تحقيق في الدور الكردي في أكبر هجوم إرهابي في العراق على الإطلاق، وهو تفجير الشاحنات التي قتلت أكثر من 800 إيزيدي في قريتي تل عزر وسيبا شيخ خضر في عام 2007 تمهيدًا للإبادة الجماعية في عام 2014
العديد من الناجين الإيزيديين من التفجيرات، أكّدوا لـ The Cradle أن أعضاء من الحزب الديمقراطي الكردستاني خططوا ونفذوا هذا الهجوم الإرهابي
*ويليام فان واغنن/The Cradle/٢٧ شباط ٢٠٢٥
في 14 آب/أغسطس 2007، استهدفت أربعة تفجيرات ضخمة باستخدام شاحنات مفخخة بلدتي تل عزير وسيبا شيخ خضر الصغيرتين اللتين يقطنهما أبناء الطائفة الإيزيدية، في منطقة سنجار النائية في شمال غرب العراق. وقد أسفرت هذه التفجيرات المروعة عن مقتل أكثر من 800 شخص من أفراد هذه الأقلية الدينية المضطهدة، لتصبح إحدى أفظع الهجمات الإرهابية في التاريخ.
رشيد، أحد الناجين من التفجير في تل عزير، كان في الخامسة من عمره، وروى لـ The Cradle وقائع يوم التفجير عندما أرسل والده شقيقه الأكبر إلى السوق في وسط البلدة لشراء بعض الاحتياجات.
"عندما انفجرت القنبلة في السوق، كنت في حديقة منزلي. رغم أن الانفجار كان بعيداً، إلا أنه كان قوياً إلى درجة أسقطتني أرضاً. لقد دمّر مئات المنازل". وأضاف: "في حالة من الذعر، هرعت إلى السوق لأبحث عن أخي. عندما وجدته، كان جسده قد تمزق إلى نصفين. كما قُتل العديد من أبناء عمومتي".
عقب الهجوم، سارع اللواء بنيامين ميكسون، قائد قوات الاحتلال الأميركي في شمال العراق، إلى إلقاء اللوم على الإرهابيين العرب السنة، واصفًا التفجير بأنه "عمل يحمل بصمات تنظيم القاعدة".
لكن جاسو، أحد الناجين من الهجوم في تل عزير، يؤكد أن "لا أحد من الإيزيديين يصدق بأن القاعدة هي من نفذت الهجوم"، أو على الأقل ليس بمفردها. هو، والعديد من الناجين الإيزيديين من التفجيرات، أكّدوا لـ The Cradle أن أعضاء من الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP)، الذي يقوده الزعيم الكردي المخضرم مسعود بارزاني، خططوا ونفذوا هذا الهجوم الإرهابي.
شهادة جاسو
قال جاسو لـ The Cradle: "كنت في الخامسة من عمري فقط. قُتل جدي واثنان من أبناء عمومتي وعمي على الفور. رأيت جثثهم مغطاة بالدماء. بُترت ساق جدي بسبب الانفجار". وأضاف أن عدد الضحايا كان كبيراً للغاية بسبب الكميات الهائلة من المتفجرات المستخدمة، إذ كانت الشاحنات المفخخة محشوة بقطع معدنية ومسامير، ولأن حشداً كبيراً يتراوح بين 500 و600 شخص تجمعوا حول إحدى الشاحنات قبل انفجارها لأن سائقها كان يوزع أسطوانات غاز الطهي، التي كانت تعاني المنطقة من نقص حاد فيها منذ عدة أشهر.
وتساءل جاسو:"كيف تمكنت جماعة إرهابية من الحصول على كمية كافية من الغاز لتوزيعها على هذا العدد الكبير من الناس بينما كانت هذه المادة مقطوعة منذ أشهر؟"
كما سأل كيف تمكنت الشاحنات المفخخة من دخول البلدتين، رغم أن مداخلهما كانت تحت سيطرة نقاط تفتيش يديرها عناصر الأمن الكردي (البيشمركة) التابعين للحزب الديمقراطي الكردستاني الذي احتل سنجار منذ الغزو الأميركي وسقوط حكومة صدام حسين في 2003.
وتابع:"كيف عبرت الشاحنات العديد من نقاط التفتيش مع كميات ضخمة من المتفجرات من دون أن تفتش البيشمركة أياً منها؟"، ليخلص إلى القول: “لهذه الأسباب، أعتقد أن الحكومة الكردية هي المسؤولة”
شهادة مراد
مراد، الذي كان في الحادية عشرة من عمره عندما نجا من التفجير في تل عزير، قال لـ The Cradle:
"كان الانفجار في 2007 هو الأكبر في العراق. كنا صغارًا نلعب كرة القدم بالقرب من منزلي عندما وقع الانفجار. كانت الكرة تحت قدمي. أصابت شظية الكرة وأحدثت فيها ثقبًا. وأصابت قطعة أخرى ساقي. كنت قريبًا جدًا من الانفجار لدرجة أنني لم أسمعه حتى. سمعه سكان المدن المجاورة يستطيعون سماعه، لكنني لم أتمكن من سماعه"
كانت شقيقة مراد البالغة من العمر سبع سنوات تقف إلى جانبه مباشرة، لكنها اختفت فجأة بعد الانفجار. سأله والده: "أين أختك؟"، فأجاب: "كانت هنا معي، كنا نقف بجانب بعضنا البعض. لم أعرف أين ذهبت".
بينما كانت عائلة مراد تبحث بقلق عن شقيقته، جاء أشخاص إلى المنزل وطلبوا من الأهل إبعاد الأطفال لأن لديهم ما يعرضونه عليهم.
قالوا لهم: "هذه أشلاء طفل، قدم ويدين. نعتقد أن هذه ابنتكم".
وفي اليوم التالي، استخدم عمال الانقاذ حفارة للبحث عن الضحايا ووجدوا جسدها تحت الأنقاض. وأوضح مراد: "وجدت أمي جثة رجل الرجال كان يعيش في الحي نفسه. كان رأسه مفتوحاً فيما كان كلب شارد ينهشه".
وعندما سُئل عما إذا كان يملك ذكريات مع شقيقته الصغيرة، قال مراد لـ The Cradle:
"في اليوم الذي سبق التفجير، اشترينا بطيخاً وأخذنا البذور لتجفيفها وطهيها لنأكلها في إحدى المناسبات. في اليوم التالي، رأيت البذور التي كانت أختي تريد منا أن نأكلها معًا. كانت فكرتها"، قال مراد بينما انفجر بالبكاء. وأضاف: "هذه المرة الأولى التي أتحدث فيها عما رأيته وواجهته في ذلك اليوم"
ولدى سؤاله عن من المسؤول عن التفجير، قال: "ربما يكون الإرهابيون (القاعدة) من فعلوا ذلك، لكن من كان وراءهم؟ أولئك الذين كان يجب أن يحمونا. البيشمركة من الحزب الديمقراطي الكردستاني". وأوضح: "في تل عزير كان هناك ثلاثة مداخل للبلدة مع نقاط تفتيش تحت سيطرة البيشمركة. كان بإمكان البيشمركة تفتيش الشاحنات، لكنهم سمحوا لها بالدخول".
انفجار نووي مصغّر
بعض العرب السنة من إحدى قرى سنجار أكّدوا لـ The Cradle أن القاعدة قد تكون هي من نفذت التفجيرات في تل عزير وسبعة شيخ خضر، لكنهم شككوا في أن تكون الجماعة الإرهابية قامت بذلك بمفردها.
ولدى سؤالهم عن المسؤول عن التفجيرات، كانوا جميعًا خائفين من الإجابة. واكتفى زعيم القرية بالقول: "إنه سؤال قوي".
لكنه وآخرين من القرية قالوا إنهم لا يعتقدون بأن جماعة إرهابية مثل القاعدة كانت قادرة على الحصول على كميات ضخمة من المتفجرات التي استخدمت في التفجيرات بشاحنات. وأشاروا إلى أن هذا كان شيئًا لا يمكن إلا للجيش الوطني لدولة أن يقوم به.
وكان متحدث باسم وزارة الداخلية العراقية قال لشبكة CNN إن الانفجار كان ضخمًا إلى درجة أن الدمار الذي خلّفه يشبه دمار "انفجار نووي مصغر".
البيشمركة تخلي نقاط التفتيش
وقال الإيزيديون الذين تحدثوا إن مسؤولية البيشمركة الكردية لم تقتصر فقط على فشلها في تفتيش الشاحنات بحثًا عن المتفجرات، بل تركت أيضًا نقاط التفتيش المحيطة بكل من تل عزير وسبعة شيخ خضر قبل دخول الشاحنات مباشرة، مما ترك الإيزيديين من دون أي حماية. واعتبروا أن هذا يعد دليلًا إضافيًا على تورط الحزب الديمقراطي الكردستاني في التخطيط للهجوم الإرهابي.
قال الناشط الحقوقي الإيزيدي ميرزا إسماعيل لـ The Cradle إن قائد البيشمركة في سنجار، سربست تارانشي، أمر قواته بمغادرة مواقعها في القرى الإيزيدية في المنطقة والتوجه إلى مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في مدينة سنجار قبل حوالى 30 إلى 40 دقيقة من الانفجار.
وأكد خرتو، وهو إيزيدي من بلدة قريبة تدعى كارزرك، لـ The Cradle أن البيشمركة "تركوا نقاط التفتيش المحيطة بالبلدات، وتوجهوا إلى مكاتب الحزب الديمقراطي الكردستاني المحلية للاختباء. وفي الساعة السابعة وقع انفجار هائل". وأضاف: "كان شقيقي في تل عزير عندما وقع الانفجار. كانت معجزة أنه نجا. ذهبنا للمساعدة بعد التفجير، وكان الأشلاء في كل مكان".
كذلك، قال حسين، وهو ايزيدي من سبعة شيخ خضر، لـ The Cradle إن "سكان البلدة شاهدوا الشاحنات قبل انفجارها وأبلغوا البيشمركة بعدما راودتهم شكوك في شأنها. لكن البيشمركة قالوا إنه ليس هناك ما يدعو إلى القلق".
البيشمركة تطلق النار على الإيزيديين
وأكد خيري، وهو إيزيدي من سبعة شيخ خضر، إن أفراداً من البيشمركة أطلقوا النار على الناس المذعورين أثناء فرارهم بعد الانفجار.
وأوضح لـ The Cradle: "انفجرت إحدى الشاحنات داخل البلدة، وانفجرت الأخرى غربها بالقرب من منزلنا، حاول الجميع الفرار. لكن البيشمركة أطلقوا النار على الناس الذين كانوا يحاولون الفرار. رأيت هذا بعيني، حوالي الساعة السابعة مساءً. قتل العديد من الناس، ودُمرت العديد من المنازل. قتلت البيشمركة العديد من الناس في اللحظة نفسها. ربما قتلوا 10 أو 20 شخصًا من بينهم أطفال".
من كان طلال علي قاسم؟
وأكد إيزيديون إنهم يعرفون الشخص الذي نفذ التفجير نيابة عن مسعود بارزاني. وقال ميرزا إسماعيل لـ The Cradle:
“الشخص الذي حشا الشاحنات بالمتفجرات كان عضوًا في جهاز «أسايش» بارزاني (الشرطة السرية)، طلال علي قاسم. كان قريبًا جدًا من زوجة سامي عبد الرحمن، الذي كان نائبًا لبارزاني في ذلك الوقت، وهو ثاني أعلى مسؤول في الحزب الديمقراطي الكردستاني. عاش بين الايزيديين لمدة عشرين عامًا تقريبًا، لذا كان يتحدث اللهجة نفسها بطلاقة. كان كرديًا مسلمًا”
وأضاف هؤلاء أنه بعد اعتقال طلال علي قاسم من قبل "أسايش" بارزاني، اعترف بمسؤوليته عن التفجيرات. مع ذلك، أًطلق سراحه بعد أسابيع فقط وسُمح له بالتوجه إلى سوريا.
إلى أين نقلت المروحيات الأميركية المصابين؟
وقال عدد من الأيزيديين من تل عزير وسبعة شيخ خضر إن مروحيات أميركية جاءت لإجلاء بعض الجرحى، لكن هؤلاء الضحايا لم يُعثر لهم على أثر بعد ذلك.
وقال قاسم، من سبعة شيخ خضر، لـ The Cradle: "كان هناك أكثر من 100 مصاب نقلهم الأميركيون. ولكن لم يتم العثور على هؤلاء الأشخاص بعد ذلك. ونعدّهم من بين الضحايا". وقال عدد من الايزيديين إنهم لا يعرفون سبب عدم ظهور الجرحى الذين لا يزال مصيرهم لغزًا.
لماذا نفّذ الأكراد التفجيرات؟
وشرح عزيز، وهو إيزيدي من تل عزير، الأسباب التي دفعت ببارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني إلى التخطيط للتفجيرات وتنفيذها. قال عزيز لـ The Cradle: "أولاً، كانت عائلات عدة من تل عزير وسبعة شيخ خضر تنتمي إلى حركة الإصلاح والتقدم الإيزيدية التي ترفض وجود البيشمركة والحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة بارزاني في سنجار. وكانت المقاومة ضد الحزب الديمقراطي الكردستاني قوية جدًا. ثانيًا، نُفّذ التفجير لإقناع الناس بأن الإيزيديين في خطر ولا أحد يستطيع حمايتهم سوى البيشمركة. لذا خلقوا ذريعة بقتل الناس في التفجير. من الواضح حتى للأطفال أن هناك أسبابًا سياسية وراء التفجيرات".
بموجب المادة 140 من الدستور العراقي، التي تم إقرارها عام 2005، كان من المقرر إجراء استفتاء في نهاية عام 2007. وكان من المفترض أن يتيح الاستفتاء للعراقيين المقيمين في ما يسمى "المناطق المتنازع عليها"، مثل سنجار وكركوك وبعشيقة، الاختيار بين البقاء تحت سلطة الحكومة المركزية في بغداد أو الانضمام إلى منطقة كردستان ذات الحكم الذاتي في أربيل. وبعد التفجير، كان أمام الإيزيديين في سنجار خياران: "إما أن يُقتلوا أو ينضموا إلى منطقة كردستان"، يقول عزيز. وأضاف: "كان الاستفتاء سيسمح لحكومة إقليم كردستان باستخدام القانون (المادة 140) للاستحواذ على الأراضي من الحكومة المركزية. وكانوا سيقولون إن الناس يريدوننا لحمايتهم لأنهم خائفون من القاعدة".
وقد نجحت التفجيرات في إيصال هذه الرسالة إلى السكان الإيزيديين في شمال العراق الذين كانوا في حالة رعب. وقال الأمير تحسين سعيد علي، وهو زعيم ايزيدي من مدينة شيخان، لصحيفة "ذا غارديان" بعد التفجيرات: "كان الإرهابيون الإسلاميون قد أوضحوا تمامًا أنهم يريدون رؤية أنهار من دماء الإيزيديين. والسبيل الوحيد لحماية جميع اليزيديين بأن يكونوا جزءًا من منطقة الحكم الذاتي الكردي".
بينما أرجأ رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي والحكومة في بغداد الاستفتاء الذي كان مقرراً في كانون الأول/ديسمبر 2007، لم يتخلَ مسعود بارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني عن أهدافهما.
مقدمة للإبادة الجماعية
بعد بضع سنوات، في 3 آب/أغسطس 2014، تعاون بارزاني وبيشمركته مرة أخرى مع مسلحين من تنظيم "القاعدة"، الذين أصبحوا يعرفون في ذلك الوقت باسم "داعش"، لارتكاب مذبحة واختطاف واستعباد الآلاف من الايزيديين في غضون أيام قليلة.
قال جاسو، الذي كان في الخامسة من عمره عندما وجد جثث جده وأبناء عمه وعمّه مغطاة بالدماء بعد تفجير 2007، لـ The Cradle: "بعد سبع سنوات، عندما كنت في الثانية عشرة، رأيت الأشياء نفسها خلال إبادة 2014".
بالنسبة للإيزيديين من سنجار، لم تأتِ الإبادة التي ارتكبها "داعش" في 2014 من العدم، بل كانت تتويجاً لمشروع بدأ قبل سنوات.
لدى سؤاله عن سبب تنفيذ بارزاني وبيشمركته للهجوم الإرهابي الرهيب في 2007 والإبادة الجماعية في 2014، أجاب مرزا إسماعيل The Cradle: "لإبادة الإيزيديين وبناء دولة إسلامية كردية".
رابط التقرير