*سيث جيه فرانتزمان
National Intrest/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
شهد العام الجديد في الشرق الاوسط تفجر عدد من النزاعات التي كانت تتصاعد ببطء. وتشمل هذه النزاعات التطورات في اليمن وسوريا، اضافة الى الاحتجاجات الداخلية في ايران.
وفي الوقت نفسه، لا تزال النزاعات غير المحسومة في غزة ولبنان بين اسرائيل من جهة وحركتي حماس وحزب الله من جهة اخرى تبقي المنطقة على حافة التوتر. وعلى نطاق اوسع، تستمر الحروب الاهلية في السودان وليبيا.
السؤال الرئيسي الذي يخيّم على المنطقة هو ما اذا كان بامكان تحالف من الدول، يرتبط كثير منها بالولايات المتحدة، احتواء هذه النزاعات المستمرة، فكثير من هذه الصراعات منخفضة الحدة نتجت عن تراجع قوة ايران في المنطقة، مع سعي دول وجماعات اخرى لملء الفراغ.
معظم النزاعات منخفضة الحدة في المنطقة لها جذور عميقة وادت الى عقود من الانقسام. فعلى سبيل المثال، ظل اليمن منقسما بين جماعة الحوثيين المدعومة من ايران وقوى منافسة تحظى بدعم الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وقد قاد ذلك الى صراع ثلاثي الاطراف تفجر في اواخر كانون الاول 2025، عندما اشتبك المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم اماراتيا مع مجلس القيادة الرئاسي المدعوم سعوديا.
ويبدو الان ان مجلس القيادة الرئاسي، الذي يمثل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، بات يتمتع باليد العليا، فيما بدأت الامارات بالتراجع عن دعمها للمجلس الانتقالي الجنوبي.
لا تمتلك اي من اطراف الصراع في اليمن القدرة على السيطرة على البلاد وحكمها بالكامل غير ان انتكاسات المجلس الانتقالي الجنوبي قد تعني ان مجلس القيادة الرئاسي سيتمكن من توطيد نفوذه على مساحات واسعة من اليمن.
وفي المقابل، فان استمرار الصدام بين الطرفين سيضعف قوتين كان بامكانهما الحد من قبضة الحوثيين على معظم المناطق الجبلية في شمال اليمن. وقد اثبت الحوثيون خلال العقد الماضي مدى خطورتهم على امن المنطقة، من خلال مهاجمة السفن العابرة للبحر الاحمر وشن هجمات على السعودية واسرائيل كما ان الضعف النسبي لايران بعد صداماتها مع اسرائيل في عام 2025 قد يعني ان طهران تواجه عقبات اكبر في دعم حلفائها في اليمن.
وتواجه ايران منذ كانون الاول 2025 موجة احتجاجات داخلية. ورغم ان النظام الايراني اعتاد في السابق التعامل مع الاحتجاجات عبر تركها تستمر لبضعة اسابيع قبل قمعها، فان التحدي هذه المرة يكمن في ان النظام بات اضعف مما كان عليه، سواء بسبب الازمات الاقتصادية الداخلية او تراجع قدرته على اسقاط نفوذه في الخارج.
ونتيجة لذلك، قد تشعر جماعات معارضة عديدة بقدر اقل من الردع. فعلى سبيل المثال، ترى جماعات المعارضة الكردية فرصة سانحة للضغط على النظام. كما يسعى ولي العهد الايراني السابق المنفي رضا بهلوي الى التأثير في مسار الاحتجاجات الجارية.
اما النزاع الثالث الذي ظل يتفاعل بهدوء فهو في سوريا فاشتباكات بين الحكومة السورية الانتقالية والقوات الكردية في حيين كرديين في مدينة حلب تهدد بالخروج عن السيطرة.
وقد يؤدي ذلك الى جر قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة في شرق سوريا، وهي قوة كردية قاتلت تنظيم داعش وقد اسفرت الاشتباكات هذا الاسبوع بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية في حلب عن مقتل 22 شخصا. وفي الوقت ذاته، تدعم الولايات المتحدة محادثات بين اسرائيل وسوريا تهدف الى ايجاد الية تفاهم بين البلدين.
واذا ما استمرت المحادثات الاسرائيلية السورية في التقدم، فقد تسهم في خفض التوترات التي برزت في عام 2025 فقد اعلنت القدس انها ترغب في دعم الطائفة الدرزية في جنوب سوريا، كما نفذت اسرائيل غارات داخل جنوب سوريا، وسيطرت على منطقة عازلة على طول الحدود منذ سقوط نظام الاسد في كانون الاول 2024. وعليه، قد يشهد عام 2026 اختبارا لامكانية انتقال اسرائيل وسوريا نحو تفاهم افضل يفتح الباب امام استقرار نسبي في العلاقات ولن يعني ذلك على الارجح تطبيعا كاملا، لكنه قد يؤدي الى تقليل الصدامات والتوترات.
كما تواجه اسرائيل احتمالات تجدد الصراع في غزة ولبنان. ففي غزة، توصلت اسرائيل وحماس الى وقف هش لاطلاق النار في تشرين الاول. وتسعى الادارة الاميركية الى تحقيق تقدم نحو اقامة اطار حكم جديد في غزة ينزع سلاح حماس ويمهد لاعادة الاعمار. غير ان الطريق لا يزال طويلا، اذ ترفض حماس نزع سلاحها وتواصل الاحتفاظ بجثمان اسير اسرائيلي متوفى. اضافة الى ذلك، سيتطلب اطار الحكم الجديد نشر قوة دولية للاستقرار، لكن الحكومات الاقليمية لا تبادر حتى الان الى المشاركة في هذه القوة، ما يبقي غزة في حالة فراغ.
وجنوب لبنان بدوره يعيش حالة ترقب فمنذ وقف اطلاق النار في تشرين الثاني 2024 الذي انهى القتال بين اسرائيل وحزب الله، تثار تساؤلات حول ما اذا كان الحزب سيجري نزع سلاحه. وعلى الرغم من ان بيروت تعلن رغبتها في نزع سلاح حزب الله، لا يوجد مسار واضح لتحقيق ذلك فعليا. وقد دفع هذا الوضع اسرائيل الى مواصلة شن غارات جوية على اهداف لحزب الله داخل لبنان، بدعوى ان الحزب ينتهك شروط وقف اطلاق النار. واذا لم يحدث تقدم واضح نحو نزع سلاحه، فقد تتصاعد هذه الضربات.
ان النزاعات منخفضة الحدة في مختلف انحاء الشرق الاوسط ترتبط بسمات مشتركة. فجميعها نتجت عن فراغ في السلطة عقب انهيار دول وكثير منها يرتبط ايضا بتراجع النفوذ الاقليمي لايران ومحاولات قوى اخرى ملء هذا الفراغ. فعلى سبيل المثال، ادى سقوط نظام الاسد الى قيام حكومة جديدة في دمشق تسعى لتكريس سلطتها، وتجد نفسها في احتكاك مع اسرائيل وقوات سوريا الديمقراطية والدروز.
وفي اليمن، يبدو ان دولتين خليجيتين تختلفان بشكل متزايد حول سياساتهما الممتدة منذ عقد في البلاد، علما ان السعودية والامارات حليفان للولايات المتحدة. وبالمثل، في سوريا، تعد الحكومة الجديدة في دمشق واسرائيل وقوات سوريا الديمقراطية جميعها شركاء مقربين من واشنطن.
هذه النزاعات منخفضة الحدة تضع في الواقع شركاء محتملين في مواجهة بعضهم البعض، مع تراجع العدو المشترك المتمثل بايران الى الخلف. وفي غزة ولبنان، يتمثل التحدي الاساسي في نزع سلاح الجماعات المدعومة من ايران. وسيكون عام 2026 عاما تعيد فيه دول المنطقة التفاوض على خريطة جديدة للشرق الاوسط.
*سيث فرانتزمان هو مؤلف كتاب حروب الطائرات المسيرة: الرواد، آلة القتل، الذكاء الاصطناعي ومعركة المستقبل، وباحث مشارك في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات. يشغل منصب القائم باعمال محرر الاخبار وكبير مراسلي ومحللي شؤون الشرق الاوسط في صحيفة جيروزاليم بوست. وقد غطى ودرس النزاعات والتطورات في الشرق الاوسط منذ عام 2005، مع تركيز خاص على الحرب ضد داعش، ووكلاء ايران، وسياسة الدفاع الاسرائيلية. كما يغطي تطورات الصناعات الدفاعية الاسرائيلية لموقع بريكينغ ديفنس، وكان سابقا مراسل ديفنس نيوز في اسرائيل.