*جورج فريدمان
*جيوبولتيكال فيوتشرز
أعاد الرئيس الامريكي دونالد ترامب إشعال جدل دولي واسع عندما طالب الدنمارك بتسليم غرينلاند إلى الولايات المتحدة. وبينما انشغل كثيرون بالبعد الاقتصادي لهذا الطلب، يرى الخبير والمحلل الجيوسياسي جورج فريدمان أن جوهر المسألة أعمق بكثير، ويتعلق بموقع غرينلاند في قلب معادلة الأمن العالمي، وبخاصة في عصر عودة التنافس بين القوى الكبرى.
غرينلاند أكثر من جزيرة ثرية
قال الكاتب في مقاله بموقع "جيوبولتيكال فيوتشرز" البحثي الأمريكي، إن غرينلاند تمتلك بالفعل ثروات طبيعية مهمة، من بينها معادن نادرة تدخل في الصناعات التكنولوجية والعسكرية، لكن هذا العامل، رغم أهميته، ليس هو السبب الحاسم في الاهتمام الامريكي بها.
وأضاف فريدمان أن القيمة الحقيقية لغرينلاند تكمن في موقعها الاستراتيجي والعسكري، وهو بُعد كثيرا ما يتم تجاهله في النقاشات العامة.
وأوضح الكاتب أن الجغرافيا السياسية لا تقاس بما تحت الأرض فقط، بل بما يتيحه الموقع من قدرة على التحكم في طرق الملاحة والاتصال بين القارات، وهو ما يجعل غرينلاند إحدى أهم النقاط المفصلية في شمال الأطلسي.
إرث الحرب الباردة
وتابع الكاتب أن غرينلاند كانت خلال الحرب الباردة جزءا أساسيا من استراتيجية حلف شمال الأطلسي في مواجهة الاتحاد السوفييتي. فقد بنى الناتو خطته الدفاعية على منع أي تقدم سوفييتي نحو غرب أوروبا، مع الإبقاء على الموانئ الألمانية والفرنسية مفتوحة لتلقي التعزيزات الامريكية.
وأضاف فريدمان أن نجاح هذه الاستراتيجية كان مرهونا بالحفاظ على خطوط الإمداد عبر المحيط الأطلسي، ما جعل من الضروري منع الغواصات السوفييتية من الوصول إلى هذه المياه. وهنا برزت ما يُعرف بفجوة "جي آي يو كيه"، أي الممر البحري بين غرينلاند وآيسلندا وبريطانيا، بوصفه الطريق الوحيد تقريبا أمام الغواصات السوفييتية لعبور الأطلسي.
وأوضح الكاتب أن سد هذه الفجوة كان شرطا أساسيا لهزيمة أي غزو سوفييتي محتمل لأوروبا.
غرينلاند وشبكة الصيد تحت الماء
وأشار فريدمان إلى أن الناتو طور لهذا الغرض نظاما متقدما يُعرف باسم "سورتاس" (SURTASS)، وهو شبكة مجسات بحرية قادرة على رصد الغواصات وتوجيه أسلحة مضادة لها في منطقة فجوة الممر البحري بين غرينلاند وآيسلندا وبريطانيا. وأضاف أن فشل الولايات المتحدة في رصد الغواصات السوفييتية كان سيعرض خطوط الإمداد إلى أوروبا لخطر جسيم.
وتابع الكاتب أن السيناريو السوفييتي المرجح لأي حرب كان يتضمن السيطرة على آيسلندا وغرينلاند، وضرب القواعد البريطانية المضادة للغواصات، لتفكيك البنية اللوجستية الامريكية. ورغم أن الاتحاد السوفييتي لم ينفذ هذا السيناريو، فإن غرينلاند ظلت طوال الحرب الباردة جزءا لا غنى عنه في منظومة الردع الغربي، وا يزال نظام "سورتاس" مستخدما حتى اليوم.
القطب الشمالي: جبهة الحرب القادمة
وأوضح الكاتب أن أهمية غرينلاند لم تتراجع بعد نهاية الحرب الباردة، بل ازدادت مع ظهور تهديدات جديدة. فالقطب الشمالي بات، وفق فريدمان، ممرا محتملا للهجمات الجوية والبحرية من روسيا والصين باتجاه امريكا الشمالية.
وأضاف الكاتب أن موسكو وبكين تطوران أنظمة عابرة للقطب، ما يفرض على واشنطن إنشاء منظومات إنذار ورصد واعتراض في هذه المنطقة. وفي هذا السياق، تصبح غرينلاند قاعدة متقدمة لا غنى عنها لاعتراض أي تهديدات جوية أو بحرية قبل وصولها إلى الأراضي الامريكية.
وأشار الكاتب إلى أن السيطرة على غرينلاند تمنح الولايات المتحدة أداة دفاعية استراتيجية يمكن أيضا حرمان الخصوم المحتملين منها، تماما كما أن تجاهل تهديدات غير مرجحة في الماضي، مثل بيرل هاربور، أدى إلى كوارث كبرى.
ترامب والناتو: ما وراء الطلب
ورأى فريدمان أن ترامب ربما تعمد عدم الإفصاح عن هذه الاعتبارات العسكرية كي لا يبدو مثيرا للذعر، أو لأن أهدافه الحقيقية تتعلق بإعادة صياغة علاقة الولايات المتحدة بحلف الناتو.
وأضاف الكاتب أن الالتزام الامريكي بأمن أوروبا هو حجر الأساس في الحلف، لكن ترامب قد يكون يسعى إلى قلب المعادلة، بحيث يصبح الناتو مسؤولا أيضا عن الدفاع عن الولايات المتحدة في حال تعرضها لهجوم. وهذا، حسب الكاتب، سيكون تصورا صادما للأوروبيين الذين اعتادوا النظر إلى واشنطن بوصفها الضامن النهائي لأمنهم.
وأوضح فريدمان أن مطالبة دولة عضو في الناتو، مثل الدنمارك، بالتخلي عن جزء من أراضيها، لا تعكس فقط تصاعد أهمية القطب الشمالي عسكريا، بل تطرح أيضا تساؤلات عميقة حول طبيعة الناتو ودوره وحدوده الجغرافية، خاصة أن غرينلاند تُعد جزءا من الفضاء الأطلسي الذي يقوم عليه الحلف.
لماذا لا تكفي الموارد؟
وأشار الكاتب إلى أن الولايات المتحدة لو كانت تريد فقط استغلال الموارد الطبيعية في غرينلاند، لكان بإمكانها التفاوض مع الدنمارك على التعدين والاستثمار. لكن المطالبة بضم الإقليم نفسه توحي، حسب فريدمان، بأن الاعتبارات الاستراتيجية هي الدافع الحقيقي، حتى وإن بقيت بعض جوانبها غير معلنة.
ومع ذلك، أوضح فريدمان أنه من الصعب تصور بقاء أي منظومات دفاعية امريكية في غرينلاند طي الكتمان، نظرا لطبيعتها التقنية والعسكرية المكشوفة.
جزيرة صغيرة ووزن استراتيجي هائل
خلص جورج فريدمان إلى أنه رغم فهمه الكامل للأهمية الجيوسياسية لغرينلاند، فإنه لا يرى سببا حتميا يمنع بقاءها تحت السيادة الدنماركية، طالما أن الدنمارك عضو في حلف الناتو، وطالما يمكن للولايات المتحدة استخدام الجزيرة قاعدة عسكرية كما هو الحال بالفعل اليوم.
غير أن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، فق الكاتب، هي أن غرينلاند لم تعد مجرد جزيرة نائية في شمال الأطلسي، بل أصبحت إحدى المفاتيح الكبرى في معادلة الأمن العالمي وصراع القوى العظمى في القرن الحادي والعشرين.