×


  کل الاخبار

  الموضوع السوري الكوردي قضية وطنية عامة



*عبد الباسط سيدا

 

 

يذكر ما حصل (ويحصل) بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بمآلات الأمور بين الحكومة التركية وحزب العمال الكوردستاني، في نهاية العملية السلمية التي انطلقت بين الطرفَين في أواخر عام 2012، وتوقفت إثر اندلاع اشتباكات بينهما في أواخر عام 2015. فرغم التفاؤل في ذلك الحين بقرب التوصل إلى حل مستدامٍ للقضية الكوردية في تركيا، تفجرت الصراعات عنيفة في أماكن مختلفة، خصوصا في شرناق ونصيبين وديار بكر، وتوقفت العملية المعنية على مدى عقد تقريبا، ليعود الحديث عنها، بأسماء مختلفة، بعد مبادرة رئيس الحركة القومية التركية، دولت بهجلي، وتجاوب رئيس حزب العمال، عبدالله أوجلان، معها. فبعد الاتفاق الذي وُقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي، برعاية امريكية في 10 مارس/ آذار الماضي (2025)، استبشر السوريون، بمختلف انتماءاتهم المجتمعية وتوجهاتهم السياسية، خيرا، وتوقعوا أن يكون هذا الاتفاق بداية واعدة لإعادة جسور التواصل بين سائر المكونات السورية، وهي الجسور التي كانت سلطة الأسد تحرص على تفجيرها، وتعمل على منع (بل قمع) أي محاولة لترميمها أو إعادة بنائها. وما أضفى أهمية خاصة على الاتفاق المعني أنه حصل في أجواء أحداث الساحل المؤسفة، والخشية من استمرارية تلك الأحداث وانتقالها إلى مناطق سورية أخرى. فقد كان ذلك الاتفاق تهدئة للأوضاع والنفوس، وخطوة واعدة منحت السوريين الأمل بإمكانية معالجة قضاياهم بالحوار والتفاهم والحلول السلمية البناءة.

ورغم ضبابية بنود الاتفاق، وإمكانية تفسيرها بطرائق مختلفة تتواءم مع رغبات كل طرفٍ وتصوراته ونياته، كان الاعتقاد السائد بين السوريين أن الطرف الراعي (الولايات المتحدة) سيستمر في دفع التفاهمات نحو خواتيمها المرجوة عبر التطبيق المقبول للاتفاق؛ الأمر الذي كان (وما زالت هذه الإمكانية قائمة إذا تمكن الطرفان من ضبط النفس واللجوء إلى الحكمة والحوار) من شأنه قطع الطريق أمام محاولات التصعيد والتهويل والتجييش كلها، الرامية إلى تفجير الأوضاع خدمة لمشاريع لا تتقاطع مع مصالح السوريين وتطلعاتهم.

وجاءت أحداث حي الشيخ مقصود والأشرفية المؤسفة في حلب لتؤكد مشروعية هذه الهواجس، وصحة توقعات أصحابها. وتوقفت عملية الحوار بين الحكومة و"قسد"، وهي العملية التي كانت (وما زالت) المخرج الأمثل لتجاوز حالات الاستعصاء وانسداد الآفاق. ومن شأن العودة إلى هذه العملية وتطويرها، من خلال إشراك القوى الكوردية السورية من المجلس الوطني الكوردي، والأحزاب والقوى السياسية الأخرى، أن تعطي الأمل بإمكانية اعتمادها في مقاربة الأوضاع في الساحل والسويداء، وتعزيز أسس الأمان والاستقرار في سائر الربوع السورية.

وبناء على التجارب السابقة والمعطيات المعروفة، يبدو أن هناك قوى متضررة من المآلات الإيجابية التي كان ينتظرها السوريون، والسبب تعارض ذلك مع خططها وحساباتها الخاصة بالمنطقة. وبالنسبة إلى الموقف الامريكي من تقدم القوات الحكومية ضمن مناطق شمال شرقي سورية مقابل انسحابات واضحة من "قسد"، فهو يثير تساؤلات عديدة تتمحور في معظمها حول وجود تفاهمات إقليمية – محلية بشأن ما يجري، وما ستسفر عنه الأمور في الأيام المقبلة.

مهما حصل، وبغض النظر عن التطورات الميدانية السريعة المتلاحقة، يبقى السوريون من جميع المكونات محكومين بالعيش المشترك بموجب وقائع التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا والمصالح المشتركة؛ وهذا ينسجم مع ما تؤكده المواقف الإقليمية والدولية المُعلَنة حتى اللحظة على الأقل. لكنهم (السوريون) يحتاجون إلى جملة خطوات لتحسين شروط هذا التعايش، ليصبح بيئة تفاعلية بناءة جاذبة أساسها الثقة المتبادلة واحترام الآخر المختلف في أجواء آمنة مستقرة تطمئن الجميع من دون أي استثناء، فالأمن والاستقرار على المستويَين الجمعي والفردي هما أساس كل نهضة مستدامة، والشرط الذي لا استغناء عنه لكل عملية تنموية حقيقية تضمن شروط العيش الكريم للجميع.

لدى السوريين مخاوف مشروعة نتيجة تراكمات الماضي وتجاربه، ونتيجة الحوادث المؤسفة التي كانت في عدة مناطق سورية، والخشية من تكرارها في المناطق عينها أو غيرها. ومن دون تفهم هذه المخاوف ومعالجة أسبابها ستظل كل الوعود العامة والمجاملات الإنشائية مجرد تطمينات آنية، تتآكل مصداقيتها مع الوقت، ما لم تُدعَم بخطوات عملية.

ولتبديد مخاوف السوريين وهواجسهم، لا بد من عقود مكتوبة تلتزم بها السلطة ومؤسسات الدولة؛ عقود تطمئن الجميع من سائر الانتماءات والتوجهات وفي جميع الجهات، وتكون حصيلة التوافق الوطني عبر حوارات يشارك فيها ممثلو سائر المكونات والتوجهات السياسية بعقل وقلب مفتوحين، يسعى الجميع من خلالها إلى مد الجسور وتذليل العقبات. وفي موازاة هذه الخطوة المحورية، لا بد أن تكون هناك خطوة أخرى لا تقل عنها أهمية، وتتمثل في جملة القوانين والإجراءات والممارسات التي تعزز الثقة، وتؤكد أن ما يُعلن ويُقال يعبر عن توجه أكيد ثابت (من سيعمل ماذا ومتى؟)، وليس مجرد وعود مجاملاتية غير ملزمة؛ وعود غير مدعومة بآليات واضحة تساعد في الالتزام بما يُعلن (تحديد المعنيين بالتنفيذ، ووضع قواعد واضحة لإجراءات مساءلة ومحاسبة المقصرين).

وضمن هذا السياق، يُعد المرسوم الرئاسي 13 لعام 2026، الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع خطوة مهمة واعدة يمكن البناء عليها لتكون أرضية لتقديم رؤية متكاملة بشأن حل واقعي مستدام يطمئن مختلف الأطراف المعنية بالموضوع السوري الكوردي، يُتوصل إليها من خلال الحوارات المعمقة بين القوى السياسية والفعاليات المجتمعية الكوردية والسورية، لتصبح هذه الرؤية (بعد تعديلها بناء على التوافقات والمقترحات) رؤية وطنية شاملة تكون جزءا من العقد الاجتماعي الذي من المفترض أن يكون ركيزة لصياغة الدستور المنتظر. وهو الدستور الذي لا بد أن يطمئن سائر المكونات المجتمعية السورية، ويؤسس لسلام مجتمعي لا يمكن لأي شكل من أشكال الاستقرار أن يجد طريقه إلى التحقق من دونه.

ومن الضروري في هذا المجال تجاوز عقلية اختزال الكورد في "قسد"؛ فالموضوع الكوردي في سورية أكبر وأقدم من "قسد" وحزب العمال الكوردستاني، وهو موضوع سوري وطني بامتياز، لا بد أن يُعالج ضمن الحوارات والتوافقات السورية – السورية، بعيدا من الأجندات والحسابات العابرة للحدود. ويوجب هذا الأمر اعتماد الخطاب الوطني الجامع الذي يحرص على سلامة النسيج المجتمعي الوطني السوري ووحدته، واتخاذ الإجراءات التي تطمئن سائر السوريين عبر إبعاد شبح نزعات الانتقام والاستقطابات المذهبية والقومية وغيرها.

تعب السوريون كثيرا، وضحوا بما لا يُوصف من أجل القطع النهائي مع الاستبداد والفساد، ومن حقهم اليوم أن يستمتعوا بحريتهم، وأن يكونوا على ثقة تامة بأن حريتهم حقيقةٌ واقعةٌ محميةٌ دستوريا، وكرامتهم مصانة، ومستقبل أجيالهم المقبلة مضمونٌ مشرق.

وبقي أن نقول إن المرحلة التي نمر فيها على غاية التعقيد في مختلف المستويات: الوطنية والإقليمية والدولية. والأمور في مختلف المستويات متداخلة ومتفاعلة يؤثر بعضها في بعضها الآخر. لذلك، هناك ضرورة ماسة للتوافق على بناء آلية وطنية لإدارة الخلافات ومعالجتها بالطرق السلمية عبر حوارات مفتوحة، وتفاهمات توافقية، سقفها الالتزام بالمصالح السورية المشتركة ضمن إطار وحدة الشعب والوطن.


22/01/2026