×


  قضايا كردستانية

  لماذا لن تهرع الولايات المتحدة لنصرة حليفها القديم في سوريا؟



*توم اوكونر

مجلة "نيوزويك" الامريكية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

تطالب قوات سوريا الديمقراطية، التي يقودها الكورد وشكلت على مدى اكثر من عقد الحليف الميداني الابرز لوزارة الدفاع الامريكية في محاربة تنظيم الدولة الاسلامية في سوريا، بمساعدات فورية من الولايات المتحدة وقوى دولية اخرى مع اقتراب قوات الحكومة السورية من مناطق سيطرتها.

ويمثل هذا الوضع معضلة لواشنطن التي غيرت استراتيجيتها خلال العام الماضي باتجاه بناء علاقات مع دمشق، وذلك منذ الاطاحة بالرئيس السابق بشار الاسد في هجوم مفاجئ قاده زعيم اسلامي مسلح سابق تحول الى رئيس انتقالي، هو الرئيس الحالي احمد الشرع، الذي يسعى الى استيعاب قوات سوريا الديمقراطية ضمن الحكومة المركزية وفقا لاتفاق مدعوم امريكيا جرى التوصل اليه في اذار الماضي.

وترى ادارة الشرع ان هذه العملية خطوة ضرورية لتحقيق الوحدة الوطنية، في حين تخشى قوات سوريا الديمقراطية على مستقبل سكان مناطقها الذين عاشوا لسنوات طويلة في اقليم شبه ذاتي الحكم خلال معظم سنوات الحرب الاهلية السورية التي اندلعت عام 2011.

ومع خسارة قوات سوريا الديمقراطية مساحات واسعة من الاراضي خلال موجات عنف في الايام الاخيرة وجولات قتال سابقة، اشارت الادارة الامريكية الى ان دورها سيقتصر على التوسط لاعادة اطلاق المحادثات ودفع عملية دمج شريكها، حيث قال المبعوث الامريكي الخاص الى سوريا وسفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس باراك يوم الاثنين ان الغاية الاصلية لقوات سوريا الديمقراطية بوصفها القوة البرية الرئيسية في محاربة تنظيم الدولة الاسلامية قد انتهت الى حد كبير.

وفي حديثها الى نيوزويك خلال اجتماع افتراضي عقد بعيد اعلان هدنة مؤقتة يوم الثلاثاء، اقرت الهام احمد، الرئيسة المشتركة للمجلس السياسي لقوات سوريا الديمقراطية، مجلس سوريا الديمقراطية، بتصريحات باراك، لكنها شددت على ان الجماعة باتت تخوض معركة بقاء.

وقالت احمد ان مهمتنا في هذا الجانب انتهت، لكن لا تزال لدينا مهمة حماية شعبنا، لان الجيش السوري ما زال يضم فصائل متشددة ومتطرفة لا يمكن لاحد في سوريا الوثوق بها حتى الان، لا الدروز ولا العلويون ولا المسيحيون ولا حتى السنة، ونحن نشعر بقلق كبير من ان يواجه شعبنا مجازر كما حدث في مدن سورية اخرى.

واضافت انه في اطار هذه المهمة طلبنا الدعم من الدول التي دافعنا عن امنها خلال معاركنا ضد تنظيم الدولة الاسلامية، وتحملنا عبء حراسة عائلات ومقاتلي التنظيم لسنوات من اجلهم.

وقالت احمد نحن الان نطالب بدعمهم، ونحتاج الى ضمانات دولية صارمة لحماية الشعب الكوردي في مناطقنا، ويمكن ان يتم ذلك عبر دول عدة او الامم المتحدة او اي طرف دولي قادر على ضمان الحماية والامن لشعبنا.

 

تحولات المشهد السوري

يمثل توجه واشنطن نحو دمشق احدث حلقة في سلسلة تحولات سياسية شهدتها سوريا خلال خمسة عشر عاما من الصراع. فقد دعمت الولايات المتحدة في البداية فصائل متمردة سعت الى اسقاط الاسد، قبل ان تحول تركيز مساعداتها عام 2015 الى دعم قوات سوريا الديمقراطية في قتال تنظيم الدولة الاسلامية. وفي الفترة نفسها تدخلت روسيا دعما للاسد الذي خاض، بمساعدة ايرانية، حملة منفصلة الى حد كبير ضد تنظيم الدولة الاسلامية وضد جماعات معارضة اخرى، من بينها جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة، التي كان يقودها الشرع قبل ان تغير اسمها الى هيئة تحرير الشام.

وبينما ظلت الولايات المتحدة تعارض حكم الاسد بعد هزيمة تنظيم الدولة الاسلامية اقليميا، خاضت قوات سوريا الديمقراطية ايضا اشتباكات متكررة مع فصائل معارضة سورية، تلقت كثير منها دعما مباشرا من تركيا العضو في حلف شمال الاطلسي. ويعود اعتراض انقرة على قوات سوريا الديمقراطية الى ارتباطها بحزب العمال الكوردستاني المصنف تنظيما ارهابيا من قبل الولايات المتحدة وتركيا.

ولسنوات، غضت واشنطن الطرف عن هذا الارتباط من اجل الحفاظ على موطئ قدم عسكري في سوريا يهدف الى منع عودة تنظيم الدولة الاسلامية. غير ان هذا الحساب تغير مع صعود الشرع الى السلطة قبل اسابيع من تولي الرئيس دونالد ترامب منصبه، حيث اختار البيت الابيض القبول بماضي الشرع المسلح لاقامة شراكة جديدة في المنطقة.

وقد صمدت هذه الشراكة حتى الان امام تقارير سابقة تحدثت عن استهداف قوات امن سورية لمجتمعات اقليات، من بينهم الكورد والدروز والعلويون، في وقت تعهد فيه الشرع بصياغة رؤية وطنية جديدة شاملة وموحدة. وفي المقابل، واصل البنتاغون التأكيد على ان علاقته بقوات سوريا الديمقراطية لم تتغير، غير ان تصريحات باراك وسط تجدد سفك الدماء يوم الاثنين شكلت اوضح دليل حتى الان على اعادة واشنطن ضبط بوصلتها.

وكتب باراك ان تركيز الولايات المتحدة في سوريا ينصب على ضمان امن مرافق احتجاز سجناء تنظيم الدولة الاسلامية التي تحرسها حاليا قوات سوريا الديمقراطية، وعلى تسهيل المحادثات بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية بما يسمح باندماج سلمي للقوات وادماج سياسي للسكان الكورد ضمن مواطنة سورية كاملة وتاريخية.

من جهته، رأى الدبلوماسي السوري بسام بربندي ان الاتفاق يشكل افضل فرصة لتجنب مزيد من العنف، مؤكدا التزام دمشق بمنع التصعيد عبر الاتفاق الاخير.

وقال بربندي ان ما يميز هذا التفاهم هو انتقال الحكومة السورية من تصريحات سياسية عامة الى التزامات تنفيذية محددة، حيث يضع الاتفاق جدولا زمنيا واضحا ويحدد معايير امنية ويرسم مسارا صريحا للاندماج المؤسسي العسكري والامني والمدني.

واضاف ان دمشق التزمت بتجنب استخدام القوة، فلن تدخل القوات السورية مراكز المدن او القرى الكوردية، وستحترم الترتيبات الامنية المحلية، وفي الوقت نفسه جرى تضمين المشاركة السياسية الكوردية والحمايات القانونية، بما في ذلك الحقوق اللغوية والثقافية وحقوق المواطنة، بشكل رسمي ضمن العملية.

واكد ان الهدف النهائي هو الاندماج ضمن دولة سورية موحدة وليس حكما موازيا، مشيرا الى ان نهج الحكومة يعكس جهدا مدروسا لاستبدال الادارة المسلحة بالاندماج السياسي ومؤسسات الدولة القائمة على سيادة القانون، واذا نُفذت العملية كما هو مخطط لها فستشكل تحولا حاسما من عدم الاستقرار نحو حوكمة مستدامة.

 

تنظيم الدولة الاسلامية مجددا

مع ذلك، تبقى متانة الاتفاق موضع تساؤل، اذ ظهرت تقارير عن اعمال عدائية جديدة، بينها هجوم بطائرة مسيرة وتفجير انتحاري اتهمت قوات سوريا الديمقراطية بتنفيذهما ضد مقرها في مدينة القامشلي. وكانت قوات سوريا الديمقراطية قد اتهمت تركيا سابقا بتنفيذ ضربات بطائرات مسيرة دعما للقوات الحكومية السورية، لكن مصادر امنية تركية نقلت عنها رويترز نفت تلك الادعاءات.

ويراقب جيران سوريا الاخرون التطورات عن كثب، ولا سيما مع تقارير عن فرار اعداد كبيرة من مقاتلي تنظيم الدولة الاسلامية وافراد عائلاتهم من سجون كانت تحت سيطرة قوات امن متحالفة مع قوات سوريا الديمقراطية.

وفي هذا السياق، استقبل وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين القائم باعمال السفارة الامريكية في بغداد جوشوا هاريس يوم الثلاثاء، وبحثا من بين امور اخرى الوضع الخطير في سوريا، حيث شدد حسين على ضرورة وقف اطلاق النار بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية واتخاذ جميع الاجراءات اللازمة للسيطرة على السجون ومنع فرار عناصر تنظيم الدولة الاسلامية.

وفي اليوم نفسه، حذر زعيم كتائب سيد الشهداء الموالية لايران، ابو الاء الولائي، من ان قواته لن تتردد لحظة في الوقوف مع القوات الكوردية في سوريا اذا ما هدد الارهاب امنها.

وتعد جماعة الولائي واحدة من عدة فصائل مسلحة عراقية عملت في العراق وسوريا لمحاربة تنظيم الدولة الاسلامية وجماعات مسلحة اخرى بعد اجتياح التنظيم العابر للحدود عام 2013. ومنذ تولي الشرع السلطة في كانون الاول 2024، منهيا عقودا من حكم عائلة الاسد، تشهد الحدود بين البلدين حالة تأهب مرتفعة، ولا سيما في الشمال حيث يتمتع كرد العراق ايضا بادارة شبه ذاتية وقوات مسلحة.

ومع تصاعد المخاوف من عودة تنظيم الدولة الاسلامية في عموم المنطقة، بعد مقتل جنديين امريكيين ومترجم الشهر الماضي في هجوم نسب للتنظيم قرب تدمر، اتهم مسؤولون سوريون قوات سوريا الديمقراطية بالافراج المتعمد عن مشتبه بانتمائهم للتنظيم مع سيطرة القوات الحكومية على مخيمات وسجون خلال الهجوم الاخير.

غير ان الهام احمد نفت هذه الاتهامات، مؤكدة ان عناصر تابعة لقوات سوريا الديمقراطية ما زالوا يحرسون احد المواقع التي تضم مشتبهين بانتمائهم للتنظيم في محافظة الرقة المتنازع عليها، والتي قالت انها تعرضت ايضا لهجوم بعد اعلان الهدنة. وفي اماكن اخرى، اوضحت ان مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية انسحبوا من مخيم الهول الذي يضم نازحين من عائلات تنظيم الدولة الاسلامية، ومن سجن في الشدادي بمحافظة الحسكة، بعد ان اضطروا الى الفرار امام تقدم القوات الحكومية.

وقالت احمد كانوا يتعرضون لهجمات بالطائرات المسيرة والمدفعية والاسلحة الثقيلة، ولم يعد بامكان القوات هناك الدفاع، فقرروا الانسحاب، والان اصبحت المخيمات ومراكز الاحتجاز تحت مسؤولية الحكومة الانتقالية. واضافت ان ذلك يشكل تهديدا كبيرا للامن الدولي، لان سجن الشدادي كان يضم مقاتلين اجانب وهم من اخطر عناصر تنظيم الدولة الاسلامية.

واوضحت ان الحكومة قالت انها اعادت ثمانين سجينا الى السجن، ولا نعلم ما اذا كان الاجانب ضمن هذا العدد، مؤكدة ان الحكومة باتت مسؤولة عن هذه الملفات، وداعية التحالف الدولي الى بدء التحقيق في الوضع.

وكان المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية فرهاد شامي قد قال في وقت سابق لوسيلة اعلام كردية ان نحو الف وخمسمئة من مقاتلي تنظيم الدولة الاسلامية، بينهم اجانب وسوريون، اطلق سراحهم من سجن الشدادي، في حين قدرت وزارة الداخلية السورية العدد بنحو مئة وعشرين فقط.

 

من دون ضمانات

يعتقد ان الولايات المتحدة تحتفظ بنحو الف جندي في سوريا، بينهم قوات متمركزة مع فصائل من الجيش السوري الحر في قاعدة التنف جنوب شرق البلاد، واخرى تعمل الى جانب قوات سوريا الديمقراطية في الشمال الشرقي.

وعلى الرغم من ان القوات الامريكية ردت في سنوات سابقة بالقوة على هجمات استهدفت مواقع قوات سوريا الديمقراطية من قبل تنظيم الدولة الاسلامية وميليشيات مرتبطة بايران وحتى عناصر من شركات عسكرية روسية خاصة، قالت احمد انها لم تتلق اي اشارات على تدخل وشيك من واشنطن.

واضافت انها كانت ترغب في رؤية موقف امريكي حازم في هذا التوقيت، لكنها ابلغت فقط بان ممثلي الولايات المتحدة يتواصلون مع الحكومة السورية.

وقالت احمد بدا الامر وكأنهم لم يفعلوا شيئا، ما ادى الى الافراج عن عناصر تنظيم الدولة الاسلامية من السجون والمخيمات، ولم يتحركوا لوقف ذلك، والان يواجه الشعب الكوردي خطر الابادة. واضافت انهم طلبوا وضغطوا للحصول على ضمانات، لكن كما هو الحال دائما، لا تقدم الولايات المتحدة ضمانات حقيقية.

وشددت على ان هذه الضمانات ضرورية بشكل خاص في ظل رفض قوات سوريا الديمقراطية الاندماج في الجيش بشكل فردي لا كوحدات، معتبرة ان ذلك سيؤدي الى تصعيد في المستقبل.

في المقابل، رأى بربندي ان الدور الافضل للقوى الدولية، بما فيها الولايات المتحدة، هو الاستمرار في دعم عملية السلام.

وقال ان الدور الاكثر بناء للشركاء الدوليين يتمثل في دعم التنفيذ بدلا من التكهن بالفشل، وان الانخراط المباشر والتحقق الميداني ودعم عملية سياسية سورية بقيادة سورية اكثر فاعلية من تضخيم سيناريوهات اسوأ الاحتمالات.

واكد ان خطر التصعيد يكون في ذروته عندما تسود الضبابية، مشيرا الى ان دمشق اثبتت التزامها عبر الاتفاق الاخير، ولا سيما عدم الدخول الى المناطق الحساسة وحماية حقوق الاقليات عبر مؤسسات الدولة، ما يزيل مبررات التدخل الخارجي.

وختم بربندي بالقول ان هذا اوضح مؤشر حتى الان على ان دمشق تعطي الاولوية لخفض التصعيد وحماية الاقليات والاندماج الوطني على حساب استخدام القوة، ما يفتح فرصة حقيقية للاستقرار طويل الامد اذا ما سُمح للعملية بالمضي قدما، مؤكدا ان الحكومة السورية اختارت الاندماج بدل المواجهة، وان الاختبار الحقيقي الان هو التنفيذ لا النوايا.

*كاتب اول في الشؤون الخارجية ونائب رئيس تحرير الامن القومي والسياسة الخارجية بمجلة نيوزويك عضو في مشروع الثقة.


22/01/2026