*جيمس سنيل
صحيفة(ديلي تيلغراف"البريطانية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
شهد هذا الاسبوع اكثر الاحداث درامية في سوريا منذ سقوط بشار الاسد في كانون الاول 2024.
لقد سحبت الحدود واعيد رسم خريطة البلاد. قوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكوردية، التي كانت تدير شمال شرق سوريا سابقا، انسحبت الان من مساحات واسعة منه. بدءا من مواقعها في حلب، ثاني اكبر مدن سوريا، ثم خسرت السيطرة على محافظتي دير الزور والرقة، وصولا الى مدينة الرقة نفسها، وكل ذلك خلال ايام قليلة.
اليوم، تسيطر القوات المتحالفة مع الحكومة الانتقالية في دمشق، بقيادة الرئيس المؤقت احمد الشرع، على هذه المناطق. وتوجد السلطة المحلية بيد رجال يتلقون اوامرهم من دمشق، ويعملون بالتعاون مع عشائر ومجموعات مسلحة، كان بعض افرادها قد هجروا سابقا على يد قوات سوريا الديمقراطية خلال سنوات الحرب الاهلية.
وقعت اعمال عنف في بعض المناطق، وواجهت قوات سوريا الديمقراطية مقاومة ملحوظة. وقد نشرت منصاتها العسكرية على وسائل التواصل الاجتماعي عددا كبيرا من بيانات النعي لمقاتلين قتلوا. ومع ذلك، بدت الحملة العسكرية في مجملها اقرب الى الانهيار السريع. فقد انسحبت قوات سوريا الديمقراطية على عجل.
في المقابل، تقدمت القوات الموالية لدمشق بسرعة خلفها. وانتشرت مقاطع فيديو لمقاتلين يدخلون قرية بعد اخرى ومدينة بعد اخرى. وتشكل دير الزور والرقة مكسبين كبيرين، وقد ادهش الكثير من المراقبين وصول القوات السورية الى الرقة بهذه السرعة.
وقد تم تكريس هذا الواقع عبر اتفاق في اللحظات الاخيرة، وقعه قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي والرئيس احمد الشرع يوم الاحد. وكان هذا الاتفاق بوساطة الولايات المتحدة، التي كانت داعما مهما، وان اتسم دعمها بالتقلب، لقوات سوريا الديمقراطية، لكنها تشرف اليوم على اذلال هذا الحليف.
خلال الحرب الاهلية السورية، استخدمت الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية كوكيلها الاساسي على الارض في الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية. وتحت مظلة القوة الجوية الامريكية، سيطرت هذه القوات على مساحات واسعة من سوريا، بما في ذلك مدينة الرقة التي كانت عاصمة التنظيم.
وفي سلسلة حملات شديدة الدموية، تمكنت قيادة قوات سوريا الديمقراطية من السيطرة على ما يقارب ثلث مساحة البلاد شرق نهر الفرات، وعلى جزء كبير من مواردها الطبيعية. وقد مكنها عقد التفاهمات مع نظام الاسد والحفاظ على الدعم الامريكي من حكم مناطق لم تكن قيادتها ولا ايديولوجيتها القائمة على الكونفدرالية الديمقراطية تحظى فيها بشعبية واسعة.
لكن قوات سوريا الديمقراطية كانت تسيطر على اراض اوسع من قدرتها العسكرية على حمايتها، اعتمادا على الدعم الجوي الامريكي. غير ان الطائرات الامريكية لم تكن لتهاجم قوات موالية لدمشق، التي باتت قيادتها اليوم على علاقة وثيقة بواشنطن.
ينص الاتفاق الموقع الاحد على وقف شامل لاطلاق النار، وتسليم دير الزور والرقة، وتسليم المعابر الحدودية والموارد الطبيعية الى دمشق. كما يتضمن اشارات الى دمج قوات سوريا الديمقراطية وضباطها ووحداتها ضمن القوات المسلحة السورية الجديدة.
مع ذلك، كان بامكان قوات سوريا الديمقراطية القبول بشروط افضل في اي وقت منذ اذار من العام الماضي، حين تم توقيع اتفاق مختلف مع دمشق. اما اليوم، فقد جاء الاتفاق الجديد بعد هزيمة عسكرية.
قبل هذا الاسبوع، لا بد ان قادة قوات سوريا الديمقراطية كانوا يدركون ان الارض التي يقفون عليها باتت هشة. فقد دخلت دمشق في تعاون متزايد مع الولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية، عبر تنسيق اوسع في عمليات مكافحة الارهاب، وغارات القوات الخاصة، والضربات الجوية. سوريا اليوم عضو رسمي في التحالف الدولي ضد التنظيم، كشريك دولة، لا كوكيل غير حكومي يعتمد على الغطاء الجوي الامريكي.
انصار قوات سوريا الديمقراطية سيقولون انها تعرضت للخيانة، وهذا صحيح الى حد كبير. فقد تلقت هذه القوات وعودا كاذبة من العديد من اصدقائها المفترضين، حين بدا ان دمشق واحمد الشرع اضعف مما تبين لاحقا.
في العام الماضي، بدت الامور مختلفة. فقد جرت محاولة انقلاب في اذار من قبل عناصر مرتبطة بالنظام السابق، اعقبتها اعمال عنف طائفية دامية نفذتها قوات موالية لدمشق ضد العلويين على الساحل السوري. وفي محافظة السويداء، اشتبك الحرس الوطني الدرزي بقيادة حكمت الهجري مع قوات موالية لدمشق. كما احتلت اسرائيل اجزاء من جنوب سوريا.
طوال قرابة عام، شجع اعضاء في مجلس الشيوخ الامريكي، مثل ليندسي غراهام، قادة قوات سوريا الديمقراطية على عدم ابرام اي اتفاق مع دمشق. غير ان غراهام لم يكن يملك سلطة توجيه الطائرات الامريكية لحماية هذه القوات، رغم تصرفه وكأنه يملك ذلك.
اليوم، تبدو سوريا اقرب الى دولة مركزية موحدة. وستكون سلطة الدولة المنبثقة من دمشق اقوى واكثر مركزية مما كانت عليه منذ عام 2011.
مرة اخرى، يحقق احمد الشرع نصرا خاطفا يوسع رقعة سيطرته. غير ان حكومته تواجه طريقا شاقا. فما زالت اسرائيل تحتل اجزاء من البلاد، والاقتصاد لا يزال مجرد ظل لما كان عليه قبل الحرب، وسوريا تعج بالسلاح، ولا تزال مجموعات مسلحة تنشط في الخفاء وتخطط لعمليات اغتيال ومحاولات استيلاء على السلطة.
قد يكون الحفاظ على السلطة اصعب من انتزاعها، والحفاظ على السلام اصعب من ذلك بكثير.