روناهي-حمزة حرب:المرحلة الانتقالية في سوريا بعد سقوط النظام السوري لم تكُن على ما يرام كما أرادها السوريين ولم تعلو عناوين العدالة الانتقالية كما حلم بها الكثيرون بل لم تعدوا أن تكون شكلاً من أشكال تدوير الزوايا وتغيير الملامح والتغطية على الانتهاكات التي دفع الشعب السوري ثمنها باهظاً طيلة سنوات الحرب.. حيث أُعيد تسليط سيوف المرتزقة أمثال الحمزات والعمشات على رقاب السوريين لكن هذه المرة بارتداء ثوب السلطة والحكومة وتحويل الجلاد الى حاكم متنفذ بسلطةِ أمرٍ واقع في معظم المناطق ليكون المجرم أحد أدوات الحكومة ووجهها القبيح الذي يقابله السوريون بين الحين والآخر.
مرتزقة الحمزات والعمشات هما مجموعتان مختلفتان بالتسمية متلاقيتين بالتوجه والهدف والمنشأ فلم تكونا حالة طبيعية أو نتاجاً لتعقيدات الأزمة السورية التي أعقبت عسكرة انتفاضة الشعب السوري عام 2012 ولم تنشأ لمحاربة النظام السابق ولم تشتبك معه حتى في معارك إسقاطه نهاية العام 2024 بل أُنشئت لتنفيذ مشاريع الاحتلال التركي ضمن الجغرافية الشمالية من سوريا بعد أن تحولت هذه البقعة الجغرافية إلى مساحةٍ مفتوحة للتشكيلات المسلحة المتعددة الولاءات، والمتغيرة الأسماء، والمتشابهة في السلوك وهذا نتاج ممنهج لسياسات المحتل التركي للسيطرة والهيمنة على الساحة السوريّة.
تركيا وصناعة الارتزاق
تركيا وخصوصاً بعد العام 2015 والتدخّل المباشر لدولٍ عديدة على رأسها الروسي والتركي في المعادلة السورية والتي شكلت لحظة مفصلية من عمر الأزمة، حيث شكلت الظروف بيئةً خصبةً لولادة مجموعات مرتزقة عملت على تفجير الحدود بين “الثورة” و”الاقتصاد الحربي”، وبين “الحماية” و”الهيمنة”، هنا بدأت تتبلور نواة مجموعات ستتحول لاحقاً إلى أدوات للتحكم بالمجتمع والموارد والسكان بعيداً عن أي توجه وطني جامع.
ظهرت في أواخر 2015 وبداية 2016 ما أُطلق عليها حينها فرقة الحمزات لتعمل في بداياتها كفصيل محلي في ريف حلب الشمالي، قبل أن يعاد تشكيلها وتوسيعها من قبل المحتل التركي بعد عام 2016 ويُزج فيها بمعارك جرابلس ومارع والباب حينها استبدل عناصر مرتزقة داعش الإرهابي لباسهم بإشراف من المحتل التركي الذي دخل المنطقة بهدف الوقوف بوجه قوات سوريا الديمقراطية التي كانت تقود معارك التحرير وتدحر مرتزقة داعش في المدن والبلدات على الشريط الحدودي.
ومع تحرير منبج بات نهر الساجور هو الحد الفاصل بين المناطق التي حررتها قوات سوريا الديمقراطية من مرتزقة داعش وبين المناطق التي لازال المرتزقة متواجدين فيها بثوبٍ جديد أهداهم إياه المحتل التركي في مناطق جرابلس ومارع والباب واستلم زعامتهم المرتزق المدعو “سيف بولاد أبو بكر” الذي يتمتع بعلاقات وثيقة مع غرف العمليات التابعة للداعمين الإقليميين “تركيا وقطر” وهذا ما أتاح له المجال لأن يتم اعتباره أحد أبرز وجوه الاحتلال التركي وأدواته لتنفيذ الأجندات التركية في المنطقة.
في المقابل كانت مرتزقة فرقة السلطان سليمان شاه، المعروفة بمرتزقة “العمشات”، تتشكّل بقيادة أحد شذاذ الأفاق والذي لا يتمتع بأي تاريخ نضالي أو ثوري بل كان يعمل كمُيسّر معاملات في إحدى المنظمات وهو المدعو محمد حسين الجاسم المعروف بأبو عمشة، حيث اعتمد منذ نشأته على خطاب أمني صارم يبرر السيطرة بوصفها “ضرورة لبسط الهيمنة”.
منذ السنوات الأولى لتشكيل هذه المجموعات المرتزقة لم تكن تعمل بمنطق الجبهات على الإطلاق، حيث اندمجت تحت مسمى ” القوة المشتركة” وعملت بمنطق السيطرة على الأرض والسكان في ظل الاحتلال التركي وهذا ما برز جلياً بوضوح مع دخول هذه المجموعات تحت غطاء عملية الاحتلال التي قادها الاحتلال التركي عام 2018 في عفرين المحتلة، فلم يكن السلاح موجهاً إلى خصم عسكري بقدر ما أصبح أداة للهيمنة على المجتمع المحلي بالقوة وتثبيت سياسات المحتل التركي ونهجه في سوريا.
انتهاكات وعقوبات
شكّل احتلال عفرين وتهجير أهلها وتوطين آخرين في أراضي وممتلكات المهجرين نقطة تحول في مسار مرتزقة الحمزات والعمشات، فعفرين حمامة السلام لسنواتٍ طويلة بعد أن كانت ملجأ لكل السوريين وعلى رأسهم الذين هجرتهم الحرب من مدينة حلب وجدت نفسها عام 2018 أمام نموذج جديد من السيطرة المسلحة، يقوم على فرض الأمر الواقع، وتغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية بانتهاكات لا حصر لها عبر ممارسات لم تعد خافية على أحد.
فالمرتزق محمد الجاسم الملقب بـ”أبو عمشة” والذي ينحدر من قرية جوصة في ريف مدينة حماة السورية فُرضت عليه عقوبات من الخزانة الأمريكية بسبب ما ارتكبه من انتهاكات بحق المدنيين وتهجيرهم من عفرين المحتلة واستيلائه على أملاكهم وأراضيهم واعتقال الكثير منهم لابتزازهم وفرض التنازل عن ممتلكاتهم مقابل إطلاق سراحهم.
فمنذ اللحظات الأولى والحرب في عفرين قائمة أظهرت هذه المجموعات المرتزقة سلوكها الحقيقي من السلب والنهب فلم يسلم من بطشهم المحال التجارية والبساتين وحتى الأغنام والدجاج، كانت حملات التعفيش تسير بالتوازي مع أزيز الرصاص وصليل المدافع والقصف المستمر ما أسفر في نهاية المطاف لتهجير نسبة عُظمة من السكان ومصادرة ممتلكاتهم الخاصة ودفع معظمهم إلى التهجير القسري.
الخزانة الامريكية كانت واضحة في بيانها حين كشفت “أن لواء السلطان سليمان شاه المعروف باسم العمشات” يعرّض السكان الأصليين في المنطقة التي يسيطر عليها للاختطاف والابتزاز، واستهدف سكان عفرين الكرد تحديداً، وكثير منهم يتعرضون للمضايقات والاختطاف وانتهاكات أخرى إلى أن يضطروا إلى هجر منازلهم، أو دفع فدية كبيرة مقابل إعادة ممتلكاتهم أو أفراد عائلاتهم”.
وإلى جانب المرتزق “أبو عمشة” استهدفت العقوبات الامريكية أخيه المرتزق الآخر وليد الجاسم الذي يشغل أيضاً دوراً قيادياً في مرتزقة “سليمان شاه”، بما في ذلك العمل كمتزعمٍ لها عندما غادر محمد الجاسم من سوريا للقتال في ليبيا على رأس مجموعاتٍ مرتزقة وبنادق مأجورة تقاتل في الخارج لصالح الاحتلال التركي فالمرتزق وليد الجاسم وجِهت له تهم موثقة بالأدلة القاطعة بالنسبة للخزانة الأمريكية وتتعلق بالاعتداء الجنسي على النساء إلى جانب تنظيمه لعمليات الخطف والسرقة والفدية.
واشنطن فرضت قيود على الشركات التي تتبع لمرتزقة أبو عمشة وتقع معظم مقراتها الرئيسية داخل الأراضي التركية وعلى رأسها شركة “السفير أوتو” لتجارة السيارات ومقرها إسطنبول كما إنها تدير مقراتٍ عدة على امتداد الجغرافية التركية لكن الخزانة الأمريكية وضعتها على قوائم العقوبات. إلى جانب ذلك أنشأ المرتزق أبو عمشة إمبراطورية مالية، حيث نشرت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” تقريراً في حزيران 2020، كشفت فيه عن عدة استثمارات تتبع لأبو عمشة في سوريا وتركيا منها مكتب لتجارة السيارات ومطعم في مدينة الريحانية بولاية “هاتاي التركية” بالإضافة إلى شركة عقارات في ولاية كلّس، ومكاتب تحويل أموال بين سوريا وتركيا في ولايتي كلّس وإسطنبول ومدينة الريحانية، فيما قالت إن حجم الدخل السنوي الذي يحققه المرتزق أبو عمشة يصل إلى أكثر من 30 مليون دولاراً امريكياً سنوياً فقط من خلال هذه الاستثمارات التي جاءت على حساب دماء السوريين.
على المقلب الآخر مرتزقة ما تُسمى بـ “فرقة الحمزة” أو كما تُعرف محلياً بـ”الحمزات” “متورطة في عمليات اختطاف وسرقة ممتلكات وتعذيب هي الأخرى، حيث تدير الفرقة المرتزقة أيضاً مراكز احتجاز تأوي فيها أولئك الذين اختطفتهم لفترات طويلة، وأثناء سجنهم غالباً ما يتعرضون للاعتداء والتعنيف الجنسي خارج إطار القانون والعدالة واحترام حقوق الإنسان إلى جانب القمع الوحشي للسكان المحليين، بما في ذلك اختطاف نساء كرديات وإساءة معاملة السجناء بشدة، ما أدى في بعض الأحيان إلى وفاتهم وهذا ما وثقه تقرير للخزانة الأمريكية من خلال فرضها للعقوبات على هذه المجموعة.
لم يكن الكرد في عفرين وحدهم من ارتُكِبت بحقهم الانتهاكات فارتبط اسم المرتزق سيف بولاد “أبو بكر” بحادثة اغتيال الناشط الإعلامي، محمد عبد اللطيف (أبو غنوم) وزوجته الحامل في مدينة الباب بريف حلب الشمالي، بعد أن انتقد سلوك المجموعة عام ،2022 حيث أثارت الحادثة توتراً أمنياً كبيراً وحالة غضب واسعة ترجمتها احتجاجات طالبت بإلقاء القبض على المتورطين باغتيال الناشط بشكلٍ مباشر لكن تم تمييع القضية وحرفها عن مسارها ولم تحقق العدالة بذلك. فحادثة اغتيال أبو غنوم هي عيّنة حيّة من سلوك هؤلاء المرتزقة تجاه كل من يعارضهم أو يحاول الكشف عن انتهاكاتهم وجرائمهم ويقول لا لمشاريعهم الخبيثة التي لا تخدم السوريين خصوصاً من يعارض الجرائم التي ترتكب بحث الشعب الكردي في مناطقه الأصلية.
اندماج هجين يُشرعن الانتهاكات
رغم هذا السجل المثقل بالانتهاكات والتجاوزات التي ترقى لجرائم ضد الإنسانية في معظمها جاء التحول الأكثر إثارة للجدل مع الإعلان عن دمج هذه المجموعات المرتزقة رغم عدم تلاقيها إيديولوجياً وتنظيمياً مع هيئة تحرير الشام التي سيطرت على الحكم وشكلت حكومتها المؤقتة على أعقاب سقوط النظام السوري.
تم التسويق لهذا الدمج على إنه خطوة نحو توحيد السلاح وبناء ما أُطلق عليه اسم “جيش وطني”، غير أن غياب أي آلية للمساءلة أو العدالة الانتقالية حوّل الخطوة إلى مصدر قلق واسع للسوريين الذين وصفوها بقولهم المثل الشعبي الشهير” حاميها حراميها”.
والمثير للقلق أكثر أن الحكومة المؤقتة وتلبيةً لرؤية المحتل التركي أعطت مناصب قيادية لهؤلاء المرتزقة حتى ولتهم على فرق عسكرية فبات اسم العمشات ” الفرقة 62 ” فبالتالي هي محاولة لتلميع صورة المرتزقة والتفاف على العدالة التي يبحث عنها السوريون فهذه المجموعات المرتزقة وتحت عباءة الحكومة المؤقتة دخلت إلى الساحل السوري وارتكبت انتهاكات وجرائم لا تكشف إلا عن سلوكها المعتاد والذي تشكلت وفقه وعلى أساسه.
فما أشبه اليوم بالأمس، فما حدث في عفرين من انتهاكات جسيمة فرغم التباعد الزماني والمكاني للجرائم إلا أنه تم تكرارها في الساحل السوري رغم إلباس هؤلاء المرتزقة عباءة الحكومة المؤقتة وهو ما اعتبره السوريون والحقوقيون أنه أخطر ما في هذه المرحلة لأنه سيؤدي وأدى إلى استمرار الانتهاكات على مستويات أقل علنية لكنها أكثر ضراوة نتيجة الحصانة التي ستتمتع بها هذه المجموعات المرتزقة للإفلات من العقاب. فلم تُفتح إلى الآن أي ملفات تحقيق جدية حول مصير آلاف المعتقلين السابقين، ولا حول الممتلكات المصادرة، ولا حول الانتهاكات التي وثقتها منظمات دولية وبالتالي تحولت الحكومة المؤقتة وبشكلٍ رسمي حتى وإن لم تعلن ذلك إلى مظلة سياسية تحمي إرثاً ثقيلاً ومستمراً من الجرائم والانتهاكات.
ورغم كل ذلك يؤكد حقوقيون إنه من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، لا يُعفي تغيير السلطة أو تشكيل حكومة جديدة من مسؤولية التحقيق والمحاسبة، فالانتهاكات الجسيمة، مثل الاعتقال التعسفي، التعذيب، والتهجير القسري، تُعد جرائم لا تسقط بالتقادم، وتبقى الدولة ملزمة بملاحقتها، سواء ارتُكبت باسمها أو من قبل جهات باتت لاحقاً جزءاً منها.
وهذا الأمر ينسحب على حالة مرتزقة الحمزات والعمشات، فإن إدماجهما الهجين في صفوف الحكومة المؤقتة ودون مساءلة يضع الحكومة أمام إشكالية قانونية مزدوجة فهي من جهة تسعى إلى نيل الاعتراف الدولي، ومن جهة أخرى تتجاهل متطلبات أساسية لهذا الاعتراف، وفي مقدمتها احترام حقوق الإنسان وضمان عدم التكرار ومحاسبة المسؤولين عن ارتكاب الجرائم بحق السوريين.
محللون سياسيون يرون أن حالة الحمزات والعمشات ترغب في وجودها الحكومة المؤقتة كوجهٍ قبيحٍ تظهره للسوريين حينما يتطلب الأمر كي لا تضع نفسها هذه الحكومة في مواجهة مباشرة مع المجتمعين المحلي والدولي وما يجري في حيي الشيخ مقصود والأشرفية هو دليل واضح يقدمه المحللون بأنه لا يعدوا أن يكون تبادل أدوار بين هذه المجموعات المرتزقة الذين يشعلون فتيل التوترات الميدانية والحكومة المؤقتة التي تفاوض سياسياً “قسد” في دمشق لكن في نهاية المطاف تتحمّل دمشق أمام السوريين وأمام القانون الدولي ما تقوم به هذه المجموعات المرتزقة.