×


  قضايا كردستانية

  ضحايا حلب المنسيون: كيف تخلى الغرب عن الكورد عند حاجتهم



*أمد ماردين

صحيفة"جيروزاليم بوست"/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

تم تهجير مئات الآلاف من الكورد من منازلهم في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب ومن القرى المحيطة، لكن هذه ليست نهاية الأمر. لقد تم نهب البيوت والحقول والمتاجر. ذاكرة ومعيشة شعب كامل تُوزع كغنائم حرب. هذا ليس نتيجة عشوائية للحرب، بل هو سرقة منظمة تُقدَّم على أنها شرعية.

أن يسمع الملايين عن هذه الحقيقة دون ان تتردد صرخة تكشفها وسائل الإعلام الغربية يفضح ادعاءها بالحيادية. فالصمت هنا ليس ناتجا عن جهل، بل عن عمى انتقائي متعمد. ما يحدث للكورد في شوارع حلب وأفرين ومنبج وقرى شمال سوريا يتم التقليل من شأنه أو تجاهله أو إخفاؤه عمدا.

ترامب والاتحاد الأوروبي يجاملان المتطرفين

يحب السياسيون الغربيون الحديث عن حقوق الإنسان والإنسانوية، بينما يتحملون المسؤولية المباشرة عن سياسات تخون هذه القيم. خلال عهد ترامب، كانت العلاقات مع الجماعات المتطرفة تُباع كاستراتيجية بدافع المصلحة الذاتية.

أعلن الاتحاد الأوروبي عن إرسال 620 مليون يورو كمساعدات لسوريا بينما كانت الأحياء الكردية في حلب تتعرض لهجمات عنيفة، وكان مئات الآلاف من الكورد يُهجرون من منازلهم. في الوقت ذاته، سمح قادة الاتحاد الأوروبي لأنفسهم بلقاء حكام متطرفين والتفاوض مع القوى المسؤولة جزئيا عن تهجير الكورد.

تتدفق هذه الأموال إلى هياكل تخدم بشكل غير مباشر العقلية الجهادية نفسها المسؤولة عن اضطهاد الكورد. وبالتالي، يقوم دافعو الضرائب الأوروبيون بتمويل تهجير شعب دفع أعلى ثمن للحفاظ على القيم الغربية.

هذا ليس سهوا، بل هو إفلاس أخلاقي يُترجم إلى أرقام ويُخفي تحت المجاملات الدبلوماسية.

لا بد من الكلام الصريح الآن: شعب ضحى بعشرات الآلاف من أبنائه وبناته للدفاع عن القيم الغربية. هذا الشعب له الحق في أن يُسمع صوته.

لقد دفع الكورد أعلى ثمن من أجل العلمانية وحقوق المرأة والتعايش السلمي والديمقراطية. ومن يصف هذه القيم بأنها عالمية هم نفسهم من يتخلون عنها اليوم في أنقاض حلب ومخيمات اللاجئين في شمال سوريا.

المقاتلون الكورد الذين واجهوا داعش لم يحموا منطقتهم فحسب، بل أوقفوا تهديدا عالميا. الدماء التي سفكت في كوباني والرقة ودير الزور أريقت من أجل أمن العالم كله. واليوم، يتم كتم هذا التضحية لأسباب استراتيجية، بينما يُهجر الناجون من هذه المعارك من منازلهم في حلب.

ما يحدث للكورد اليوم في حلب والأحياء الكردية بشمال سوريا لا يخص مدينة واحدة فحسب. إنه تهديد لكل الكورد في سوريا. من أفرين إلى حلب إلى قامشلي، يزداد الخناق ضيقا. والعالم يشاهد ويصمت.

 

معايير مزدوجة

أتحدث إلى كل من نزلوا إلى الشوارع من أجل غزة: لماذا يظل الضمير نفسه صامتا عندما يُطرد الكورد من شوارع الشيخ مقصود والأشرفية؟ بأي منطق أخلاقي يمكن تجاهل الاضطهاد المنهجي لشعب؟

إذا كانت الإنسانية حقا قيمة مشتركة، فيجب أن يكون الألم مشتركا أيضا. لماذا لا تبكي نفس العيون التي ذرفت دموعا لغزة على حلب؟ هذا المعيار المزدوج يظهر هشاشة ما يسمى بالقيم العالمية.

تتضح الصورة أكثر الآن. بينما تصرخ القوات التركية ووزراؤها بالنصر على احتلال الأحياء الكردية في حلب وتهدد العالم على الأحياء الكردية المتبقية، يبكي الكورد على طرق الهروب من حلب. يبكون ليس فقط لأنهم معرضون لهجمات همجية، بل لأنهم تُركوا عمدا. لقد أصبحوا ضحايا سياسة غربية خانت مبادئها الأخلاقية من أجل المصلحة الذاتية.

بينما يقتحم اللصوص بيوت الكورد في حلب، وبينما تحتفل الدعاية القومية بطرد الكورد من الشيخ مقصود والأشرفية كإنجاز، يختبئ العالم خلف الخوارزميات ويصمت ضميره.

 

الغرب يجب أن يستيقظ

هذا ليس دعوة لاختيار طرف. إنه تنبيه لضمير كل من في الغرب الذين يدعون أنهم لا يزالون يؤمنون بالقيم الإنسانية.

فالصمت اليوم لم يعد موقفا محايدا. من يظل صامتا أمام صور حلب اليوم يصبح شريكا في القمع المختبئ وراء صرخات النصر. من يظل صامتا اليوم سيكون غدا شاهدا على العار.

سوف يسأل التاريخ بالتأكيد: بينما كان شعب كامل يُهجر من حلب والأحياء الكردية شمال سوريا نحو الإبادة، أي مصالح كانت أهم من أخلاقكم؟ بينما كانت مجتمع علماني وديمقراطي يدافع عن حقوق المرأة يُدمر في شوارع حلب، ما هي الحسابات الاستراتيجية التي اتبعتموها؟ أين انتهت قيمكم العالمية بالضبط عندما انحنيتم في قصور الحكام الإسلاميين المتطرفين؟

مأساة الكورد في حلب وشمال سوريا تمثل اللحظة التي انكسر فيها البوصلة الأخلاقية للإنسانية. وهذه البوصلة لا يمكن إصلاحها إلا بشيء واحد: مواجهة صادقة مع الحقيقة.

الصمت لم يعد خيارا. الضمير لا يحتمل التأجيل.

*الكاتب صحفي كردي منفي، محلل سياسي، ومراقب لشؤون الشرق الأوسط مع التركيز على تركيا والعراق وايران وسوريا وشؤون الكورد.


15/01/2026