*زهير كاظم عبود
نصت الفقرة أولا من المادة ٣٨ من الدستور العراقي على حرية التعبير عن الرأي (بكل الوسائل)، وهذه الحرية تعني حق الانسان في التعبير عن (أفكاره) و(مواقفه) و(مشاعره الشخصية) و (آرائه بكل حرية)، ويمارس هذا الحق من خلال استخدام الوسائل المشروعة والممكنة، ويجري ممارسة هذا الحق دون تقييد أو خوف أو خشية أو قمع، ما دام لا يتعدى على حقوق الاخرين، ولا يخالف القوانين العامة النافذة.
وينسجم الدستور العراقي بهذا النص مع نص المادة ١٩ من الإعلان العالمي لحقوق الانسان، ولا قيمة للنص إذا لم تتم ترجمته عمليا، ومثل هذا الحق تقره المواثيق الدولية ولوائح حقوق الانسان، ويعد معيارا من معايير الحرية التي يمارسها المواطن، وفقا للدستور والقوانين التي تستمد قوتها منه، وحرية التعبير تشمل حرية اعتناق الاخر للآراء دون تدخل، واستقاء الأنباء والاخبار والأفكار وتلقيها ونشرها واذاعتها بأي وسيلة مشروعة أو ممكنة.
وتعني عبارة (كل الوسائل الممكنة) التعبير عن الرأي في جميع اشكال الطرق المتاحة وفقا للقوانين، سواء منها الوسائل بالكتابة أو النشر بالصحف أو التصريح على وسائل التواصل الاجتماعي، أو المشاركة في المؤتمرات والمنتديات، وعلى مواقع الانترنت أو القنوات الفضائية، أو التعبير بالرسم والقصة والقصيدة وجميع الفنون التي يمكن من خلالها التعبير عن الفكرة أو الرأي أو الموقف.
وحرية التعبير ليست مطلقة أو غير مقيدة، وتقييدها يأتي من عدم التحريض على الكراهية أو التشهير أو القذف، وعدم تهديد الامن العام والمجتمع والنظام الاجتماعي، وعدم نشر الاسرار والمعلومات التي تضر أمن البلاد، والتقيد باحترام القيم الدينية والأخلاقية للمجتمع، وأخيرا التقيد بعدم نشر معلومات كاذبة أو مضللة مع معرفة الشخص بذلك، وبهذا ترتبط حرية التعبير عن الرأي بالمسؤولية الشخصية، التي يحددها القضاء والقانون، ويتحمل من يمارس مثل هذا الفعل تبعات ذلك وفقا للقانون.
ومن يستعرض الدساتير التي أصدرتها الحكومات السابقة، والتي تضمنت نصوص واضحة تنص على حق الانسان في حرية الرأي، غير أنها تمنع ممارسة مثل هذا الحق ولا تسمح للمواطن أن يمارسه، كما لا تسمح لأي كان بالاعتراض على منع ممارسة مثل الحق عمليا مع وجوده شكليا في الدستور، ولأهمية ممارسة مثل هذه الحرية والتعود على ممارستها باعتبارها تعزز التفكير الحر وتدفع باتجاه الابداع، وتمكن المجتمع من التعود على الالتزام بحرية الرأي مع التقيد بالضوابط التي تنص عليها القوانين، وتفتح بذلك ابوابا للتفاهم والحوار ومعرفة الرأي المخالف والتمكن من معرفة الخلل وفضح الفساد وتشخيص مكامن الأخطاء في الممارسات السياسية، وتدعم بذلك عملية التطور الفكري والسياسي والثقافي وصولا إلى تطبيق سليم لنصوص الحريات التي يتمتع بها المواطن وفقا للدستور، باعتباره الوثيقة الأعلى الملزمة قانونا وتحد من دور عمليات الضغط والاخطاء .
وبعد كل هذا فإن النص الدستوري الزم الدولة ان تكفل بما لا يخل بالنظام العام والآداب هذا الحق، وهذا الالزام يتطلب نوعا من التثقيف والتدريس والوعي لمعرفة حدود هذه الحرية، والعمل على تقبل عمليات النقد وتصويب الأخطاء والخلل في العمل السياسي والتنفيذي، وأن تتسع صدور الأطراف التي تواجه ممارسة مثل هذا الحق من قبل المواطن العراقي، وسعة الصدر تعني حق المواطن في نقد السلطة والسياسة العامة للدولة بهدف تصحيح الأخطاء وتقويم الأداء، ونظامنا السياسي بحاجة ماسة لمثل هذه الممارسات في العمل السياسي والتنفيذي.
وهذا النقد يعني تفاعل المواطن ضمن العملية السياسية من خلال رصد الخلل ثم اقتراح البدائل لتحسين الأداء، ويعد هذا النقد الهادف مؤشرا حقيقيا يؤكد صحة الحياة السياسية، وبهذا فان الدولة التي تحمي حرية الرأي هي دولة تثق بوعي المواطن ودرجة تفاعله مع النظام، ومظهرا من مظاهر النضج السياسي، وأن السلطة تشكل خدمة وليس امتيازا محصنا، وبذلك يصبح المواطن العراقي شريكا في عملية تصحيح المسار الخاطئ وتقويمه، بدلا من اللجوء إلى الشكاوى والدعاوى التي يتم تقديمها للقضاء.