*عماد أحمد
*ترجمة: نرمين عثمان محمد/عن صحيفة كوردستاني نوى
بداية، اود القول بإنني في هذا الزمن، وبعد حين، أكتب لك هذه الرسالة، أنت صاحبة الموقف، والمدافعة الحقيقية عن الحق المشروع للشعب الكردي. أتعرفين؟ لقد هزني اسلوب استشهادك حتى وجدتني مضطرا لأن أعبر بهذه السطور القليلة عبر أدق خيوط قلبي، لتعلمي أن هذا النص القصير مضمخ برائحة امي، ومفعم بحب اختي، ومنسوج بحنان وقلق ابنتي.
وهنا اعترف بحقيقة: لست غزير النتاج في كتابة الرسائل، الا في فترة محددة، كانت في اواخر السبعينيات وبدايات الثمانينيات من القرن الماضي، حين مزقت ستار خجلي، وبدأت اكتب الرسائل الى حبيبتي المجهولة الاسم.
في تلك الأيام التي أتحَدث عنها، كنتُ في معظم الليالي أكتب رسالة عشق، وأرسلها مع تدفق أمواج نهر (ئه لون) إلى النصف الآخر من قلبي. وفي إحدى تلك الرسائل، بقي هذا المقطع عالقا في إحدى زوايا ذاكرتي لتلك السنين:
مشتاق لشفتيك اللامعتين
متيم برائحة أمي
أنتظر رؤية حبيبتي
وأنسى كل شيء
عندما أراك!
يا لها من فرحة وألم، تلك الأبيات التي واكبت أيامي… وخلّدت روح الحب في عمري!
رسالتي إليكِ يا دنيز ليست من نوع الرسائل الأولى لماكار ديفوشكين إلى فارفارا دوبروسيلوفيا، والتي دونت في أول رواية لدوستويفسكي الشهيرة باسم (الفقراء) الصادرة عام 1886 في بطرسبورغ. رسالتي هذه لن تُجاب عليها، لأنني كتبتها إلى روح ملائكية، وأنا أعلم أن الأرواح لا ترد على الرسائل.
دنيز العزيزة، لوحتكِ في رسالتي، وللأسف الشديد، كلها رماد وإصفرار، كآخر لوحات فان كوخ الهولندي، وليست زاهية بالألوان كما في لوحات الفنان آزاد شوقي، ابن السليمانية.
في الثورة الجديدة، كانت رسائل الراحل مام جلال الكثيرة جدا إلى مختلف الأطراف والمستويات، والميادين، أداة قوية لتنمية الثورة وتطويرها. وكذلك رسائل السيدملازم عمر، الذي عُرف في خضم الثورة برسائله الجميلة والمؤثرة، وإن كان للأسف منهك القوى اليوم، إلا أن أثر كلماته ما زال حاضرا، يربط بين الحنين والإلهام، بين الماضي والحاضر.
دعوني أعود إلى جوهر قصدي، وأبدأُ رسالتي الفريدَةُ إليكِ يا دنيز هكذا:
بعد السلام والاحترام…
يا ابنتي الغالية ، كنتِ أرقَ من الزهورِ، وأغدَقَ من المطرِ، لكن الأعداء أرغموكِ أن تحملي على كتفيكِ سلاح القنص بدل شال الحرير، وبدل الإصغاء إلى سيمفونيات بيتهوفن وموزارت، امتلأت أذناكِ بأصوات الدبابات والهاونات والأسلحة الثقيلة.
يا إبنَتي العزيزة، بعد استشهادكِ ظنّوا بأنهم بإلقائكِ من عِلوِ سيُنهونَ القضية العادلة للشعب الكردي،ألقوكِ من طابقٍ عالٍ، لكنكِ سقطتِ في أحضانِ الوطن، واينَعتِ من جَديدِ كشجرةِ أُرجوانٍ أبدية.
يا ابنةَ وطني المتشحِ بالسواد الأَبَدي الغالية ،أنتِ دافعتِ عن بلادكِ حتى آخر نَفَس، بعدها صرتِ نجمة وارتقيتِ إلى طبقات السماءالسَبعة.
حبيبتي دنيز، أنا أعلمُ أن ظلم التاريخ وضريبة الجغرافيا يفرضان علينا صداقات قسرية مع إخوةٍ مفروضين علينا ، وكثيرا ما يتحول مآلهم إلى أعداء ووحوش وطغاة فوق رؤوسنا.
حبيبتي دنيزأتَعلَمينَ أنتِ ورفاقكِ غيّرتم نظام الكون؟ فالشمس اليوم تشرق من عندَكُم ولا تَغرُبُ.، لقد ظلَمنا التاريخ نحن الكرد وما زال يظلمنا، وما زلنا للأسف كلما دَعَمنا سُلطةُ بَطَشَت بِنا كالذئابِ عندَما تَقوى وَيَشتَدُ ذِراع ُ بَطشِها ،فَفي الأنفالِ دفن نظام البعث الدكتاتوري الطِفلَةُ (سەرگوڵ) ذاتَ السنواتِ الأربَعَةِ في صحراء (نقرة السلمان )مع زُجاجَةِ حَليبِها ،واليوم في العراق الجديد، الأطفال بلا حليب، وزجاجاتُهُم فارِغَة منَ الحليب ، ويَنوونَ إِماتَتَهُم جوعا!
حبيبتي دنيز، لستِ وحيدَة في هذه القافلة، ففي مدينَةِ خانقين أُعدمت ليلى قاسم،وفي إيران قُتلت (ژینا ئەمینی ) ابنة مدينة سَقز الكردية ظلما. و في مدينة دياربكر أضرمت زكية ألكان النار في جسدها لإحياءِ عيدِ نوروز.
يا دنيز المغدورة ؛ أعلم أنكِ كُنتِ غزالة وهم ذئابا، كُنتِ وردة وهم أشواكا، كُنتِ بلسما وهم سموما، كُنتِ أنتِ حياة وهم نار جهنم.
وفي الختام أقول: يا ابنتي، أنتِ شهيدة وأنتِ خالِدَةٌ،. والشهداءُ أقدسُ مقدَساتِ النضال، والظلم أقبح أمراض السلطة.
ألف سلام وتحيَةٍ إلى روحكِ الطاهرة وإلى جميع شهداء طريق الحرية، وليرفرف علم كردستان عاليا أبد الدهر…