أكد عضو المجلس التنفيذي لمنظومة المجتمع الكردستاني (KCK)، مصطفى قره سو، أن العملية القائمة ينبغي أن تنتقل إلى أرضية سياسية وقانونية، محذرا: "إذا لم يتم توضيح الوضع القانوني لمقاتلي الكريلا وللكوادر، فإن هذه العملية ستتعثر".
وقيم العناوين المتعلقة بالانتقال إلى المرحلة الثانية، ودور البرلمان، وموقف المعارضة، وهي القضايا التي تتصدر النقاشات الدائرة حول عملية السلام والمجتمع الديمقراطي.
بغياب استجابات قانونية وسياسية لخطواتنا، هذه العملية ستتعثر
وقال قرةسو :في اللقاء الذي عقده القائد آبو مع وفد إمرالي لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب، وكذلك في الرسالة التي وجهها إلى الرأي العام، يلفت الانتباه إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية. فما الذي تتضمنه المرحلة الثانية في جوهرها؟ وفي هذا الإطار، صدرت أيضا بعض التصريحات عن ممثلي السلطة الحاكمة، غير أنه لم يُلحظ أي تطور ملموس. فلماذا لم تستجب الدولة حتى الآن للتوقعات المطروحة؟ وبصفتكم حركة سياسية، قمتم باتخاذ خطوات عديدة من شأنها تسهيل العملية، لكن لماذا لا يُقابل مخاطبوكم هذه الخطوات بخطوات مماثلة؟
كما هو معلوم لدى الرأي العام، لقد اتخذنا العديد من الخطوات المهمة والجذرية. فقد قررنا حل حزب العمال الكردستاني (PKK) وإنهاء الكفاح المسلح، كما قمنا بسحب قواتنا من مناطق داخل تركيا كانت تنطوي على مخاطر اندلاع المواجهات، وكذلك من خطوط التماس الحدودية. ينبغي على تركيا، في هذه المرحلة، نقل هذه العملية إلى أرضية سياسية وقانونية. ويجب أن تكون لهذه الخطوات التي اتخذناها استجابات قانونية وسياسية واضحة، إذ إن استدامة السلام لا يمكن أن تتحقق إلا على هذا الأساس. وإذا لم يتم توضيح الوضع القانوني لمقاتلي الكريلا وكوادر حزب العمال الكردستاني الذين جرى حل تنظيمهم، ولم تُسن القوانين التي من شأنها تهيئة شروط سياسة ديمقراطية حرة، فإن هذه العملية ستتعثر عند حد معين. ولهذا السبب، طالب القائد آبو بالانتقال إلى المرحلة الثانية.
وتُعد هذه المرحلة عملية تهدف إلى إدماج كل من البُنى التنظيمية التي تخلت عن السلاح، وكذلك الكرد، ضمن الإطار القانوني. ومن أجل التقدم السليم والمتين للمرحلة الثانية، ينبغي أن يتمتع القائد آبو بظروف حياة وعمل حرة. كما أن هناك فئات أخرى متعددة للقضية الكردية، ويتعين على القائد آبو عقد لقاءات معهم بشأنها، وإشراكهم في عملية الحل. وبالمثل، من الأهمية بمكان أن تصبح شرائح واسعة داخل تركيا جزءا من هذه العملية. ولهذا الغرض، فإن لقاء القائد آبو بهذه الأوساط والشخصيات، والاستماع إلى آرائهم، سيُشكل جهدا يعزز مسار الحل ويمنحه قوة أكبر.
شكوك بشأن نوايا وأهداف السلطة الحاكمة.
وإن عدم انتقال السلطة إلى المرحلة الثانية في مقابل الخطوات التي اتخذناها يثير، بالضرورة، شكوكا بشأن نوايا وأهداف السلطة الحاكمة. كما أن تبرير هذا الموقف بالإشارة إلى قوى معادية للعملية من قِبل السلطة ليس مقنعا. في الواقع، فإن أولئك الذين يعارضون العملية علنا هم قلة هامشية. وبصرف النظر عنهم، يمكن زيادة الدعم الاجتماعي. ومع ذلك، لا تبدي السلطة الحاكمة لحزب العدالة والتنمية النهج السياسي اللازم بشأن هذه المسألة. ولهذا السبب، من غير الصحيح استخدام أوجه القصور التي أوجدتها سياستها ذاتها كذريعة.
في رسائلهم بمناسبة العام الجديد، يقولون إنهم يتبنون هذه العملية ويدعمونها. غير أنه في وقتٍ توجد فيه العديد من الخطوات التي يتعين على السلطة اتخاذها ولا تُنفذ، فإن هذا الوضع لا ينسجم مع خطاب الادعاء بتبني العملية. وقد صرح دولت بهجلي نفسه بأن هذا المسار لا يمكن أن يسير من طرف واحد، قائلا: ’لا يمكن الطيران بجناحٍ واحد‘. ولهذا السبب، ينبغي على السلطة، من خلال إصدار قوانين واقعية، وفتح مسار حل القضية داخل البرلمان، أن تعزز الثقة بنجاح هذه العملية لدى مختلف فئات المجتمع.
وإذا جرى حل هذه القضية الأساسية عبر مخاطبها الحقيقي، فعندئذٍ يجب أن يُمنح القائد آبو، وبصورة عاجلة، ظروف العمل والحياة الحرة. وإلى جانب ذلك، ينبغي أن يُدرج على جدول الأعمال أيضا موضوع ’حق الأمل‘ الذي كان دولت بهجلي قد تعهد به. كما تطالب المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان واللجنة الوزارية لمجلس أوروبا بتطبيق حق الأمل. وتُعد مثل هذه القرارات، وفقا للدستور التركي، قرارات قانونية تستوجب متابعتها وتنفيذها.
نضالُنا هو أيضا نضالُ لإرساءِ سياسة تركيا على أسسٍ صحيحة
وقال قرسو: يُنظر إلى الدعم المجتمعي بوصفه عنصرا أساسيا في حل النزاعات والحروب في جميع أنحاء العالم. فالسلطات التي تمتلك إرادة حقيقية للحل تنتهج سياساتٍ من شأنها تعزيز الدعم المجتمعي، وتبذل جهودا خاصة من أجل دفع جميع أطياف المعارضة إلى مساندة مسارات حل الحروب والنزاعات. ولا شك أننا، بوصفنا حركة تطالب بالحل منذ عقود طويلة، نتحرك انطلاقا من وعيٍ مفاده أن مستوى الدعم المجتمعي واسع إلى حد كبير. ونعتبر دعم قوى الديمقراطية أمرا بالغ الأهمية. ولذلك، نعتقد أن حل القضية الكردية وترسيخ الديمقراطية متلازمان كاللحم والعظم. ولهذا السبب، نسعى إلى حشد دعم جميع شرائح المجتمع لهذه العملية.
لحزب الشعب الجمهوري دور مهم في حل القضية الكردية
كما أن لحزب الشعب الجمهوري دور مهم في حل القضية الكردية وفي عملية التحول الديمقراطي. حزب الشعب الجمهوري هو الحزب المؤسس لتركيا. وقد ظل في السلطة بمفرده لما يقرب من 30 عاما. لذلك، كان لسياسات حزب الشعب الجمهوري دورٌ كبير في وجود القضية الكردية. غير أنه، باستثناء اليسار الاشتراكي في تركيا، لم تختلف السياسات المتبعة من قِبل التيارات السياسية الأخرى إزاء القضية الكردية اختلافا جوهريا. وقد كان لهذا الواقع السياسي أثرٌ بالغ في استمرار تعقيد القضية وبقائها دون حل. لذلك، يُعد إحداث تغيير في المجال السياسي ضمن واقع تركيا مسألة بالغة الأهمية. وإن استمرار عدم حل القضية الكردية قد وضع المجال السياسي برمته في حالة من الارتهان. ومن هذا المنطلق، فإن نضالنا لا يقتصر على السعي إلى حل القضية الكردية فحسب، بل هو في الوقت ذاته نضالٌ من أجل إعادة إرساء السياسة في تركيا على أسسٍ سليمة وصحيحة.
ولقد احتوى حزب الشعب الجمهوري (CHP) على العديد من التوجهات والميول السياسية داخله، نظرا لأنه حكم كحزبٍ وحيد لفترة طويلة. ومن ناحية أخرى، كان حزبا قد خضع لتأثير الحداثة الغربية. ومن جهة، أدت هذه المواقف السياسية للحزب إلى تقويض علاقاته مع المجتمع، ومن جهة أخرى خضع لتأثير بعض السمات الإيجابية للغرب. ومع وصول الحزب الديمقراطي إلى السلطة عام 1950، وحزب العدالة الذي جاء بعده واعتُبر يمينيا، أصبح هناك نوع من الإشكالية والتناقضات بين حزب الشعب الجمهوري CHP وتلك الأحزاب. لا سيما أن موقف حزب العدالة تجاه الشبيبة الثورية من جيل عام 1968 وسلوكهم السلبي تجاههم، ودورهم النشط في إعدام دنيز، أدى إلى دعم بعض القوى اليسارية لحزب الشعب الجمهوري بعد أحداث 12 آذار. كما أن خطاب بعض أعضاء حزب الشعب الجمهوري اليساري في بيئة الصراع خلال سبعينيات القرن الماضي ساهم في ظهور تيار ديمقراطي داخل الحزب.
كما تعاملت القوى الديمقراطية والشعب الكردي مع هذا الوضع بتشجيع حزب الشعب الجمهوري بالتوجه نحو الديمقراطية. ففي الآونة الأخيرة، تحدث حزب الشعب الجمهوري أيضا عن وجود القضية الكردية وضرورة حلها، من أجل كسب دعم الشعب الكردي والقوى الديمقراطية. غير أنه عندما أصبح اتخاذ موقف ملموس بشأن حل القضية الكردية أمرا ملحا، ظهرت داخل الحزب تيارات تهدف إلى جعل الكرد يواجهون التطهير العرقي. واتخذوا موقفا رجعيا في مواجهة حقيقة أن الشعب الكردي هو أمة متميزة لها لغتها وهويتها وثقافتها الخاصة.
وفرض أولئك الذين لديهم عقلية كلاسيكية تنكر وجود الكرد وتسعى إلى صهرهم في الهوية التركية أنفسهم وأعاقوا التيار والموقف الديمقراطي داخل حزب الشعب الجمهوري. ورغم أن البعض قد يفسر هذا الوضع على أنه معارضة لحزب العدالة والتنمية، فإن مثل هذا التفسير غير مقبول فيما يتعلق بالقضية الأساسية في تركيا. فهذا لا يخدم سوى كحجة لتغطية هذا الانحراف الرجعي داخل حزب الشعب الجمهوري.
حكومة العدالة والتنمية لم تلتزم بمسؤولياتها
ولا شك أننا نؤكد أن حكومة العدالة والتنمية لم تلتزم بمسؤولياتها في إضفاء الطابع الاجتماعي على العملية. لكن ذريعة معارضة حزب الشعب الجمهوري لحزب العدالة والتنمية لا يفسر سلوكياته، فلو اتخذ حزب الشعب الجمهوري موقفا صحيحا وفاعلا تجاه القضية الكردية، لكان لذلك أثر كبير على المجتمع الراغب في الديمقراطية، ولأصبح حزبا بديلا حقيقيا للسلطة. وبعد حقبة الحزب الواحد، ركزت جميع الأحزاب التي وصلت إلى السلطة في البداية على الديمقراطية. والسلطة الحاكمة لحزب العدالة والتنمية هي أيضا من بينها. لهذا السبب، فإن موقف حزب الشعب الجمهوري الحالي يعني ضياع فرصة تاريخية. إذا لم يلعب حزب الشعب الجمهوري دورا إيجابيا في العملية الحالية في الفترة المقبلة، فإن خطاباته عن الديمقراطية والحريات ستفقد مصداقيتها تماما.