خلال عام واحد فقط، أحدث الرئيس الامريكي دونالد ترامب اهتزازا واسعا في بنية النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، عبر سياسات خارجية اتسمت بالتفرد، والتصعيد، وكسر القواعد التي كانت واشنطن نفسها من أبرز صانعيها، حسب تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، الثلاثاء.
وتحولت الدبلوماسية الامريكية في عهده إلى ممارسة شديدة التخصيص، حيث باتت العلاقات الدولية تُدار من البيت الأبيض مباشرة، في ظل تهميش وزارة الخارجية وإفراغ مجلس الأمن القومي من دوره التقليدي، مع إسناد ملفات حساسة إلى شخصيات مقربة من الرئيس تفتقر إلى الخبرة الدبلوماسية.
الاستعراض السياسي
فرض ترامب حضوره على الساحة الدولية بأسلوب استعراضي، جعل من القمم واللقاءات الدولية مشاهد شخصية تُدار وفق مزاجه وتقلباته. وأصبح المكتب البيضاوي مركز هذه الدبلوماسية الجديدة، حيث يُكافئ الحلفاء بالود، ويُحرج من لا ينسجم مع قواعده في العلن.
وباتت المجاملات والهدايا جزءا من بروتوكول غير رسمي للتعامل معه، دون أن يضمن ذلك مكاسب سياسية ملموسة. أما الشركاء الأوروبيون، فلم يتمكنوا في أفضل الأحوال إلا من تأجيل الأزمات.
سلام معلق وحروب سريعة
قدم ترامب نفسه بوصفه «رئيس السلام»، متباهيا بسلسلة اتفاقات وتسويات قال إنه رعاها حول العالم، غير أن كثيرا من هذه التفاهمات بقي هشا أو أقرب إلى وقف إطلاق نار مؤقت، دون معالجة جذرية للنزاعات.
في الوقت نفسه، لم يتردد في استخدام القوة العسكرية بشكل متكرر، مفضلا عمليات سريعة ومحدودة، لا سيما عبر الضربات الجوية. وشملت هذه العمليات اليمن وسوريا ونيجيريا، وصولا إلى قصف منشآت نووية إيرانية، وهي خطوة لم يجرؤ عليها أي من أسلافه.
من الوساطة إلى الإمبريالية
مع مرور الوقت، تراجعت لغة الوساطة لتحل محلها نزعة توسعية صريحة، لا تُخفي طموحاتها في السيطرة على الموارد والمناطق ذات الأهمية الاستراتيجية. وأبرز مثال على ذلك سعيه لفرض نفوذ امريكي مباشر على فنزويلا، وكذلك مطالبته بالسيطرة على غرينلاند، في تحد صريح لمبدأ سيادة الدول.
هذه السياسات وجهت ضربة قوية للعلاقات عبر الأطلسي، وهددت تماسك حلف شمال الأطلسي (ناتو)، كما وضعت الولايات المتحدة في موقع مشابه لروسيا والصين من حيث التعامل مع النظام الدولي بمنطق القوة لا القانون، وفق «لوفيغارو».
نظام دولي جديد على مقاس ترامب
في خطوة غير مسبوقة، دعم ترامب إنشاء كيان دولي بديل عن الأمم المتحدة، تحت مسمى «مجلس السلام»، يتولى بنفسه الإشراف عليه وتمويله وإدارته، فيما يشكل تحديا مباشرا لمنظومة الشرعية الدولية التي قامت عام 1945.
في المقابل، أبدى تساهلا لافتا مع الصين وروسيا، مكتفيا بسياسات تهدئة مع بكين، وتطبيع تدريجي مع موسكو، ما سمح للأخيرة بمواصلة حربها في أوكرانيا وسط تراجع الضغط الامريكي.
تقويض ما سبق
تُظهر هذه التحولات أن السياسة الخارجية الامريكية لم تعد قائمة على رؤية طويلة المدى، بل باتت تُدار وفق اندفاعات شخصية، غير مقيدة باتفاقيات أو أعراف دولية. ويبدو أن الهدف غير المعلن هو تقويض كل ما بناه الرؤساء السابقون، بما في ذلك النظام الذي مكن الولايات المتحدة من الاضطلاع بدورها العالمي لعقود.