*د.محمد نور الدين
شكلت الاشتباكات التي بدأت في مدينة حلب، قبل أن تمتد إلى مناطق في شرق الفرات، تطبيقا نموذجيا للتهديدات التي أطلقتها أنقرة، مطلع كانون الأول الماضي، ومفادها: إذا لم تُسلم «قوات سوريا الديموقراطية» سلاحها ويندمج أفرادها في الجيش السوري الجديد، فإن تركيا ستتدخل وتقصيها عن المشهدَين العسكري والسياسي. وبهذا، يمكن القول إن السلطات التركية نجحت، وإن جزئيا، في تحقيق وعيدها، وذلك عبر الوقوف وراء قوات الحكومة الانتقالية التي حققت نجاحات كبيرة، ووجهت ضربة قاسية جدا إلى المشروع الكوردي في إقامة منطقة حكم ذاتي وكيانية خاصة في سوريا، في حين بدت «قسد» مقصوصة الجناحَين، ولا سيما بعد تخلي واشنطن عن فكرة تثبيت أقدامها في المناطق الجغرافية التي كانت تسيطر عليها.
وعبر الاتفاقات الأخيرة التي وُقعت، وخصوصا لجهة إدماج عناصر «قسد» في الجيش كأفراد وليس ككتلة واحدة، يبدو أن رؤية تركيا تتحقق خطوة بخطوة؛ فهي نجحت في إرغام الكورد على التراجع من دون الحاجة إلى تنفيذ عملية عسكرية جديدة مباشرة، فضلا عن أن إبعاد عناصر «حزب العمال الكوردستاني» من غير السوريين، من مناطق الكورد، يمثل انتصارا لوجهة النظر التركية. أما اتفاق أحمد الشرع - مظلوم عبدي الجديد، فيتجاهل أي صيغة للحكم الذاتي للكورد، وهو ما تطالب به تركيا، التي لا تمانع منْح المناطق الكوردية السورية بعض الخصوصيات الثقافية أو الإدارية.
إعلاميا، بدت النشوة واضحة في الصحف التركية الموالية، إذ لفت عنوان صحيفة «حرييات»: «قسد تركع والشرع الزعيم الأوحد»، فيما جاء في عنوان «تركيا»: «قسد تستسلم في يوم واحد».
كذلك، أشاعت الصحف الموالية لإردوغان أخبارا عن تباين في المواقف بين قيادة «الكوردستاني» في جبال قنديل، وبين قائد «قوات سوريا الديموقراطية»، مظلوم عبدي، والقيادية في «الإدارة الذاتية» إلهام أحمد، وأن أوجالان، كما عبدي، يفضل الحوار، بخلاف القيادة في قنديل التي كانت وراء توتير الأوضاع.
في المقابل، بدت «الساحة الكوردية» في تركيا مرتبكة ومنزعجة مما جرى في سوريا، ومن التنازلات التي اضطرت «قسد» إلى تقديمها، ولغة الحرب التي تحدثت بها دمشق وأنقرة. واعتبرت الأحزاب الكوردية التركية، أن العمل على حل يضمن المساواة في تركيا، لا يمكن أن ينجح في وقت تُشن فيه حرب إبادة على الشعب الكوردي هناك. ودعا زعيم «حزب الديموقراطية» الكوردي، تونجير باكرخان، وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إلى عدم التحرك على أساس أنه وزير لخارجية تركيا، فـ«الأفضل له أن يذهب إلى غرفة عمليات الشرع ويقود المعركة من هناك».
وكان «مجلس قيادة كردستان» التابع لـ«الكوردستاني»، دعا إلى التعبئة العامة لمواجهة الحرب التي تشنها تركيا وقوات أحمد الشرع على «روجافا»، لافتا إلى أن أنقرة «شاركت بنشاط في التخطيط لهذه الحرب وتنفيذها»، ومعتبرا أن ما يجري «هدفه تفكيك الإدارة الذاتية التي أسسها الكورد والعرب والسريان كما منع إقامة سوريا ديموقراطية». وهاجم البيان، «القوى الدولية» الموجودة في سوريا، وانحيازها إلى جانب «هيئة تحرير الشام، حليفة داعش»، فيما انتهى إلى القول إن الهجمات على كورد «روجافا» هي «حرب على كل كورد المنطقة ووجودهم»، وإنها «ستؤدي إلى تفتيت سوريا لا إلى وحدتها».
ولفت في خضم تلك التطورات أيضا، موقف اعتُبر متأخرا، لزعيم «حزب العمال الكوردستاني»، عبد الله أوجلان، من معتقله في إيمرالي في بحر مرمرة، حيث بدا منزعجا من اشتباكات حلب، ومن تصاعُد التوتر بين دمشق والكورد، ووصف بعد لقاء جَمعه إلى وفد «حزب الديموقراطية والمساواة للشعوب» الكوردي، السبت، هذا التوتر المستجد بأنه «محاولة لتخريب عملية السلام والمجتمع الديموقراطي». وجاء في بيان الحزب الذي أعقب اللقاء، أن عنوان المحادثات كان الوضع في سوريا، وأن «آبو» كان قلقا للغاية، وهو يرى أن الحوار والعقل وحدهما يحلان كل مشكلات سوريا.
خطة بهتشلي
في هذا الوقت، خرج زعيم «حزب الحركة القومية»، دولت باهتشلي، بخطة من ثماني نقاط لحل الوضع في سوريا، بدأها بالقول إن «الكورد هناك شيء وقسد شيء آخر. هذه منظمة إرهابية لا تمثل الكورد السوريين»، داعيا إلى حل هذه القوات فورا ودمجها في الجيش السوري الجديد بشكل كامل. وحمل بهتشلي، مظلوم عبدي مسؤولية إفشال تطبيق اتفاق العاشر من آذار بسبب «الدعم الإسرائيلي له». لكن الدعم التركي للشرع، بحسب باهتشلي، «أفشل هذه المؤامرة، والمعركة أظهرت أن قسد ليست بالقوة التي تم الترويج إليها».
وبحسب الكاتب التركي، مراد يتكين، فإنه في حال وقف إطلاق النار وتسليم «قسد» شارة القيادة إلى دمشق ونزع السلاح ودمج قواتها بالجيش، فإن من شأن ذلك أن يسهم في عملية «تركيا بلا إرهاب» المتواصلة منذ نحو عام، بهدف حل المشكلة الكوردية.
ورأى الكاتب أن «قسد» لم تستطع إظهار وجود عسكري جاد، وهي التي تتباهى بأنها تمتلك مئة ألف مقاتل. وأشار يتكين إلى أن لقاء أربيل الذي جمع عبدي إلى كل من المبعوث الامريكي إلى سوريا توم براك، و مسعود بارزاني، كان في أساس وقف النار والحل، لافتا إلى أن عبدي وإلهام أحمد لم يشاركا وحدهما فيه، بل انضم إليهما القيادي محمد إسماعيل، وهو ما يُظهر تراجع التمثيل الحصري لـ«قسد» لكورد سوريا، بمباركة من امريكا.
وذهب الكاتب إلى حد القول إن إسرائيل تركت إيران لامريكا، فيما انصرفت هي إلى ترتيب وضعها في الجنوب السوري ومع الدروز ولو على حساب «قسد»، لافتا إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تدعم فيها امريكا والغرب فصيلا، قبل التخلي عنه في اللحظة الأكثر حرجا.