×


  قضايا كردستانية

  ملاحم الصمود.. في حلب تكتب بالدم أسطورة التصدي



وقف إطلاق النار بعد ستة أيام من المواجهات العنيفة

 

توصلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى تفاهم دولي لوقف إطلاق النار في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، بعد ستة أيام من الاشتباكات العنيفة والهجمات التي شنتها فصائل تابعة لوزارة الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية، مدعومة بشكل مباشر وغير معلن من تركيا وبعض القوى الإقليمية والدولية.

وأعلن القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي يوم أمس، عن التوصل إلى تفاهم جديد بوساطة أطراف دولية يهدف إلى وقف الهجمات والانتهاكات المستمرة بحق المدنيين في مدينة حلب، وتحديدا في حيي الشيخ مقصود والأشرفية،وأوضح في بيان نشره عبر منصة (إكس)، أن التفاهم يضمن وقف الهجمات وتأمين ممرات آمنة لإخراج الشهداء والجرحى والمدنيين المحاصرين والمقاتلين من الحيين باتجاه مناطق شمال وشرق سوريا.

ودعا عبدي الوسطاء الدوليين إلى الالتزام بوعودهم والعمل على عودة آمنة للمهجرين إلى منازلهم، موجّها تحية تقدير لمقاتلي قوى الأمن الداخلي والمدنيين الذين صمدوا في وجه الهجمات.

 

تحية تبجيل وإكبار

وفي لفتة تقديرية، وجه مظلوم عبدي تحية تبجيل وإكبار لمقاتلي وسكان حيي الشيخ مقصود والأشرفية الذين صمدوا خلال الفترة الماضية، مقدما تعازيه لعوائل الشهداء ومتمنيا الشفاء العاجل للجرحى.

 

موجة نزوح قسرية

الى ذلك قال مسؤول في الإدارة الذاتية، لنورث برس، الأربعاء، إن 292 عائلة من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب وصلوا إلى مناطق شمال وشرق سوريا خلال الأيام القليلة الماضية.

وتسببت الهجمات التي شنتها فصائل في وزارة الدفاع التابعة للحكومة السورية الانتقالية على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، ذات الغالبية الكردية في حلب، الأسبوع الفائت، بنزوح كبير للسكان عقب أيام من الاشتباكات العنيفة.وقال شيخموس أحمد، الرئيس المشارك لمكتب شؤون النازحين واللاجئين في الإدارة الذاتية، لنورث برس، إن 292 عائلة وصلت إلى مناطق شمال وشرق سوريا حتى الآن.

وأضاف: “توزعت هذه العوائل بين مدن شمال شرقي سوريا، منها 93 عائلة في مدينة الحسكة، و13 في كوباني، و84 عائلة في القامشلي، و74 عائلة في الطبقة، و28 عائلة في مدينة الرقة”.

وبيّن: “إجمالي هذه العوائل يقارب ألف شخص، والعدد مرشح للازدياد في ظل تدفق العوائل إلى مناطق الإدارة الذاتية”.

في المقابل، أفاد مسؤول في الإدارة الذاتية أن 292 عائلة، يبلغ عدد أفرادها نحو ألف شخص، نزحت من الحيين إلى مناطق شمال وشرق سوريا، موزعة بين الحسكة وكوباني والقامشلي والطبقة والرقة، في ظل ظروف إنسانية صعبة ونقص حاد في المساعدات.

 

استيلاء الفصائل الحكومية على الحيين لا يمثل انتصارا

وأكدت الإدارة الذاتية الديمقراطية أن استيلاء الفصائل الحكومية على الحيين لا يمثل انتصارا، بل يُعدّ فعلا غادرا وجريمة ترتكبها سلطة مدعية حماية الدولة، موضحة أن الهجوم استخدم فيه آلاف المقاتلين المدعومين بأسلحة ثقيلة وطائرات مسيرة، مقابل مئات من عناصر قوى الأمن الداخلي المسلحين بأسلحة فردية.

 

مقاومة تاريخية

وأشار عضو الهيئة الرئاسية لحزب الاتحاد الديمقراطي، آلدار خليل، إلى أن ما حدث في الشيخ مقصود والأشرفية كان مقاومة تاريخية أكدت وحدة الشعب وإرادته الحرة، وأن التمثيل بالجثث والانتهاكات التي ارتكبتها الفصائل المهاجمة كشف غياب أي قيم إنسانية لديهم، مؤكدا أن النصر الحقيقي كان للشهداء، ومنهم القائدان زياد وآزاد، ولكل المقاومين الذين رفعوا راية الكرامة.

وقال خليل إنه في في الوقت الذي تدّعي فيه بعض المجموعات، المدعومة من قوى إقليمية ودولية وعلى رأسها تركيا، تحقيق “نصر” باسم ما يسمونه “الدولة السورية”، يظل هذا الادعاء مجرد وهمٍ يفتقر إلى أي قيمة أخلاقية.

وأضاف خليل أنه بعد اتفاقية الأول من نيسان العام الماضي، التي نصّت على سحب السلاح الثقيل وخروج قوات سوريا الديمقراطية من حلب، أقدمت هذه القوى الغادرة على غدرٍ جديد، لكن بفضل تضحيات وعزيمة قوى الأمن الداخلي الذين واجهوا العدوان بسلاحهم الفردي، تحولت المعركة إلى ملحمة ستدرس للأجيال القادمة.

 

تمثيل هؤلاء بالجثث فضيحة لهم

وأكد خليل أن من يزعم أنهم انتصروا إنما فضحوا أنفسهم لتجاوزهم كل القيم الإنسانية والأخلاقية عبر التمثيل بالجثث، وهذا ليس بغريب عن هؤلاء مدعي حماية الوطن، وكأنهم حرروا الأراضي المحتلة في سوريا.

وشدد خليل على أن الشعب الذي واجه قوى متعددة ودولا مساندة وقفت خلفهم، لكنه لم يستسلم ستبقى إرادته الحرة خالدة، لتؤكد أن المقاومة ليست حدثا عابرا بل مسارا نحو الحرية، وأن النصر الحقيقي كان للشهداء وفي مقدمتهم الشهيدان القائدان زياد وفيان؛ ولكل المقاومين والمناضلين الذين رفعوا راية المقاومة والكرامة.

 

تمسك كوردي بخيار الحوار والمفاوضات

من جانبها، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، إلهام أحمد، شددت على أن الهجمات على الأحياء الكردية تشكل خطرا على سوريا والمنطقة، وأن الإدارة ما زالت متمسكة بخيار الحوار والمفاوضات، شرط وقف الهجمات وضمان حماية المدنيين، مشيرة إلى أن نحو 48 شخصا فقدوا حياتهم وأصيب 118 آخرون، وما يزال مصير العشرات مجهولا.

وقالت أحمد إن أحد أهداف الهجوم هو إحداث تغيير ديمغرافي، مؤكدة أن الإدارة ستعمل على حماية المكونات وعودة المهجّرين، ودعت المنظمات الدولية والحقوقية إلى تحمل مسؤولياتها في متابعة الوضع الإنساني والأمني في الحيين، ومنع ارتكاب جرائم جديدة في ظل انعدام الثقة بالقوى الأمنية التابعة للحكومة.

وقالت إلهام أحمد إن "وزارة الدفاع أعلنت بشكل رسمي عملية عسكرية ضد حيي الشيخ مقصود والأشرفية"، منوهة إلى أن "قسد كانت قد انسحبت من الحيين بموجب اتفاق 1 نيسان لكن الحكومة كانت تصور وتروّج بوجود قسد في الحيين وبدأت هجوما عنيفا شاركت فيه نحو 80 دبابة".

وكشفت أن نحو 48 شخصا فقدوا حياتهم في هذه الهجمات على حيي الشيخ مقصود والأشرفية، فيما أُصيب 118 آخرون، ولا يزال مصير العشرات مجهولا.

وأضافت أن "الفصائل المهاجمة ارتكبت انتهاكات فظيعة في حلب"، موضحة أن مرتزقة من داعش ومرتزقة من الإيغور إضافة إلى مجموعات تركية ومرتزقة أجانب شاركوا في الهجوم على الشيخ مقصود والأشرفية.

وفي سياق آخر، قالت إن "أحد شروط رفع العقوبات الأميركية والغربية عن سوريا كان حماية المكونات وإبعاد الأجانب، لكن الحكومة فعلت العكس حتى الآن وهاجمت العلويين والدروز والمسيحيين والآن الكرد".

وطالبت الحكومة الأميركية بتوضيح موقفها من الحكومة المؤقتة التي ترتكب مجازر بحق الكرد، لافتة إلى أن الكرد لم يسببوا أي ضرر للحكومة المؤقتة ولا أي طرف سوى أنهم حموا المنطقة من داعش.

وأكدت أنهم مع الحوار والاستمرار في المفاوضات، بشرط وقف الهجمات وضمان حماية الكرد في حلب وعفرين.

 

المجازر والانتهاكات والإهانات لن تمرّ دون محاسبة

واصدرت الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا، اليوم بيانا إلى الرأي العام، حول مجريات الأحداث في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، جاء فيه:

“في السادس من كانون الثاني عام 2026، تعرّض حيا الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب لهجوم عسكري واسع النطاق شنّته الفصائل التابعة لوزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة، وذلك في إطار خطة تركية وبدعم غير معلن من قوى دولية وإقليمية. إن هذا الهجوم يشكّل حلقة جديدة في مسلسل استهداف الوجود الكردي بوصفه مكوّنا أصيلا من مكوّنات مدينة حلب، ويأتي امتدادا للانتهاكات الجسيمة والمجازر التي طالت سكان الساحل السوري وأهالي محافظة السويداء.

لقد استمر هذا الهجوم ستة أيام متواصلة، وكان في جوهره هجوم دولٍ على حيّين سكنيين، استخدمت فيه مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة في مواجهة أسلحة فردية بسيطة. هجوم شارك فيه آلاف العناصر من المجموعات المسلحة، ومن ضمنهم عناصر من تنظيم داعش، في مقابل مئات من عناصر قوى الأمن الداخلي. معركة غير متكافئة من جميع النواحي، وبعيدة كل البعد عن القيم الإنسانية والأخلاقية وقواعد الحرب المعترف بها دوليا.

ورغم ذلك، واجه رفاقنا ورفيقاتنا في قوى الأمن الداخلي هذا العدوان بمقاومة تاريخية وبطولية، دفاعا عن المدنيين وحماية لأهلنا في الحيين. وخلال ستة أيام من الصمود والتصدي الشجاع لمختلف صنوف الأسلحة الثقيلة، سطّر أبطالنا أسمى معاني الفداء والتضحية. بدءا من القائدين البطلين زياد وآزاد، اللذين كسرا أشرس الهجمات وقادا المقاومة بإرادة صلبة، وصولا إلى الرفاق هوار، دلبيرين، فيان، فراشين، روجبين، ودنيز، الذين جسّدوا بأعمالهم الفدائية أسمى درجات الارتباط بقيم شعبهم وقضيته، لتبقى تضحياتهم خالدة في وجدان وضمير شعبنا إلى الأبد.

إن استيلاء المجموعات المسلحة التابعة لوزارة الدفاع على الحيين لا يمكن توصيفه على أنه انتصار، بل هو فعل غدرٍ وجريمة كبرى ترتكبها سلطة تدّعي تمثيل الدولة، بينما تقتل مواطنيها وتنتهك كرامتهم. سلطة تدّعي الالتزام بالإسلام، في حين تمارس التمثيل بالجثث، وتهين المكوّنات المجتمعية، وترتكب جرائم حرب واضحة المعالم. إن أي سلطة تستقوي بدولة أخرى ضد شعبها تفقد شرعيتها مهما حظيت من دعم دولي، لأن الشعب وحده هو مصدر الشرعية. واستخدام الدبابات والمدفعية الثقيلة ضد أحياء سكنية يؤكد ضعف هذه السلطة وخوفها، ولا يعبّر عن قوتها، بل سيبقى وصمة عار في تاريخ سوريا.

نؤكد أن إرادة شعبنا، الذي قاوم الحصار والظلم لعقود طويلة، سواء في ظل حكم البعث أو خلال فترة الحكومة المؤقتة، إضافة إلى المقاومة البطولية التي أبداها أبطالنا وبطلاتنا، هي المنتصر الحقيقي. كما نؤكد أن المجازر والانتهاكات والإهانات التي ارتُكبت بحق شعبنا وشهدائنا لن تمرّ دون محاسبة، وستظل جراحها حيّة في وجداننا إلى أن تتم محاسبة المسؤولين عنها.

وبناء على ما جرى من ممارسات وانتهاكات خطيرة خلال هذه الأيام، ندعو المنظمات الدولية والحقوقية والإنسانية إلى تحمّل مسؤولياتها ومتابعة الوضع الإنساني والأمني في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، في ظل ما يتعرض له أهلنا من اعتداءات وحشية، وانتهاكات للكرامة الإنسانية، وإعدامات ميدانية، وجرائم حرب، وعمليات تطهير عرقي وتغيير ديمغرافي. كما نطالب بانتشار قوة دولية في الحيين لمنع ارتكاب جرائم جديدة، في ظل انعدام الثقة بالقوى الأمنية التابعة للدولة، والتي يقودها أشخاص ذوو فكر متطرف وداعشي.

ولأن الهدف الأساسي من هذا الهجوم هو إحداث تغيير ديمغرافي، فإننا ندعو أهلنا الصامدين في الحيين إلى التمسك بمنازلهم، كما ندعو من اضطروا للنزوح إلى العودة إلى بيوتهم. وفي الختام، ورغم إدراكنا لحجم المعاناة التي يعيشها شعبنا، فإننا في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا نؤكد أننا سنسخّر كل إمكانياتنا المادية والمعنوية للتخفيف من آثار هذه الحرب، وسنكون إلى جانب شعبنا في كل مكان وتحت كل الظروف”.

 

ملحمة صمود استثنائية

إن ما سُطر في حيي الشيخ مقصود والأشرفية خلال الأيام الماضية ليس مجرد معركة عسكرية، بل ملحمة صمود استثنائية رسمتها دماء الشهداء وإرادة مدافعي قوى الأمن الداخلي، الذين واجهوا آلاف المرتزقة بالأسلحة الفردية، مثبتين أن إرادة الشعب وقيمه الإنسانية هي السلاح الأقوى في مواجهة آلة القتل والعدوان.

ففي لحظة من لحظات التاريخ التي يتوقف فيها الزمن إجلالا، خطّ مقاتلو قوى الأمن الداخلي في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب ملحمة لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل كانت صراعا وجوديا بين إرادة التشبث بالأرض وبين آلة قتل عمياء لا ترحم.

هناك، حيث تلتصق البيوت ببعضها البعض كقلوب أصحابها، وقف بضع عشرات من الأبطال بصدورهم العارية وأسلحتهم الخفيفة، ليواجهوا آلاف المرتزقة الذين حشدهم الاحتلال التركي من فصائل “العمشات” و”الحمزات” و”نور الدين الزنكي”.

لم تكن الموازين العسكرية توحي بأي تكافؤ؛ فعشرات الآلاف من المرتزقة، المدفوعين بأوهام السيطرة والمدججين بأحدث الأسلحة الثقيلة والمدرعات، ظنوا أن دخول الحيين سيكون نزهة قصيرة. لكنهم اصطدموا بحقيقة مرة: أن المتر الواحد في الشيخ مقصود يساوِي لدى مدافعيه حياة كاملة.

تحت وطأة القصف العنيف وبغطاء جوي كثيف من المسيرات التركية التي لم تغادر السماء، رسم المقاتلون لوحة من الصمود الأسطوري، محولين كل زقاق إلى خندق، وكل نافذة إلى متراس، ليرتد المهاجمون خائبين أمام بسالة قلّ نظيرها في حروب المدن الحديثة.

أثبت هؤلاء الأبطال أن “الإرادة” هي السلاح الذي لا يمكن لأي تكنولوجيا عسكرية أن تهزمه، فكانوا يواجهون الدبابات بقلوب مؤمنة، مذكرين العالم بأن الحق لا يموت ما دام وراءه مُطالب يرتدي زي التضحية.


15/01/2026