×

  رؤى حول العراق

  نهبوا وأثروا.. ألمْ يشبعوا؟



*عبد المنعم الاعسم

المعادلة بسيطة، ولا حاجة بنا للعودة الى علم الرياضيات وحساب الثراء على اساس «من اين لك هذا» وذلك بتقصي سيرة ومسيرة كل فاسد يشار له بالبنان بوصفه من حيتان فساد المرحلة، والحال، من السذاجة ان يتساءل المراقب الآن عن الحدود التي يقف عندها الفاسدون، فيشبعون ويرعوون.

اقول من السذاجة لأننا نسمع مثل هذه التساولات من المواطنين بالقول: نهبوا كثيرا، لكن ألم يشبعوا؟

 وفي التاريخ وتجارب محاربة الفساد كفاية من الوقائع عن جشع هؤلاء اللامحدود، ونهمهم المريض، وتعلقهم بفحشاء النهب والنصب والتوسع اللامشروع بالمصالح حتى في تلك اللحظات التي يحتظرون فيها.

 انهم بذلك يمثلون طبع الحيتان، وتتجسد خطورتهم في تلك الطباع التي وصفها عالم الحيوان المعروف كمال الدين الدميري بقوله ان الحيتان “لايهمها الجود ومكارم الاخلاق” بل “عظم فخد فريسة تُرك ليتعفن ويفسد” ويخص نوعا من الحيتان (نعنيه هنا) بالقول “انه دابة عظيمة تمنع المراكب الكبار عن السير” وعلى ذلك نصح الجاحظ بتجنب الحيتان الشرهة التي تعودت اكل العنبر، وهو نوع من السمك اللؤلؤي، وكأنه ينصحنا ايضا ان لانثق باغواء جلد الحوت الذي يتسم بالنعومة والانزلاق، واحسب ان الحوت الذي قطع رجل بطل رواية هيرمان ملفيل الشهيرة (موبي ديك) ينتــــسب الى هذا النوع الغادر من الحيتان.

ولا يختلف هذا الجنس من حيتان الفساد، في طبعتها وطباعها (حسب الدميري) عن تلك الحيتان التي “تتنفس من منخرتها الموجودة في اعلى الرأس” وتتخاطب في ما بينها بواسطة الصفير، والنحيب، والصراخ “من على الشاشات الملونة” وهي جميعا، ومن غير استثناء، رموز لكل مهووس بالتضخم المادي، ومن ذوي الجشع والجهل والسِيَر المدنسة، ولدى الصيادين ورواد البحار قصص مروعة عن تلك الحيتان الغادرة، لكني لا اعرف مدى صحة القول بان هذه الحيتان لاتقرب من أي مركب يقل امرأة حائضا، وأشك بالرواية القائلة بان الحيتان لم تكن لتهاجم البواخر الامريكية التي كانت تقل في القرن الثامن عشر نساء سجينات يجري نقلهن الى جزر نائية لزجهن في اعمال السخرة الهمجية.. اقول أشكّ لأن حيتاننا لا يتورعون عن تلك الافعال وهم «يلغفون» قوت الشعب.

وفي قصة أجنبية لا أتذكر كاتبها، يتوسل عامل نسيج بسيد العمل الثري، المرابي وتاجر الحرب، ان يرفع من اجره ليواجه اعباء معيشة عائلته التي كبرت بولادة ابنين توأمين له فيصرخ به الرجل: اعرف جيدا انك تريد بذلك ان تفقدني ثروتي.

وان تملك المصنع في نهاية المطاف وتجعلني عاملا تحت امرتك.طباع حيتان المرحلة من الفاسدين الصفاقة.. فقد القوا الصفيق في نار جهنم فصرخ: أخرجوني.. انا اتجمد من البرد.

*صفحة الكاتب


29/11/2023