×

  مام جلال ... حقائق و مواقف

  جلال طالباني زعيماً سياسياً ورئيساً عراقياً



*د. نصير العاني

*نص ورقته البحثية في الملتقى الوطني الأول لرحيل الرئيس جلال الطالباني في النجف الاشرف

تشرين الأول 2023/ جلسة :"الرئيس جلال طالباني بعيون اصدقائه ورفاق دربه "

 

 

ابتداء ولكوني نشأت في هذا البلد العريق ولم أغادره الى هذه اللحظة، وعندما أدركنا مرحلة الشباب وانخرطنا في العمل السياسي منذ نهاية الستينات .... كنا نسمع عن قادة وزعماء.. ومن أبرز هؤلاء القادة مام جلال الطالباني، وشاءت الأقدار وبعد أن دار الزمان دورته، وإذا بي أكون قريبا من هذا الزعيم في مفصل مهم من مفاصل الدولة العراقية وتأريخها، وذلك عندما تم اختياري من قبله ومن قبل هيئة رئاسة الجمهورية، ومن ثم التصويت في مجلس النواب كرئيس الديوان رئاسة الجمهورية عام 2007 ، والذي يقضي بأن يكون ارتباطي المباشر بشخصه. وبذلك أصبحت محظوظاً بأن أكون بقرب رجل قائد وزعيم... استقيت منه الكثير من الخبرة، والممارسة السياسية التي كان يُعرف بها، وسياسة الاستيعاب كانت شعاره وقد أبدع فيها أيما إبداع، وكأنها صفة عفوية في سلوكه وشخصيته نادرا ما يتمتع بها القائد، حيث أنها كانت تعطيه حق الزعامة.

والوقفة الأخرى في مسيرته هي فهمه الدقيق لطبيعة المجتمع العراقي، واحترامه الشديد لتنوعه، وتسخير هذا التنوع ليجعل منه جمالاً استثنائياً، وكان يطلق على هذا التنوع (شدّة الورد)، وقد جاء هذا الفهم عبر معايشته الحقيقية والواقعية لكل المكونات، وأيضاً نتيجة لتواجده في بغداد ودراسته في كلياتها، والتي كانت تمثل الطيف العراقي الأصيل والبهيج الذي أبهر العالم على مر الأزمان والعصور.

ومن خلال هذا التواجد استطاع أن يصل الى جميع القوى الوطنية المعارضة والأحزاب السياسية المتواجدة على طول الفترات الزمنية رأيته شجاعاً في استقبال الأحداث الساخنة والجسيمة، ومتميزاً في تهدئتها، وفي أكثر من مرة، ومن خلال توليه لدورتين في رئاسة الجمهورية، والتي كنت ملازما له أثنائها منذ عام 2007 ولغاية 2012 حيث إنه في عامي 2012 - 2013 داهمه فيها المرض.

وفي تلك الفترة مرت أحداث جسام على بلدنا وكان يتصدر المواجهة في حلها، من استدعاء للفرقاء والمعنيين، وقبل ذلك يختار الهدف الذي يمكن أن يكون عاملاً في حل المشكلة وهذا الهدف يكون متمثلاً بالشخصيات المؤثرة في الحل.. بل ويتعدى ذلك فيذهب الى الشخصيات المشاركة في إحداث المشكلة.. ويتحاور معهم، والأغرب من ذلك انهم يكونون مطمئنين للجلوس معه من دون تخوف ولا توجس فلم يكن مباليا بلقاء أي شخصية حتى لو كانت غير مقتنعة بالنظام السياسي الجديد بعد عام 2003، ويحاورهم بل ويدعوهم إلى مأدبة غداء أو عشاء ويتخطى في حوارهم كل الحواجز والمخاوف متأملا في أن يكونوا في صف المقتنع بالوضع الجديد.

ومن شجاعته كان جلداً أمام المرض في كل تفاصيله، وكان يطلب ويوافق على اللقاءات واستمرار العلاقات وهو في أوج أزمة مرضه، رأينا ذلك عندما كنا نزوره في المستشفى في ألمانيا، فقد كان يستقبل الوفود والزائرين والأحباب وهو على فراش المرض، ثم بعد عودته إلى أرض الوطن واستمرار علاجه كذلك كانت الزيارات واللقاءات لا تنقطع عنه، رغم اشتداد المرض ووصوله الى مراحل متقدمة.

وبالنسبة إلى كرمه فقد كان مثالاً للسخاء والعطاء ولا يرد أحداً أبداً، وينفق من ماله الخاص على عوائل كثيرة محتاجة، كما أنه كان يغدق الكثير من أجل تأليف القلوب وكسبها، لذلك كانت صفتي الشجاعة والكرم مرافقتين له، وكما يصفهما الشاعر أبو الطيب المتنبي) بأنهما صفتي القيادة قائلاً:

 

لَولا المَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمْ

الجودُ يُفْقِرُ وَالإِقدامُ قَتَالُ

ومن أجمل ما كان يذكر لي عن ذكرياته عندما كان معارضاً، وحسب ما سمعته منه مباشرة، إن أهله كانوا يقولون له لكثرة ما يقوم به من البذل والإنفاق، إذا ما وافتنا المنية فسوف لن يجد ذوينا مالاً يغطون به مصاريف دفننا وإننا سندفن من قبل بلدية المنطقة) وشاءت الأقدار أن يكون رئيساً للعراق لتبقى صفة السخاء ملازمة له.

وفي سياسته في إدارة الدولة فإنه يعتمد اعتماداً مباشراً على فراسته في التعمق في تشخيص نقاط الخلل في مؤسسة الرئاسة متخطياً بذلك البيروقراطية والروتين الإداري.

كما إن موقع الرئاسة في وقتها نراه مزدحماً ليلاً ونهاراً ويعج بالزائرين والسياسيين ورؤساء المنظمات الإغاثية والاجتماعية، وكذلك المحافظين وأعضاء مجالس المحافظات الذين كان لهم جدول دوري في الجلوس معه والتعرف على مشاكلهم، وكنا بجنبه في كل هذه اللقاءات مع الوزير المعني، ويبحث معهم مشاكلهم، وحيث إن ارتباط هؤلاء الوزراء برئيس الوزراء، بل ويقوم باستقبال جميع الوزراء كل على حدة، الوزير وكادر الوزارة الرئيسيين الذين يعملون فقد كان يسجل ما يطلبون منه باعتباره رئيسا للبلاد، ومسؤولاً عن سلامة أرضه وسيادته حسب الدستور ، ولديه جلسة دورية مع دولة رئيس الوزراء ، كما في المادة الدستورية رقم (66) التي تنص على إن السلطة التنفيذية تتكون من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء.

وفي حالة حصول الأزمات يستنفر كادر الرئاسة بأجمعه لاستقبال الأزمة بسعة صدر ونظرة وطنية.

وكان يعمد الى دعوة جميع المكونات التي تشكل هذا المجتمع لغرض الوصول إلى نقاط الالتقاء التي من شأنها أن تعين على تجاوز الخلافات والصراعات.

وبعد كل أزمة كانت تعصف بالبلاد يعقد اجتماعاً طارئاً، ويتخذ قرارات ثم يتابعها مباشرة. وضمن سياسته في إدارة الدولة فقد كان يبحث عن الوطنيين والمخلصين، وبالأخص اللذين كانوا في العهود السابقة، الذين كانت تربطه بهم علاقات طيبة، وكانت تتعاطف مع مشروعه النضالي، ليطلع على أحوالهم ويطمئن على وضعهم المعيشي ماداً لهم يد العون والمساعدة، وهذا من وفاء وشيم الرجال ومن خلال مرافقتي له وحضوري بقربه في مؤتمرات القمة وخصوصا العربية منها والإسلامية، فقد كان يحظى باحترام وتقدير متميزان لدى جميع الرؤساء والملوك والأمراء، وقد كان يستغل في سفراته الرسمية نشر ثقافة السلام وتثبيت حالة الاستيعاب، ويعمد الى إجراء لقاءات صحفية موسعة منها العامة والخاصة، وكانت قامات الصحافة والإعلام تفد إليه حال سماعهم بمجيئه ويعقد معهم الجلسات تلو الجلسات، وعلى ما أذكر في إحدى لقاءاته في القاهرة.

كان لديه لقاء موسع استغرق لمدة ساعات طويلة مع السيد محمد حسنين هيكل أبهره بذكائه وحسن أداؤه، كما إنه كان يمتلك ذاكرة متميزة لمستها لديه لمس اليد نتيجة لقربي منه. وعندما أذكر له أمراً معيناً، وهو في زحمة انشغاله وفي نهاية يومه المزدحم، أهم بتذكيري له ظناً مني أنه نسيه، وإذا به يعطيني كل تفاصيله. وكما هو معروف لدى معظم الشعب العراقي، كان يطلق على نفسه الطرف والنكات، ويميل فيها على نفسه ميلاً عجيباً، ويدخل ذلك ضمن سياسته ليقطع الطريق على الذين يريدون أن يتكلموا عليه وينتقدوه، وفعلاً نجح في ذلك.

أما فرق الفنانين والشعراء وخصوصاً منهم القدماء والمخضرمين، والذين أخذ منهم حيز العمر، فقد كان يستدعيهم ويقف على أحوالهم، وكانوا يقدمون بعض المسرحيات أمامه، وفي أحد المشاهد المسرحية التي أداها فريق مسرحي متميز أمامه، وبأداء عالي وبكلمات مؤثرة، إحداهن تهتف عن ابنها الذي ذهب يقاتل في ساحة المعركة، قائلة: إن ساحة المعركة الحقيقية ليست على أرض المعركة، وإنما الساحة الحقيقية هي ما تعتلج به صدور الأمهات من قلق وخوف على فلذات أكبادها، فقد كانت كلماتها مؤثرة وهي تؤديها أمام فخامته.

وكان مولعاً بقراءة الكتب التاريخية والسياسية ومحباً للأدب ومتقنا للغة العربية أيها إتقان، حتى أنه في مؤتمر قمة مكة كان يصحح لبعض الملوك والرؤساء، مما حدي بالأمين العام للجامعة العربية الدكتور عمر موسى أن يقول بأعلى صوته : هذا حفيد صلاح الدين جاء يعلمنا اللغة العربية). وكثيراً ما كان يصحح لنا في عبارات البيانات والتصريحات الرئاسية، لما يمتلكه من ملكة في اللغة العربية. كما إنه كان يتغنى بالشعر ويتذوقه وأكثر ما كان يؤثر به شعر شاعر العراق محمد مهدي الجواهري.

وببساطته المعهودة كان يلتقي بالإداريين الذين حوله، وكذلك الحمايات الذين هم بمعيته ويجلس معهم وينبسط بالحديث ويمازحهم ويقف على مشاكلهم، مما ولد لديهم الولاء المطلق الشخصه.

ولم أجد فيه بهرجة المنصب وصفة التعالي والتسلط، فقد كان متعالياً بتواضعه.. ومتسلطاً ببساطته، إذ يحترم علماء الدين من شتى الطوائف احتراماً متميزاً لما لديهم من تأثير واضح في واقع المجتمع العراقي، وكان يهتم بهم اهتماماً خاصاً. وكذلك علاقته بالمراكز الثقافية والجامعات العراقية حيث كان يرعاهم رعاية خاصة على كل الأصعدة.

وكان له دور فاعل في وحدة الشعب الكردي، وكان بارعا في استيعاب الأزمات التي تطرأ على الساحة الكردية، كما إن لديه تفاهم متميز مع الأستاذ مسعود البرزاني الذي بدوره يكن له كل الاحترام والتقدير، لذلك نجد في فترة حياته نادراً ما تحدث مشاحنات ومناكفات في ساحة اقليم كردستان.

ومن المآثر التي شهدتها وسمعتها بأم عيني، وأردت أن أدونها ضمن هذا البحث كي تبقى في ذاكرة التاريخ، وفي آخر فترات حكمه طلب منه رسام كوري عالمي يقوم برسم صور الملوك والرؤساء في العالم، وبحكم وجود صديق مشترك بيني وبين هذا الرسام بعد الاستئذان منه برسم صورته، فقام هذا الرسام برسم لوحتين فيها صورة الرئيس جلال، وتم نقل اللوحتين الى أربيل لتسليمها باليد إلى الرئيس واللقاء به، وكان ذلك في مقر الاتحاد الوطني الكردستاني في أربيل، وعندما قام الكوريون بعرض اللوحة أمام الرئيس، أخبروه إن هذا الرسام مهمته الرئيسية هي رسم صور الملوك والرؤساء في العالم، فكان رد الرئيس جلال مباشرة بأنني واحد من أبناء الشعب، وقال: (هذولة رؤساء وملوك وآني حالي حال هذا الشعب، فقلت له كيف يا فخامة الرئيس أنت رئيس وأن اعتبارك ومكانتك متميزة بين ملوك ورؤساء العالم، فأجابني باللهجة العامية (هي شهرين وفاضة عود من أموت علكوها بالمتحف. وسبحان الله بعد شهرين داهمه المرض الذي أودى بحياته رحمه الله.

 

الخاتمة

وفي النهاية، هذه نفحات ووقفات، عشنا فيها مع زعيم سياسي ورئيس قاد العراق لأكثر من ثمان سنوات، ليغادر بعدها هذه الحياة الفانية الى رب كريم رحيم وغفور.وكما قال الشاعر (التهامي):

 

حكم المنية في البرية جاري

ما هَذِهِ الدُّنيا بدار قرار

تاركا أثراً جميلاً في نفوس كل من عملوا وعاشوا معه، والتقوا به، وواضعاً بصمة متميزة في ذاكرة تاريخ الدولة العراقية.

وتأتي هذه المبادرة الطيبة من هذا الصرح المبارك (مؤسسة بحر العلوم الخيرية) وفاءاً... وعرفاناً.. ومسؤولية تاريخية قد استشعرتها هذه المؤسسة المعطاء.

 داعين الله العلي القدير لها بالتوفيق ولرجالها بالسداد.


06/10/2024