*موسى اوزوغورلو
تفكك المشروع الامريكي–الكوردي كان حصيلة قرار سياسي إقليمي–دولي
*عن موقع The Cradle
على مدى ما يقارب 15 عاما، رفرفت الأعلام الامريكية فوق أراضٍ سورية بهامش شبه كامل من الحصانة، من البلدات الكوردية إلى مواقع النفط الغنية. في شمال شرق البلاد، كانت «قوات سوريا الديمقراطية» ذات الغالبية الكوردية تدير الحواجز، وتتحرك القوافل الامريكية بحرية، بينما حكمت المجالس المحلية وكأن هذا الواقع دائم.
لم يكن الاحتلال رسميا، لكنه لم يكن بحاجة إلى ذلك. فطالما بقيت واشنطن، كانت «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا» كيانا يشبه الدولة في كل شيء عدا الاسم.
لكن في الأسبوع الأول من كانون الثاني/يناير، انهار هذا الوهم. ما بدا شراكة عسكرية جرى تفكيكه بهدوء في غرفة مغلقة بباريس، من دون مشاركة كردية، ومن دون إنذار، ومن دون مقاومة. وخلال أيام، فقدت أكثر وكلاء واشنطن ولاء في سوريا مظلتها.
انهيار بدا مفاجئا من الخارج فقط
منذ أواخر العام الماضي، تغير المشهد السياسي والعسكري في سوريا بوتيرة متسارعة. انتهى حكم بشار الأسد، وبعده بقليل سارت «قوات سوريا الديمقراطية» — التي لطالما صُورت على أنها القوة الأكثر انضباطا وتنظيما في البلاد — في المسار ذاته.
بالنسبة للمراقبين من الخارج، بدا انهيار «قسد» مفاجئا وصادما. أما بالنسبة لكثير من السوريين، وخصوصا الكورد السوريين، فقد تبخرت خلال أيام نفسية النصر التي سادت على مدى 14 عاما. وحل مكانها ارتباك وخوف وإدراك متزايد بأن الضمانات التي بُني عليها هذا الواقع لم تكن ضمانات حقيقية.
تقدمت «هيئة تحرير الشام» بزخم غير متوقع، محققة مكاسب لم يتنبأ بها كثير من المحللين. لكن القصة الأهم لم تكن في تقدمها، بل في غياب المقاومة من قوى قيل لها حتى وقت قريب إنها لا غنى عنها.
السؤال إذا ليس كيف حدث هذا بسرعة، بل لماذا كانت الأرض ممهدة سلفا.
وهم المواقع الثابتة
لفهم ما جرى، لا بد من العودة إلى الافتراضات التي دخل بها كل طرف هذه المرحلة من الحرب.
نشأت «قوات سوريا الديمقراطية» في أعقاب التدخل الامريكي ضد دمشق. ولم يكن المقصود أن تكون تشكيلا كرديا صرفا. منذ البداية، أدركت قيادتها أن الحصرية العرقية ستقوض مكانتها الدولية، فجرى إشراك عشائر عربية ومكونات غير كردية لإظهارها كقوة متعددة الأعراق وتمثيلية.
مفارقة أن هذه المكونات العشائرية نفسها تحولت لاحقا إلى أحد خطوط الصدع التي سرعت تفكك «قسد».
عسكريا، استفادت القوات من ظروف الحرب. ففي الوقت الذي كان فيه الجيش العربي السوري يقاتل على جبهات متعددة ويعيد نشر قواته نحو معارك استراتيجية، لا سيما حول حلب، توسعت «قسد» بأقل قدر من المقاومة. لم تُكتسب الأراضي عبر المواجهة بقدر ما جاءت نتيجة الفراغ.
قرار واشنطن الدخول إلى سوريا تحت شعار مواجهة الأسد ولاحقا «داعش» منح «قسد» أهم أصولها: الشرعية الدولية. وتحت المظلة الامريكية، ترجم الحراك الكوردي عقودا من الخبرة السياسية الإقليمية إلى إدارة ذاتية أمر واقع. بدا وكأن التاريخ ينحني لصالحهم.
الخط الأحمر التركي لم يتغير
من وجهة نظر أنقرة، كانت سوريا تدور دائما حول هدفين. الأول إسقاط الأسد، وهو هدف كانت تركيا مستعدة للتعاون من أجله مع أطراف متعددة، بما في ذلك قوى كردية. فُتحت قنوات وتبادلت رسائل، وبدا في بعض اللحظات أن إمكانية التفاهم قائمة.
لكن القيادة الكوردية اتخذت خيارا استراتيجيا. وباعتقادها أن تحالفها مع الولايات المتحدة يمنحها قوة تفاوضية، أغلقت الباب وأصرت على المضي بأجندتها الخاصة.
أما الهدف التركي الثاني فلم يتبدل: منع قيام أي كيان سياسي كردي في سوريا. فوجود كيان كردي معترف به على الحدود يهدد بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، ويغذي الطموحات الكوردية داخل تركيا نفسها.
هذا القلق هو ما دفع في النهاية إلى تقاطع مصالح أنقرة مع أطراف كانت تعارضها سابقا.
أولويات واشنطن لم تكن غامضة
لم تُخفِ الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها في غرب آسيا. الحفاظ على موطئ قدم استراتيجي كان مهما، لكن أمن إسرائيل ظل في الصدارة.
عملية «طوفان الأقصى» منحت واشنطن وتل أبيب فرصة نادرة. ومع اندلاع حرب غزة وتعرض محور المقاومة لضغوط متواصلة، حصلت الولايات المتحدة على شريك جديد وأكثر مرونة في سوريا إلى جانب الكورد: قائد «هيئة تحرير الشام» أحمد الشرع، المعروف سابقا بأبي محمد الجولاني.
سجل الشرع استوفى كل الشروط. مواقفه من إسرائيل وفلسطين لا تشكل تحديا. خلفيته الطائفية طمأنت عواصم إقليمية. رؤيته السياسية وعدت بالاستقرار من دون مقاومة. حيث ولدت عائلة الأسد خمسة عقود من الاحتكاك، قدم الشرع قابلية للتنبؤ. بالنسبة لواشنطن وتل أبيب، كان حلا أنظف.
تصميم سوريا بلا مقاومة
مع تثبيت الشرع، وجدت إسرائيل نفسها تتحرك داخل الأراضي السورية بسهولة غير مسبوقة. تكثفت الضربات الجوية، وأهداف كانت تنذر سابقا بالتصعيد باتت تمر من دون رد. جنود إسرائيليون تزلجوا على جبل الشيخ ونشروا صورا من مواقع لم تكن متاحة لعقود.
للمرة الأولى في التاريخ الحديث، لم تشكل دمشق أي إزعاج استراتيجي.
الأهم أن سوريا في ظل الشرع باتت مفتوحة بالكامل أمام رأس المال العالمي. خفت سرديات العقوبات، وبدأت أطر إعادة الإعمار بالظهور. دخل الاقتصاد السياسي للحرب مرحلة جديدة.
في هذه المعادلة، كانت سوريا من دون «قسد» مناسبة لكل من يهمهم الأمر. لتركيا، إنهاء المسألة الكوردية. لإسرائيل، حدود شمالية خالية من المقاومة. ولواشنطن، دولة سورية معاد تصميمها بما يتماشى مع هندستها الإقليمية. الاسم الذي تقاطعوا عليه كان واحدا.
باريس: حيث جرى تثبيت القرار
في السادس من كانون الثاني/يناير، عقدت وفود سورية وإسرائيلية اجتماعا في باريس بوساطة امريكية، في أول لقاء من نوعه في تاريخ العلاقات الثنائية. علنا، جرى تسويق الاجتماع حول قضايا مألوفة: الانسحاب الإسرائيلي، أمن الحدود، مناطق منزوعة السلاح. لكن هذه العناوين كانت شكلية.
البيان المشترك تحدث عن ترتيبات دائمة، وتبادل استخباري، وآليات تنسيق مستمرة.
غير أن هذه النقاط كانت هامشية. فجوهر المحادثات يتضح من النتائج التي تتكشف اليوم. ويكفي التوقف عند هذا المقتطف:
«يجدد الطرفان التزامهما بالسعي لتحقيق ترتيبات أمنية واستقرارية دائمة لكلا البلدين. وقد قرر الطرفان إنشاء آلية دمج مشتركة — خلية اتصال مخصصة — لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر في مجالات تبادل المعلومات الاستخبارية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية، تحت إشراف الولايات المتحدة».
عقب ذلك، شدد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على «ضرورة دفع التعاون الاقتصادي لما فيه مصلحة البلدين».
وكان الصحافي ستيرك غولو من أوائل من أشاروا إلى دلالات ذلك، معتبرا أن «تحالفا تشكل ضد الإدارة الذاتية في الاجتماع الذي عقد في باريس». منذ تلك اللحظة، حُسم مصير «قسد».
حملة الضغط التركية
عملت تركيا لسنوات للوصول إلى هذه النتيجة. وتشير تقارير إلى أن اتفاقا أواخر 2025 لدمج وحدات «قسد» في الجيش السوري على مستوى الفرق عُرقل في اللحظة الأخيرة بسبب اعتراضات أنقرة. حتى اختفاء الشرع المؤقت عن المشهد، الذي أثار شائعات عن محاولة اغتيال، ربطه البعض بخلافات داخلية حول هذه المسألة.
وبحسب روايات متعددة، كان السفير التركي حاضرا في اجتماعات بدمشق رُفضت خلالها بنود داعمة لـ«قسد» بشكل قاطع. أعقب ذلك اشتباك جسدي، ثم اختفى الشرع قبل أن يعود من دون توضيح أسباب الخلاف.
ورغم غياب وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن اجتماع باريس، تدخلت أنقرة بقوة من الخارج. مطالبها كانت واضحة: إنهاء الدعم الامريكي لـ«قسد»، ومنع ما يسمى «ممر داوود». في المقابل، لن تعرقل تركيا العمليات الإسرائيلية في جنوب سوريا. كان توافقا تبادليا، وقد نجح.
إزالة العقبة الأخيرة
مع تهميش «قسد»، باتت عملية تثبيت سلطة الشرع ممكنة. السيطرة على شمال شرق سوريا سمحت لدمشق بالتركيز على ملفات عالقة أخرى، بينها الملف الدرزي.
ما تلا كان متوقعا. الاشتباكات في حلب قبل رأس السنة كانت تجارب أولية. النمط كان مألوفا.
في عام 2018، خلال عملية «غصن الزيتون» التركية، أعلنت «قسد» أنها ستدافع عن عفرين. عرضت دمشق تسلم المنطقة وتنظيم دفاعها، لكن العرض رُفض، على الأرجح بضغط امريكي. وفي الليلة التي كان يُنتظر فيها القتال، انسحبت «قسد».
السيناريو نفسه تكرر في الشيخ مقصود والأشرفية. صمدت المقاومة أياما. لم تصل الإمدادات من شرق الفرات. ثم جاء الانسحاب.
الانسحاب الامريكي مجددا
اعتقد كثيرون أن خط الفرات لا يزال خطا فاصلا، وأن تقدم «هيئة تحرير الشام» غرب النهر لن يتكرر شرقا، وأن واشنطن ستتدخل عندما يُهدد شريكها الكوردي مباشرة.
الصدمة جاءت عندما تحركت «الهيئة» نحو دير الزور، وانشقت العشائر العربية بالجملة. كانت هذه العشائر تتقاضى رواتب من الولايات المتحدة. الرسالة كانت واضحة: الرواتب ستأتي الآن من مكان آخر. كانت واشنطن قد حسمت قرارها.
حاول مسؤولون امريكيون تسويق رؤية جديدة للقيادة الكوردية: المشاركة في دولة سورية موحدة من دون وضع سياسي خاص. رفضت «قسد». طالبت بضمانات دستورية. رفضت حل قواتها. استندت إلى هواجس أمنية.
خطؤها كان الاعتقاد أن التاريخ لن يعيد نفسه. وكانت أفغانستان تحذيرا كافيا.
ما الذي تبقى
دخلت سوريا مرحلة جديدة. باتت السلطة منظمة حول مثلث تركيا–إسرائيل–الولايات المتحدة، مع دمشق كمركز إداري لمشروع صُمم في مكان آخر.
الدروز هم التاليون. وإذا ضُمنت أمن إسرائيل ضمن إطار باريس، فإن قوات «هيئة تحرير الشام» ستتجه لاحقا نحو السويداء. أما العلويون، فما زالوا معزولين ومكشوفين.
التداعيات مستمرة. ففي 20 كانون الثاني/يناير، أعلنت «قسد» انسحابها من مخيم الهول، الذي يضم آلاف معتقلي «داعش» وعائلاتهم، متذرعة بفشل المجتمع الدولي في تقديم الدعم.
اتهمت دمشق الكورد بالإفراج المتعمد عن المعتقلين. أما الولايات المتحدة، التي تقع قاعدتها على بعد كيلومترين فقط من موقع فرار جماعي كبير، فاختارت عدم التدخل.
صمت واشنطن إزاء الفوضى قرب منشآتها أكد ما بات الكورد مضطرين للاعتراف به: التحالف انتهى.
في النهاية، لم تنهَر قوة عسكرية فحسب، بل انهارت استراتيجية بقاء كاملة بُنيت على أمل أن تتقاطع يوما ما المصالح الإمبريالية مع الطموحات الكوردية.
* موسى أوزوغورلو هو صحفي تركي عمل ممثلا لقناة TRT التركية في سوريا من عام 2010 إلى عام 2016. وهو يستضيف حاليا برنامج Sabah Pusulası على قناة TELE 1 TV