×


  قضايا كردستانية

  الدبكة الكردية بين الوجع الفردي والذاكرةالجماعية



---حين يرقص الجسد ..بدل أن يتكلم الخطاب---
* عباس عبدالرزاق

قبل أن يصبح الرقص مجرد احتفال أو فن، كان وسيلة للتواصل مع العالم، ومع الذات، ومع الجماعة. في تجربة الشعب الكردي، يظهر هذا بشكل واضح حين كان الپيشمرگە يتهيؤون لخوض المعركة؛ قبل أن ينطلقوا للهجوم على مواقع محددة، كان لديهم طقس خاص يعكس الانضباط، الشجاعة، والروح الجماعية: تشكيل حلقات الدبكة الكردية الدائرية كما نشاهدها في الأفلام الوثائقية التي صورها عباس ڤيديو و هیرو خان. كانت هذه الدوائر لا مجرد رقص، بل طريقة لتوحيد الطاقة، لتقوية الروح قبل القتال، ولخلق تواصل غير لفظي بين المقاتلين. ومواجهة الموت ،..

ولا يختلف هذا كثيرًا عن حركة الدراويش في دوائرهم الراقصة، حيث يدورون في حالة شبه نشوة جسدية، مع حركة الرأس والجسد كله، وكأن كل جزء من الجسد يعكس حالة التأمل الروحي. وكذلك يمكن ملاحظة الصدى نفسه في الرقص الصوفي التركي على وقع الرتم الموسيقي لأشعار مولانا، حيث تتحول الحركة الدائرية إلى وسيلة للتواصل مع الذات ومع المطلق، بلا كلمات، بلا شعارات، فقط جسد يحوّل الطاقة الداخلية إلى شكل مرئي وصوتي.

إن هذه الممارسات التاريخية والفنية تعكس فكرة واحدة: أن الحركة، والجسد، والرقص ليست ترفًا، بل لغة وجودية قبل كل شيء. وهكذا نقترب من فهم نص عماد أحمد «كنا جميعًا نجومًا في مدار مام جلال»، حيث يتحول الرقص من فعل ثقافي إلى موقف إنساني وجودي، يعكس الألم، الفرح، والذاكرة الجماعية.

ليست كل رقصة فرحًا، ولا كل دبكة احتفالًا. أحيانًا، يكون الرقص فعلًا آخر للبقاء، طريقةً صامتة لمقاومة الانكسار حين تعجز اللغة، وتفقد الخطابات الكبرى قدرتها على الإقناع. في تجربة عماد أحمد، يظهر رجل يرتدي السواد ( سنعان هەورامی ) من اهالی قریة ( ژیوار )  فی ( پاوە )، يرقص وحيدًا وسط الجماعة، واضعًا يده على قلبه كما لو أنه يخشى أن ينفجر من الداخل. الآخرون يرقصون لأن المناسبة تستدعي الفرح، أما هو فيرقص لأن الحزن أثقل من أن يُحتمل صامتًا.

هنا، يتحول الرقص إلى لغة بديلة. ليس تعبيرًا عن بهجة، بل محاولة لترتيب الألم داخل الجسد. كل حركة، كل خطوة، وكل اهتزاز، يبدو كأنه حوار داخلي مع الحياة نفسها: كيف نعيش حين لا نجد سببًا واضحًا للفرح؟ كيف نستمر دون أن ننكسر؟

هذا المشهد، الذي التقطه الكاتب من مقطع عابر على وسائل التواصل، يتجاوز خصوصيته ليصبح صورة مكثفة عن حال إنسانية أوسع. فكم من إنسان يبتسم كي لا ينهار؟ وكم من جسد يتحرك كي لا يستسلم؟ الرقص هنا لا يُلغي المأساة، لكنه يمنحها شكلًا يمكن التعايش معه.

ومن هذه النقطة، يستدعي النص زوربا اليوناني، الرجل البسيط الذي واجه خيباته بالرقص لا بالشكوى. المقارنة ليست ثقافية فقط، بل إنسانية. فحين تسقط المشاريع، وتنهار التوقعات، لا يبقى للإنسان سوى جسده، وسوى قدرته على الوقوف والتحرك والمواجهة بطريقته الخاصة. الرقص، في هذا السياق، ليس هروبًا من الواقع، بل مواجهة له دون ادعاء.

غير أن النص لا يكتفي بالفرد. الذاكرة الجماعية حاضرة بقوة، لا عبر الشعارات ولا عبر الخطب، بل عبر الأجساد التي ترقص، وتلتقي، وتدور حول معنى مشترك. حين يستعيد الكاتب صورة أحمد بامرني، لا يفعل ذلك من باب الرثاء، بل من باب الاعتراف بأن بعض الأشخاص يتركون أثرهم في طريقة حضورهم، وفي قدرتهم على بث الفرح حتى في أكثر اللحظات هشاشة. هناك أناس لا يُذكرون بما قالوه، بل بما جعلوا الآخرين يشعرون به.

أما مام جلال، فيظهر في النص بوصفه مركزًا رمزيًا لا سياسيًا مباشرًا. الجميع يدور حوله، لا قسرًا، بل طوعًا. كأن الكاتب يلمّح إلى زمن كانت فيه السياسة، في لحظاتها النادرة، قادرة على جمع الناس حول أمل مشترك، لا حول خوف مشترك. الدوران هنا ليس طاعة، بل انسجام. والنجوم لا تتصادم لأنها تتحرك ضمن مدار معنوي واحد.

ما يميز هذا النص أنه لا يَعِد بخلاص. لا خلاص سياسيًا، ولا خلاصًا نهائيًا من الألم. إنه نص واقعي، وربما قاسٍ في صدقه. لكنه، في المقابل، يقترح شيئًا بسيطًا وعميقًا: أن نستمر. أن نتحرك. أن نرقص، لا لأن الحياة عادلة، بل لأنها ما تزال ممكنة.

في زمن تتكاثر فيه الخيبات، ويصبح الخطاب أثقل من أن يُحتمل، يذكّرنا هذا النص بأن الجسد قد يكون أصدق من اللغة، وأن الفعل الصغير قد يكون أبلغ من الشعار الكبير. الرقص، هنا، ليس زينة للمشهد، بل موقف. موقف إنساني يقول: قد لا نغيّر العالم، لكننا نستطيع أن نغيّر طريقتنا في الوقوف داخله.

وربما، في هذا المعنى تحديدًا، تكمن قوة الأدب: أن يحوّل لحظة عابرة، رقصة في قرية بعيدة، إلى سؤال مفتوح عن الكرامة، والذاكرة، ومعنى أن نكون بشرًا في عالم لا يمنحنا دائمًا أسبابًا كافية للفرح.

30/12/2025