحو لافت، مسار حياته السياسية نفسها: من حماسة الشباب الأولى إلى مسؤولية القيادة التي تفرض حسابات أدقّ وأصعب. الريادة اللغوية التي يُنسب إليها إبراهيم أحمد، وابتكاره مصطلحات ومفردات جديدة في الكردية، ليست مجرّد زخرفة أسلوبية، بل هي، بمعنى هيدغري، إعادة بناء "بيت الكينونة" الذي هو اللغة: حين تفتقر لغة قوم إلى المفردات التي تسمّي تجربتهم الحديثة، فإن ابتكار تلك المفردات هو، في ذاته، فعل تحرري لا يقل أهمية عن الفعل السياسي المباشر.
تاسعاً: "ژانی گەل"..الرواية بوصفها سيرة جماعية للألم
رواية "ژانی گەل" (محاض الشعب )، التي استغرقت كتابتها وترقّبُ نشرها الكامل نحو عقدين من الزمن، تمثّل ذروة المشروع الأدبي عند إبراهيم أحمد، لأنها تنقل السيرة الفردية إلى سيرة جماعية: عنوان الرواية نفسه يعلن أن الألم لم يعد ألم بطل واحد، بل ألم "الشعب" بكامله. هذا الانزياح من "أنا" الكاتب إلى "نحن" الجماعة هو جوهر ما يمكن تسميته بالسيرة الذاتية الموسّعة أو الـ"أوتوبيوغرافيا الجمعية": الكاتب يروي نفسه من خلال رواية الآخرين، ويروي الآخرين من خلال تجربته الذاتية، بحيث يصبح من الصعب الفصل بين الشهادة الشخصية والملحمة الجماعية.
تحويل الرواية لاحقاً إلى عمل سينمائي يؤكد أن هذا الألم لم يبق حبيس النخبة القارئة، بل تسرّب إلى الذاكرة البصرية الجمعية، وهذا امتداد طبيعي لمشروع إبراهيم أحمد الأول: أن يكون للجماعة صوت مسموع بكل الوسائط الممكنة.
عاشراً: المذكرات غير المكتملة..الذاكرة بوصفها مقاومة للمحو
صدور جزء من مذكراته لأول مرة بعد رحيله، وفيها يضيء على طفولته وتعليمه وطرده وسجنه وتأسيس تنظيماته، يفتح سؤالاً أخيراً حول طبيعة السيرة الذاتية نفسها: هل تكتمل السيرة عند موت صاحبها، أم أن نشرها المتأخر، بعد أن تنقّح وتُراجَع، هو استكمال ضروري لمشروع لم يقصد صاحبه أن يقوله كاملاً في حياته؟ بمعنى ريكوري، السيرة الذاتية ليست استرجاعاً حرفياً للماضي، بل إعادة تشكيل سردي له وفق أفق المعنى الذي بلغه الكاتب في لحظة الكتابة. أن تُنشر هذه المذكرات اليوم، ضمن أعمال كاملة تُعاد قراءتها من جيل لم يعاصر تلك الأحداث، يعني أن السيرة تتجدّد باستمرار في كل قراءة جديدة: الذاكرة، هنا، ليست حارسة الماضي فحسب، بل هي أداة مقاومة ضدّ محو مزدوج — محو الاستبداد الذي منع الكتاب يوماً، ومحو النسيان الذي يتهدّد كل أرشيف لم يُقرأ.
خاتمة: إبراهيم أحمد بين الكينونة والفعل
حين نجمع خيوط هذه السيرة — الطفل المنغرس في مكانه، والكاتب المحاكَم على كلمته، ومحرّر المجلة الذي بنى ذاكرة جماعية، والقاضي الذي استقال طاعةً لضميره، والأمين العام الذي أدار المخاطرة القصوى، والسجين الذي حوّل الحرمان إلى ديوان، والراثي الذي حوّل الفقد إلى شهادة، والروائي الذي حوّل الألم الفردي إلى ملحمة جماعية، والمذكِّر الذي واجه النسيان — يتّضح أن ما يوحّد هذه الأقنعة المتعددة ليس تراكماً عرَضياً للمهن والألقاب، بل مبدأ وجودي واحد: رفض الفصل بين الكلمة والفعل. إبراهيم أحمد لم يكن كاتباً مارس السياسة حيناً، ولا سياسياً مارس الكتابة حيناً آخر، بل كان ذاتاً واحدة ترى في اللغة فعلاً سياسياً بامتياز، وفي الفعل السياسي معنى لا يكتمل إلا حين يُروى ويُكتب. هذه هي، في نهاية المطاف، الدرس الوجودي الأعمق الذي تقدّمه سيرته: أن الإنسان لا يُختزل في الشرط الذي أُلقي فيه، بل يُقاس بمقدار ما يحوّل ذلك الشرط، عبر اللغة والفعل معاً، إلى مشروع معنى يفيض عن حياته الفردية ليصير إرثاً جماعياً حيّاً.
|