*د.محمود عباس
من أحد أقذر وأحط أنماط الإعلام في العالم، وعلى امتداد تاريخه المعاصر، ذلك الإعلام الذي تخلى كليا عن أي ذرة شرف مهني أو أخلاقي، يأتي في الصدارة الإعلام القطري، وعلى رأسه قناة الجزيرة، بعد الإعلام التركي مباشرة، وأحيانا يسبقها، ثم، وبشكل صادم، دخل الإعلام السعودي، ولا سيما قناتا العربية والحدث، هذا المستنقع، بعد أن كان يُحسب لهما قدرٌ من المهنية النسبية، بوقوفهم إلى جانب الوطن.
ليس خطأ أن تقف وسائل إعلام الدول إلى جانب أوطانها في لحظات الصراع، فذلك مفهوم في سياق الحروب بين دول متعادية. لكن الجريمة الكاملة تبدأ حين يتحول الإعلام إلى أداة تحريض في صراع داخلي بين مكونات شعب واحد، شعبٍ واجه معا أبشع نظام طغيان عرفته سوريا، قبل أن يُعاد اليوم إنتاج الخراب ذاته، وكأن الطاغية سقط جسدا وبقي وباؤه حيا في العقول والمنابر.
هذا الوباء العربي الذي يُسمى زورا “إعلاما” لم يكتفِ بالمشاركة في تدمير سوريا خلال سنوات الثورة، بل يواصل اليوم تعميق الكارثة، عبر التماهي مع خطاب المعارضة الإرهابية التكفيرية، وتبييض جرائمها، وإعادة تدوير سردياتها، في خدمة مشاريع إقليمية قذرة.
الأخطر من ذلك، أن هذا الإعلام انخرط عمليا في شيطنة وتكفير المكونات السورية، وعلى رأسها المكون الكوردي، عبر حيلة خسيسة ومقصودة، اختزال الكورد بعناوين مفخخة مثل “قسد” و“قنديل”، ثم الادعاء بالفصل بينها وبين الشعب الكوردي، تمهيدا لنزع الشرعية عنه، وتجريده من حقه في الدفاع عن وجوده.
هذه خباثة تركية بامتياز، صيغت بعقل أمني، ووجدت إعلاما عربيا فاسدا يرضخ لها بلا مقاومة، يروجها بلا خجل، ويعيد إنتاج خطاب التكفير بلغة “تحليل” و“مهنية” زائفة. وبهذا السلوك، لم يعد هذا الإعلام ناقلا للحدث، بل تحول إلى شريك مباشر في الجريمة، يهيئ الأرضية للتكفير، والتكفير يُحلل القتل.
وحين تُستباح المكونات الوطنية باسم المصطلحات، ويُعاد تعريف الضحية كمتهم، يصبح الإعلام سلاحا أشد فتكا من الرصاص.
على من يساهم في هذا الخراب أن يستيقظ. أن ينتبه. فالتاريخ لا يرحم، ولن يُسامح من اختار أن يكون بوقا للتحريض، وشاهد زور على تفكيك وطن، وشريكا صامتا، أو ناطقا، في صناعة الدم.
قولها بلا مواربة ولا تجميل، وبلا أي أقنعة لغوية، دماء الشعب السوري في رقاب الإعلام القطري والتركي والسعودي، والإعلام السوري التكفيري الناطق باسم سلطة إرهابية. أنتم مطالبون بها، بعد النظام المجرم البائد، وبعد المنظمات التكفيرية التي سرقت الثورة من أصحابها، وحرفت مسارها، وحولتها إلى مذبح مفتوح باسم الدين والوطن.
دماء المكونات السورية التي أُريقت بعد سقوط الطاغية في رقابكم: دماء أبناء الساحل، والدروز، والمسيحيين، والإيزيديين الذين يُقتلون في عفرين، واليوم في حيي الشيخ مقصود والأشرفية. هي في رقابكم، مثلما هي في رقبة حكومة انتقالية عجزت عن حماية الناس، أو تواطأت، أو اختارت الصمت شريكا في الجريمة. ودماء الشعب الكوردي الذي يُستهدف اليوم في حلب وفي غيرها في رقابكم، كما هي في رقبة مجرمي أنقرة وأدواتهم، بلا استثناء ولا مواربة.
لا تُبرئكم الشاشات، ولا تنقذكم اللغة المسمومة، ولا تعفيكم أقنعة “الحياد”. فعندما يتحول الإعلام إلى منصة تحريض، وإلى غطاء للتكفير، وإلى تمهيدٍ منظم للقتل، فهو لا ينقل الجريمة، بل يصنعها. والتاريخ، حين يكتب سطره الأخير، لن ينسى من ضغط الزناد، ولن يغفر لمن مهد له بالكلمة، وبارك الدم بالصوت والصورة.
*كاتب كوردي مقيم في الولايات المتحدة الامريكية
*المصدر: موسوعة ليفانت