×


  المرصد الامریکي

   تاريخ طويل من الخيانة



*سيفا غونيتسكي

لماذا تواصل واشنطن تشجيع الانتفاضات الخارجية ثم تتخلى عنها

 

مجلة"فورين بوليسي"الامريكية/ الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

في 15 شباط 1991، وبينما كانت قنابل التحالف تتساقط على العراق خلال عملية عاصفة الصحراء، خاطب الرئيس الامريكي جورج بوش الاب العراقيين قائلا: هناك طريقة اخرى لوقف اراقة الدماء، وهي ان يتولى الجيش العراقي والشعب العراقي زمام امورهم ويفرضوا على صدام حسين، الديكتاتور، التنحي. كما القت طائرات التحالف منشورات تدعو العراقيين الى ملء الشوارع والازقة واسقاط صدام حسين ومساعديه.

بعد اسابيع قليلة، انتفض الشيعة في جنوب العراق، وثار المقاتلون الكورد في الشمال. وفي ذروة الانتفاضة، خرجت 14 محافظة من اصل 18 عن سيطرة الحكومة. ثم لم يحدث شيء. ادارة بوش لم تقدم اي دعم، بل منعت فعليا نقل الاسلحة العراقية المصادرة الى الثوار، وسمحت لصدام باستخدام الطائرات المروحية لقمع الانتفاضة. وبينما كان العراق ممنوعا من استخدام الطائرات ثابتة الجناح، سمح الجنرال نورمان شوارزكوف باستخدام المروحيات. قُتل ما بين 30 و60 الف شيعي ونحو 20 الف كردي، ونزح اكثر من مليون ونصف المليون كردي، وتوفي الالاف بسبب البرد والامراض والالغام.

دفاع بوش كان لافتا بجرأته. فقد قال بعد اسابيع: هل اعتقد ان على الولايات المتحدة ان تتحمل الذنب لانها اقترحت على الشعب العراقي ان يتولى شؤونه بنفسه، مع ايحاء من البعض بان الولايات المتحدة ستدعمه عسكريا؟ هذا غير صحيح. لم نلمح الى ذلك ابدا.

كان هذا كذبا وفق اي قراءة منطقية. لكنه، كما توحي تصرفات الرئيس الامريكي دونالد ترامب حتى الان، جزء من نمط طويل الامد.

 

امثلة في الخيانة

تبلور هذا النموذج قبل عقود. ففي تشرين الاول 1956 خرج المجريون الى شوارع بودابست مطالبين بانهاء الهيمنة السوفيتية. اعقبت ذلك اسابيع ملهمة من المقاومة، لكنها رافقها سوء تقدير كارثي للنوايا الامريكية.

كانت اذاعة اوروبا الحرة تبث الى هنغاريا منذ سنوات. ورغم الجدل بين الباحثين حول ما اذا كانت الاذاعة قد وعدت صراحة بدعم عسكري غربي، فان النبرة العاطفية لبثها خلال الانتفاضة لم تترك مجالا كبيرا للشك. فقد اظهر استطلاع للاجئين المجريين لاحقا ان قرابة 40 بالمئة اعتقدوا ان البث الغربي اعطى انطباعا بان الولايات المتحدة ستقاتل لانقاذ هنغاريا. بل بثت الاذاعة تعليمات لصنع قنابل المولوتوف. وخلصت دراسة لمركز ويلسون الى ان البث الغربي شجع المجريين على الاعتقاد بان الولايات المتحدة لن تسمح بسحق الثورة.

سمح الاتحاد السوفيتي للثوار بالاعتقاد بانهم انتصروا، ثم ارسل الدبابات. وعندما انقشع الغبار، كان 2500 مجري قد قتلوا، و700 جندي سوفيتي لقوا حتفهم، وفر 200 الف مجري من البلاد. الرئيس الامريكي دوايت ايزنهاور، المنشغل بازمة السويس وغير الراغب في المخاطرة بمواجهة نووية، لم يفعل شيئا. وقال لاحقا ان الولايات المتحدة لا تدعو الان ولا في اي وقت مضى الى تمرد مفتوح من قبل شعب غير محمي ضد قوة لا يمكنه الانتصار عليها.

بعد اقل من عقدين، كان هنري كيسنجر مهندس خيانة اخرى. ففي عام 1972، وبطلب من شاه ايران، نظم كيسنجر والرئيس ريتشارد نيكسون عملية سرية لتسليح وتشجيع كورد العراق على التمرد ضد نظام البعث. وعلى مدى ثلاث سنوات، حولت الولايات المتحدة 16 مليون دولار كمساعدات عسكرية. كان ذلك كافيا لاستمرار التمرد، لكنه لم يكن كافيا لتحقيق النصر. وكما اكتشفت لجنة بايك لاحقا، فان الرئيس وكيسنجر ورئيس الدولة الاجنبية كانوا يفضلون الا ينتصر حلفاؤهم، بل ان تستمر اعمال العنف بالقدر الذي يستنزف موارد الدولة المجاورة.

لم يكن الكورد على علم بهذه الحسابات الباردة. فقد وثق الزعيم الكردي مصطفى بارزاني بالامريكيين ثقة مطلقة، وارسل الى كيسنجر ثلاث سجاد ثم قلادة ذهبية هدية زفاف. وعندما قطع الشاه الدعم فجاة عام 1975 بعد اتفاقه مع بغداد، فوجئ الكورد. وكتب بارزاني الى كيسنجر قائلا اننا نشعر بان للولايات المتحدة مسؤولية اخلاقية وسياسية تجاه شعبنا. لم يات الرد ابدا. قُتل الالاف من الكورد، وتحول 200 الف الى لاجئين.

وعندما واجهت لجنة الاستخبارات في مجلس النواب كيسنجر بهذه الخيانة، قال عبارته الشهيرة: لا ينبغي الخلط بين العمل السري والعمل التبشيري. وخلص محققو الكونغرس الى ان ما جرى كان مشروعا انتهازيا حتى بمعايير العمليات السرية.

هذا النمط تكرر بوتيرة مقلقة. ففي سوريا، قدم الرئيس باراك اوباما دعما محدودا للمعارضة يكفي لاطالة امد الحرب دون حسم، قبل ان يتراجع عن خطه الاحمر المتعلق بالاسلحة الكيميائية عام 2013.

 وفي تشرين الاول 2019، سحب ترامب القوات الامريكية فجاة من شمال شرق سوريا بعد مكالمة مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، مانحا الضوء الاخضر لهجوم تركي على القوات الكردية التي كانت الحليف البري الرئيسي لواشنطن ضد تنظيم داعش. الكورد، الذين خسروا اكثر من 11 الف مقاتل في الحرب ضد التنظيم، تركوا ليواجهوا القصف التركي. ومع انسحاب القوافل الامريكية، رشقهم المدنيون الكورد بالخضار الفاسدة. وكتب على احدى اللافتات: ترامب خاننا.

 

لماذا يتكرر هذا النمط

التفسير المتفائل هو انها اخطاء فردية متراكمة. لكن ثبات هذا النمط عبر العقود والادارات يشير الى خلل بنيوي. السياسة الخارجية الامريكية تسير على مسارين نادرا ما يلتقيان. مسار خطابي يركز على الحرية وتقرير المصير، يخدم اهدافا داخلية ويعكس قناعات ايديولوجية. ومسار استراتيجي يقوم على المصالح وحسابات المخاطر وحدود القوة. الرؤساء يتحدثون وفق المسار الاول ويتصرفون وفق الثاني. ومن ياخذ الخطاب الامريكي على محمل الجد، يقع في الفجوة بينهما.

تشجيع التمرد في دول معادية رخيص الكلفة، لكنه يصبح مكلفا عندما يتعلق بالدعم الحقيقي. والنتيجة قادة يطلقون الوعود الكبيرة ويتراجعون عند اللحظة الحاسمة. بل ان هناك تفسيرا اكثر تشاؤما مفاده ان الانتفاضات التي تسحق تخدم المصالح الامريكية عبر استنزاف الخصوم ونزع شرعيتهم وخلق الشهداء.

وهنا نصل الى ايران. فمع اتساع رقعة الاحتجاجات، تبنى ترامب خطابا تصعيديا، معلنا ان الولايات المتحدة ستنقذ المتظاهرين اذا قتلهم النظام، وداعيا الايرانيين الى مواصلة الاحتجاج والسيطرة على مؤسساتهم. لكن المحللين يرون ان اي تحرك عسكري محتمل سيركز على المنشآت النووية لا على دعم المحتجين فعليا.

خطر نهج ترامب لا يكمن فقط في دمج الخطاب بالاستراتيجية، بل في احتمال غياب الاستراتيجية اصلا. فخيانته، ان وقعت، قد تكون نتيجة نزوة او حسابات عابرة، لا قرارا مدروسا. وبالنسبة للضحايا، النتيجة واحدة، لكن الالية مختلفة.

هذا لا يعني ان على الولايات المتحدة الامتناع عن دعم من يقاومون الاستبداد، لكنه يعني ضرورة الصراحة بشأن الفجوة بين الخطاب والفعل. وعلى من يسمعون الوعود الامريكية ان يكونوا شديدي الحذر. فقد تعلم الكورد هذا الدرس مرارا خلال قرن كامل.

اعتراف كولن باول لاحقا بان خطاب بوش شجع الثوار، كشف الهدف الحقيقي حينها، وهو ابقاء بغداد قوية بما يكفي لتشكيل تهديد لايران. وكما يظهر هذا الاعتراف، لم تكن حريات من وثقوا بالوعود الامريكية هي المقصودة، بل كانت جزءا من استراتيجية انتهازية.

الشعب الايراني الذي يستمع اليوم الى ترامب، سمع مثل هذه الوعود من قبل. وما اذا كان ترامب قطيعة حقيقية مع هذا النمط ام نسخته الاكثر فوضوية، يبقى امرا لم يحسم بعد.

* كرسي جورج إغناتيف لدراسات السلام والنزاع في جامعة تورنتو


22/01/2026