*نجاح محمد علي
*صحيفة"الراي اليوم"اللندنية
بناء على المعلومات المتاحة من مصادر متعددة، تُعتبر “الخطة الأمريكية-الإسرائيلية” لتغيير النظام في إيران استراتيجية متعددة الأبعاد، تجمع بين الضغوط الاقتصادية، النفسية، التكنولوجية، والعسكرية.
هذه الاستراتيجية ليست جديدة، بل تعود جذورها إلى عقود، مثل وثيقة “A Clean Break” عام 1996 التي اقترحت تغيير أنظمة في غرب آسيا، بما في ذلك إيران . ومع ذلك، في السياق الحديث (خاصة بعد أحداث 2025 مثل الحرب القصيرة مع الكيان الصهيوني والاحتجاجات)، يمكن تقسيمها إلى أربع مراحل رئيسية، مستندة إلى تقارير وتحليلات من مصادر مفتوحة خصوصا داخل الكيان اللقيط و ما نشر أيضا من تصريحات رسمية في واشنطن . سأذكر هذه المراحل، ثم أوضح أسباب فشلها، وأخيرا كيف واجهتها إيران.
المراحل الأربع لاستراتيجية التغيير الممنهج:
ـ المرحلة الأولى: العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية
تهدف هذه المرحلة إلى استنزاف الاقتصاد الإيراني وإثارة السخط الداخلي. منذ خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي (JCPOA) في 2018، فرضت واشنطن عقوبات “الضغط الأقصى”، مدعومة من كيان الإحتلال، لتقليص صادرات النفط الإيرانية وتقييد التجارة. الهدف كان إجبار النظام على التنازلات أو الانهيار الداخلي، كما أكدت تقارير أمريكية أن العقوبات تهدف إلى “إعادة تشكيل سلوك النظام دون حرب مباشرة” . في 2025، تم تعزيز هذه العقوبات بعد الحرب القصيرة ، مع فرض عقوبات ثانوية على الشركات المتعاملة مع إيران، لتعزيز الضغط الاقتصادي كأداة للانهيار الداخلي .
ـ المرحلة الثانية: الحرب النفسية والدعاية الإعلامية
تركز على زعزعة الثقة في النظام من خلال حملات إعلامية وتهديدات علنية. تشمل ذلك تصريحات من دونالد ترامب ونتنياهو تهدد بـ”تغيير النظام”، واستخدام وسائل التواصل لنشر معلومات مضللة عن “انهيار وشيك” للنظام. في يونيو حزيران 2025، أدت ضربات الكيان على قادة إيرانيين إلى حملات نفسية تهدد بمزيد من الاغتيالات لتشجيع الانشقاقات الداخلية . الهدف هو خلق شعور بالهشاشة، كما وصفت تقارير أن “التهديد العسكري النفسي المستمر” جزء من الاستراتيجية المشتركة .
ـ المرحلة الثالثة: الدعم التكنولوجي للاحتجاجات (ستارلينك والاتصالات)
دعم الاحتجاجات الداخلية عبر تقنيات تجاوز الرقابة، مثل تفعيل ستارلينك من قبل إيلون ماسك لتوفير إنترنت فضائي أثناء قطع الشبكة المحلية. في 2025-2026، تم تهريب عشرات آلاف الأجهزة إلى إيران لمساعدة المتظاهرين على التنسيق، كجزء من “الحرب الإلكترونية” لإثارة الفوضى. هذه المرحلة تهدف إلى تحويل الاحتجاجات إلى ثورة، مع دعم من واشنطن و الكيان الصهيوني لـ”تشجيع منظمات المعارضة في المنفى” .
ـ المرحلة الرابعة: التدخل العسكري المحدود أو الاغتيالات
تشمل ضربات مباشرة على المنشآت النووية والقادة، كما حدث في حرب يونيو حزيران 2025 التي استمرت 12 يوما، حيث هاجم الكيان الصهيوني مواقع نووية إيرانية بدعم أمريكي. الهدف هو “تدمير القدرات العسكرية” دون حرب شاملة، لكن مع أمل في انهيار النظام. تقارير تشير إلى أن هذا كان “كسرا للنظام من الداخل” بدلا من الضربة العسكرية الكاملة .
لماذا فشلت الخطة؟
فشلت الاستراتيجية لأسباب هيكلية وتأريخية، كما أكدت دايات معمقة غربية وحتى صهيونية أن “تغيير النظام من الخارج مستحيل في إيران” .
الأسباب الرئيسية:
الصمود الاقتصادي والاجتماعي: العقوبات أدت إلى صعوبات، لكنها لم تؤدِ إلى انهيار، بل عززت الاعتماد الذاتي والاتحاد الداخلي. في 2025، أدت الضربات إلى “تأثير التجمع حول العلم”، مما قوى النظام بدلا من إضعافه .
فشل الحرب النفسية: التهديدات أثارت التحدي بدلا من الخوف، ووصفتها طهران كـ”حلم أمريكي”، مما أدى إلى عزلة واشنطن دوليا .
تعطيل التكنولوجيا: فشل ستارلينك بسبب التشويش الإيراني، الذي قطع 90% من الوصول، مما حد من تنسيق الاحتجاجات .
الخسائر العسكرية: الحرب القصيرة في يونيو حزيران 2025 كشفت ضعف الكيان الصهيوني، مع رد إيراني سريع أدى إلى وقف إطلاق نار، واعتراف أمريكي بفشل محاولتي تغيير سابقة . كما أن الاستراتيجية أدت إلى “تسارع في تراجع الإمبراطورية الأمريكية” بدلا من النصر .
كيف واجهت إيران الخطة؟
واجهت إيران الاستراتيجية بمزيج من الإجراءات الأمنية، التكنولوجية، والدبلوماسية، كما وقامت بـ:
الاحتواء الأمني: في المراحل الأولى، اتبعت سياسة “ضبط النفس” لتجنب الاشتباك، ثم حملات اعتقال واسعة لتفكيك الخلايا المرتبطة بالموساد .
التعامل مع التكنولوجيا: قطع الإنترنت المحلي وقطع ستارلينك عبر أجهزة تشويش عسكرية محلية الصنع ، مما أنهى الاعتماد على الإنترنت الفضائي .
الرد العسكري: رد سريع على الضربات الإسرائيلية بصواريخ، مما أجبر على وقف النار، وتعزيز القدرات النووية دون تجاوز خطوط حمراء .
الدبلوماسية: تعزيز التحالفات مع روسيا والصين، ورفض المفاوضات تحت الضغط، مع تصريحات تندد بالـ”مخططات الأمريكية-الإسرائيلية” .
في النهاية، أدت الخطة إلى تعزيز صمود إيران، مع تكشف عن حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية.
وبات واضحا، للعيان أن هذه الخطة لم تُسقط النظام، فهي أسقطت أوهام صانعيها. و ما جرى لم يكن مجرد إفشال لمؤامرة، بل إعادة تعريف لمعادلة الصراع في المنطقة:
إيران لم تعد في موقع الدفاع، بل أصبحت لاعبا يفرض قواعده، ويُحبط المشاريع قبل اكتمالها، ويحوّل الضغط إلى فرصة.
غير أن الانتصار الحقيقي لا يُقاس فقط بإفشال المخطط، بل بقطع الطريق على نسخه القادمة. وهذا يتطلب من إيران أن:
-تعزز مناعة الداخل اقتصاديا واجتماعيا قبل أي مواجهة خارجية.
-تستثمر أكثر في الوعي الشعبي، لأن المعركة القادمة ستكون على العقول قبل الحدود.
-تُبقي يدها على الزناد، وعينها على الداخل، وعقلها مفتوحا على التحالفات الجديدة.
-تتحرك استباقيا لا ردّا فقط، فزمن الانتظار انتهى، وزمن المبادرة قد بدأ.
الخلاصة واضحة:
من حاول كسر إيران كُسر.
ومن راهن على سقوطها سقط رهانه.
ومن يخطط اليوم لإعادة التجربة… سيواجه إيران أقوى، أذكى، وأكثر استعدادا.فهذه ليست نهاية المعركة، لكنها بداية مرحلة جديدة…مرحلة تكتب فيها إيران شروط اللعبة، لا بنود الدفاع.
*صحافي استقصائي مختص في الشؤون الإيرانية والاقليمية