×

  مام جلال ... حقائق و مواقف

  رحيل العم الذي لم يشبه أحداً سوى نفسه !



*د. سربست نبي

 

أفصح التاريخ عن دهائه ومكره ذات يوم حين جعل من الخصم المتمرد والثائر، الذي كان يستثنى في كل مرة من مأثرة عفو شامل يطلقه السيد الطاغية، يغدو هنا سيّد مصيره ومصير الشعب الذي اغتصب الطاغية حق الحديث باسمه لأمدٍ طويل. أخذت هالة الحرية تحوم فوق رأسه وتكلله، في الوقت الذي أصبح الطاغية شاهداً مهزوماً، متجهماً وكئيباً على كل مافعل. وغدا هو هذه المرة تحت رحمة السيد الجديد. كان يستجدي الرحمة منه حينما أصبح عنقه موضوعاً لحبل المشنقة الغليظ. وبدا أن ماض كل منهما كان يشرح لنا بمعنى من المعاني حاضر كلّ واحد على حدة ومصيره. الأول منح ماضيه الكفاحي الشرف لمكانته الجديدة. الثاني ألحق ماضيه العار براهنه المعيش، بل وطبع مكانه القابع فيه بطابع الإذلال، حاملاً معه استبداده القبيح إليه، يرسف في أغلاله وفي أصفاد العبودية، التي طالما قيد بها شعبه.

تلك كانت البرهة الأساسية الفريدة في تاريخنا المعاصر. فبعد سقوط جدار برلين، لم نشاهد التاريخ على تلك الصورة وعلى الوجهة ذاتها إلا مع هزيمة طاغية بغداد وصعود خصمه اللدود والمتمرد دائماً.

 حلّت الحرية المتمردة محل استبداد منحط فقد سلطانه على الحياة لتغدو الحرية هي السائدة. وتحول المتمرد الكردي والثائر إلى سيد حرّ يصنع مصيره بحرية مع بقية الأحرار.

 وأصبح منطق الفرد الثائر واقعاً راهناً، في حين أمس واقع السيد المستبدّ منطقاً نافلاً مضاداً للتاريخ وحكمته. أصبح متمرد الكهوف والجبال سيداً على حاضره ومستقبله، وتحول السيد الطاغية إلى شاهد على استعباده الخاص محكوم بماضيه الأشد إرهاباً في التاريخ ومقهوراً على الخضوع له.

الآن وقد مضى الثائر المتمرد، رحل الزعيم القومي الكردي/ العراقي البارز جلال طالباني، الذي عرف منذ فتوته الباكرة بـ مام جلال. رحل مخلّفاً وراءه جبلاً من التناقضات، على الصعيدين القومي والوطني العراقي، من الصعوبة بمكان التوفيق بينها أو تجاوزها في ظلّ غيابه. رحل في أشد اللحظات المصيرية حساسية بالنسبة لوجود الدولة العراقية وبقائها وأيضاً بالنسبة للمسارات المعقد للقضية الكردية في سوريا والعراق.

عرف عن مام جلال( العم) قدرته ومهارته على إدارة تناقضات الوضع العراقي وتعقيداته بحكمته السياسية ودهائه. و لا أخفي هواجسي وقلقي العميقين من هول الفراغ الذي قد يخلفه غيابه في هذه المرحلة الحرجة والدقيقة من تاريخ العراق وكردستان.

 الرئيس طالباني كان رئيساً عراقياً بامتياز وقومياً كرديّاً متجذراً في انتمائه إلى أقصى حدّ.

 انتمى إلى عمق الواقع العراقي والكردستاني معاً في موقف جدلي غاية في التعقيد والكثافة. ولهذا كان قادراً على إيجاد الحلول لكثير من التحديات المستمرة منذ سقوط الديكتاتور.

 وكان قادراً على الترفع والنأي بنفسه عن الاستقطابات الجزئية، ليبرهن في نهاية المطاف أن الهمّ الإنساني المشترك والشامل هو الأولى برعايته.

لم يتطلع طالباني يوماً أو يكترث بأن يعيش في توافق تامّ، أو يحافظ على وحدة نفسية وعقلية زائفة تسبغ على شخصه انسجاماً شكليّاً، بل على العكس من ذلك، كانت حياته اليومية ومواقفه تتغذى من القلق الذي يعيشه ويحفّزه على التقدّم في حقل خصب وزاخر من التناقضات، التي كان يعيها في كلّ برهة ويواجهها.

 كان هذا القلق بالذات هو الذي راكم لديه ونمى الحسّ بابتكار الحلول وإبداعها. فقد رفض منذ بداية وعيه مايعرف بالمبدأ الرواقي الأسمى لدى بلوتارخ، أي البحث عن التوافق بين الثوابت الشخصية والسلوك ومعطيات الواقع، رفض المهادنات الخادعة، وفي حالات الصراعات الحادة كان يلجأ إلى التحايل على التناقضات عبر ترويضها وتطويعها، ومن هنا نكتشف أحد ملامح براغماتيته السياسية في المواقف، التي أثارت الحيرة دوماً لدى أصدقائه قبل خصومه.

 إذ كان أكثر الزعماء الكرد، وربما الشرق أوسطيين، إثارة للحيرة والتساؤل، الأكثر إثارة للذهول والدهشة. وفي عموم الأحوال لم يهتم أن يعيش بسلام أو طمأنينة زائفة أو وئام مع تناقضات محيطه الخارجي التي واجهها في كل حين وأوان.

وبخلاف ماسبق، فإن الوعي المتوافق، الوعي الذي ينشد الإنسجام المطلق، يستحيل عليه أن يتقدم ويكتشف التناقضات في الواقع. وفي الحالات التي يضطر إلى ملاحظتها، فإنه يلجأ إلى الهروب منها عبر تمييعها أو إظهارها على أنها عارضة، ولهذا هو وعي رجعي ومحافظ وغير ديمقراطي.

إنه وعي مزيف، جامد يقف عند برهة ثابتة من التاريخ ويتجاهل السيرورات الواقعية المحيطة به، ومن ثمّ يلجأ إلى إسباغ القداسة على اللحظة التاريخية تلك.

الوعي المتناقض، وعي جدلي، ينطوي على قوة تغيير وتجديد، وهو في الآن نفسه وعي نقدي بالضرورة، ينخرط بعمق في تناقضات الواقع ليبني عليه ويؤسس لتجاوزه.

وما ميّز العقل السياسي لتجربة طالباني هو هذه القدرة على اكتشاف التناقضات والتغلب عليها، وفي الحالات القصوى التي كان يضطر إلى تقديم تسويات مؤقتة أو التعايش معها كان يستعين بحسه العالي في التهكم والسخرية منها، وهذا ما أضفى على شخصه طابعاً عرف به خطأ ونعني روح الفكاهة.

 إلا أنه كان يرنو من وراء التفكه الظاهر ماهو أعمق وأبعد من المرح الاعتيادي، إذ ينطوي روح التهكم عادة على زخم معرفي ووعي هائل مصحوب بحس نقدي يسعى إلى التسامي على المفارقات الجزئية العابرة وإلى تسفيهها بدلاً من الإنهمام بها.

هكذا فقد اختزل مام جلال في شخصه كلّ تناقضات واقعه، الثقافية والمجتمعية والقومية، وتعاطى معها بديناميكية فريدة تنم عن ذكاء عملي ونظري. كانت حياته مسيرة متواصلة في مواجهة التناقضات، وكان دأبه التخلص منها عبر التغلب عليها ومن ثم اكتشاف ماهو أعقد منها.

 ويمكن اكتشاف أول تناقض واع لديه في طفولته الباكرة، لحظة بدء تكوين وعيه الاجتماعي والسياسي، حينما اتخذ لقب(مام) العم لنفسه، وهو يشير إلى تقدير اجتماعي لايمنحه أقرانه أو أبناء جيله إلا لمن بلغ من الحكمة العملية والاجتماعية مبلغاً، واستطاع أن يفرض قيادته المستقلة وجدارته على الجميع.

 هنا أخذ وعيه بفكرة التقدم والتغيير ينفصل عن مؤسسة التكية الدينية، التي كان وريثها الشرعي، باتجاه تأسيس شرعية سياسية حداثية لانسب شرعي لها، في تحدّ واضح للمؤسسات الاجتماعية الراسخة والسائدة في زمنه.

التناقض الثاني والرئيس في شخص طالباني، الذي ظلّ ملازماً لسلوكه حتى رحيله، كان تناقض الثقافي والسياسي، ومن خلاله. كان يهدف إلى انتصار قيم المعرفة النظرية على المعايير العملية للسياسية.

 ولعلنا نفسّر هذا الولع الشديد المعهود عنه بالثقافة والمثقفين بضرورة أن تقدم السياسة والسياسة ضريبة أخطائها البراغماتية للثقافة وتعبّر عن توقيرها الشديد لها، وهذا يشرح لنا انحيازه إلى الرؤية الثقافية والأخلاقية، التي تسعى إلى تأكيد قيم التقدم والحرية والاستقلال والكرامة في نهاية المطاف.

فقد ظلّ الراحل وفيّاً لحلم المثقف أكثر من الوفاء لمقاصد السياسي العملية وبرهن طوال حياته على هذا الإخلاص في الهواجس المعرفية والأدبية التي كانت تصاحب نقاشاته وفي ولعه بالكتاب والحوارات، وفي ظنّي كان ثمة شعور لديه، عميق وخفي، قوامه أنه ولج عالم السياسة مكرهاً، وربما مصادفة، أو هي فرضت حاجاتها عليه، ولهذا تعاطى معها بسخرية وتهكم عاليين في العديد من المناسبات، كضرب من الثأر الشخصي من سطوتها عليه.

كان تعاطيه مع السياسة في البداية، كوسيلة لا كغاية، التزاماً أخلاقياً فرضته حاجات قضية قومية وإنسانية، التزاماً بتحقيق الحلم الذي سخّر حياته لأجله. لكن هذا التعاطي تحوّل بعد تجربة الحكم في بغداد إلى فخّ مرهق بالنسبة إليه، يثير عنده التوتر والقلق والانفعال الشديد.

 وفي أوقات كثيرة كان قادراً على الخروج من حالات سطوة تلك المشاعر السلبية، وعلى توجيه انفعالاته وجهة مختلفة، عبر تعاطيه مع السلطة والسياسة بتهكم ومرح..

وظّف طالباني الثقافة، الأدب والشعر، إلى أقصى حدّ في العمل السياسي، وفي ممارسة السلطة، محاولاً تجريد السياسة، جهد المستطاع، من أبعادها النفعية والمصلحية المؤقتة والفجّة. بخاصة حينما كانت الصراعات السياسية تحتدم في محيطه وتتفاقم، هنا كان يلجأ إلى تقديم الأجوبة أو الحلول في صيغ أدبية أو ثقافية، بغرض تشذيب التناقضات وتهذيبها، وتغليب الوعي على الفعل. إن تناقض الوعي مع الفعل وتغليبه، تناقض الحلم مع الواقع، هو تناقض ملازم لسلوك كلّ مثقف أصيل أكثر مما هو ملازم لعقل السياسي الغارق في الواقعية الفجة. وقد استطاع طالباني أن يستثمر بمهارة فطنته في هذا التناقض ليعيد بناء وعيه بالعالم وصياغته، ويقود التسويات في محيطه الهادر بالصراعات الطائفية والقومية.

تناقض الوطني والقومي كان هو التناقض الثالث الأبرز في وعي طالباني السياسي وفي تجربة كفاحه السياسي، ويعبر عنه بتناقض الخاص والعام. وكان يسعى إلى تخطيه وحسمه باتجاه تغليب الحس الإنساني المشترك والشامل. حيث عايش تناقضات واقعه القومي وتحولاته بعمق وتجذّر أصيل، وعدّ هذا الواقع أساساً راسخاً لكفاحه وعمله السياسي.

 إلا أن وعيه واجه باستمرار استحقاقات سياسية وإنسانية من محيطه العراقي والعربي والفارسي…الخ كان عليه أن يستجيب لها بقدر كبير من الإلتزام السياسي والأخلاقي.

من هذا الموقع يمكن فهم وقراءة درجة تفاعله النشط واستجابته للنضال التحرري للشعب الفلسطيني وجميع قضايا التحرر الوطني والديمقراطي في المنطقة والعالم، ناهيكم بانخراطه الفاعل والحاسم في مواجهة نظم الاستبداد في العراق واسهامه العميق في صناعة التحولات التاريخية التي عصفت بالبلاد طوال ستين عاماً.

في ضوء هذا المبدأ يمكن أيضاً شرح آليات إدارته لمؤسسة الحكم في العراق خلال سنوات رئاسته للعراق، حيث استطاع أن يبرهن للجميع أنه قادرٌ على أن يكون، في الوقت نفسه العراقي الأول، الذي بمقدور العراقيين جميعاً أن يلجأوا إليه ويلقوا بمعضلاتهم السياسية على كاهله كي يجد لها حلاً دون أيّ قلق أو ارتياب في مقاصده العراقية. في الوقت الذي ظلّ فيه الزعيم القومي الملهم لجميع الكردستانيين في العالم.

لقد التزم طالباني بعقلانية واقعية في نهجه السياسي والقومي، إلا أن عقلانيته وواقعيته التي طبعت بطابع براغماتي عُرف عنه، لم تكن في أيّ وقت من الأوقات براغماتية قصدية، إنما براغماتية أداتية، عدّت من السياسة رافعة للتغيير ولتحقيق مآرب تاريخية وإنسانية شاملة. حيث خط لنفسه نهجاً سياسياً تميّز به وانفرد.

 ومن الصعوبة بمكان اليوم إيجاد نسب سياسي في التاريخ القومي الكردي يمكن عبر الإحالة إليه فهم التجربة السياسية لشخص طالباني، فهي نتاج وحده وهو الأب الوحيد الشرعي لموقفه.

وبمعنى من المعاني، يمكن اعتباره أبو السياسة الكردية الحديثة ومؤسسها، لأنه الأول الذي وضع السلطة نصب عينيه كمنصة للتحرر القومي، وقد استطاع أن يحقق ذلك جزئياً وإن كانت بقوائم عربية وفي عاصمة كانت تعدّ قبلة العروبة في وقت من الأوقات.

رحل طالباني، العم والزعيم، أخيراً، فمن يجرؤ اليوم، من بعده، على الإدعاء بخلافته، أو بتمثيل تركته السياسية أو دوره؟ من هو القادر على التصدي لعبء التناقضات التي كان الراحل يتعاطى معها بمهارة وحذق ويتخطاها؟ من يستطيع أن يتخلص من شبحه أوظلّه الذي سيظلّ يحوم فوق رؤوس الجميع لأمد طويل، حتى يغدو قادراً على التصرف وحده من دون العودة إلى الشرعية التي خلّفها وراءه؟

*15 تشرين الاول 2017


03/10/2024