×


  کل الاخبار

  كرد سوريا..القديم والجديد: أثمة عِبرة؟



*عبد الحسين شعبان

 

بغض النظر عن المعارك الدامية بين القوات السورية الرسمية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في حلب والاتفاق الذي تبعها، فإن المشكلة الكوردية في سوريا تعد إحدى المشكلات العويصة والمعتقة، الأمر الذي يحتاج إلى حلول جذرية وسلمية لمعالجتها، وقد ورثها النظام الجديد من النظام القديم، وتختلط فيها الحقوق العادلة والمشروعة للشعب الكوردي في سوريا مع تداخلات ومصالح قوى خارجية إقليمية ودولية، وقد ازداد الأمر تعقيدا بعد حركة الاحتجاج الواسعة التي شملت سوريا ضد النظام السابق، والتي ابتدأت في 15 آذار / مارس 2011 واستمرت حتى الإطاحة ببشار الأسد في 8 كانون الأول / ديسمبر 2024، وإن اتخذت أشكالا مختلفة سلمية وعنفية، واختلط فيها فعل المعارضة مع فعل السلطة في أقسى مراحلها وأشدها عسفا وانفلاتا وإرهابا.

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق والإطاحة بالنظام العراقي السابق دعاني الصديق شبيب المالكي أمين عام اتحاد الحقوقيين العرب للانضمام إلى عضوية المكتب الدائم للاتحاد، وبعد تردد وافقت بشرطين؛ أولهما – أن يبتعد الأمين العام عن أي نشاط سياسي ليعطي للاتحاد طابعه المهني، وهو ما فعله والتزم به؛ وثانيهما – أن تكون الفترة المقبلة بمثابة مرحلة انتقالية يعاد فيها بناء الاتحاد على أسس جديدة بما فيها تداول المسؤوليات وتجديد ملاكاته، وهو الأمر الذي لم يحصل. وقد انعقد اجتماع المكتب الدائم بعد انضمامي إليه في دمشق في العام 2005.

استعيد ذلك اليوم لما له علاقة بالكورد السوريين، الذين يطلق عليهم "المكتومين"، أي أنهم بلا جنسية، الأمر الذي ينتقص جوهريا من حقوقهم المدنية والسياسية، بما فيها حق الحصول على جنسية، وكنا قد نظمنا حلقة نقاشية أكاديمية في لندن في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان ومركز اللاجئين والشتات الفلسطيني في رام الله (شمل) بالتعاون مع جامعة أكسفورد (مركز أكسفورد لدراسات اللاجئين) في 1 تموز / يوليو 2000 حول موضوع "الجنسية واللاجنسية"، بحضور نخبة من المثقفين والحقوقيين والخبراء العرب والأجانب، ودعونا شخصيتين سوريتين معنيتين بهذا الملف، هما الصديقان صلاح بدر الدين والدكتور هيثم مناع. الجدير بالذكر أن الجنسية هي حق لكل إنسان، وهي تمنح بالولادة أو بالإقليم، ولا يمكن انتزاعها تعسفا بموجب المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

أبلغني رئيس رابطة الحقوقيين السوريين بالبقاء في الفندق صباح اليوم التالي للاجتماع وعدم الارتباط بأي موعد، لأن لقاء مهما سيتم تنظيمه وسيتم إبلاغي الساعة الثامنة صباحا، وهو ما حصل، وخمنت أن اللقاء سيكون مع الرئيس بشار الأسد، وبالفعل فقد اختار السوريون مجموعة من الحقوقيين للقاء في القصر الجمهوري وأبلغونا بموقع كل منا للجلوس بروتوكوليا، وحين استقبلنا الرئيس تزاحم الزملاء في السلام عليه بعد الأمين العام ووزير العدل العراقي الأسبق ومحسن العيني رئيس وزراء اليمن الأسبق، وحاول آخرين مصافحته والتقاط صورة معه، وهكذا اختلت أماكن الجلوس، وكان أحد الزملاء قد جلس في المقعد المخصص لي، فاخترت آخر كرسي وذهبت للجلوس عليه.

كان الرئيس الأسد حينها منشرحا ومنفرج الأسارير وبدأ حديثه بالقول إنه يحب الحقوقيين والمحامين والمثقفين، فإذا كان ثمة ما يفيد من حوارات وآراء فإن اللقاء سيكون مفتوحا وبلا سقف، وعكسه إذا لم تكن هناك أسئلة أو وجهات نظر أو مقترحات فسينتهي اللقاء بعد 15 دقيقة باعتباره لقاء مجاملة.

وبعد أن قدم الأمين العام تقريرا مكثفا لما حصل في الاجتماع والقرارات والتوصيات التي صدرت عنه، بدأ بعض الزملاء بطرح أسئلة وتقديم مداخلات لا تخلو من عبارات المجاملة مثل "هذا الشبل من ذاك الأسد"، و"لم يبق لنا إلا أنت" و"دمشق قلب العروبة النابض". وقد حاول الرئيس أن يكون متبسطا وواضحا في الإجابة والتعليق، خصوصا ما يتعلق بأوضاع المنطقة.

لم يكن من عادتي طلب الكلام في مثل هذه المناسبات، إلا إذا طلب مني الحديث، ولكنني وجدت نفسي ولسان حالي يقول لو بقي لك شيء من الشجاعة يا شعبان تكلم في هذا المقام ودون سابق تخطيط أو قرار أو قصد رفعت يدي.

 وحين سمح لي الرئيس بالكلام خاطبته قائلا: لقد سمعت خطاب القسم يا سيادة الرئيس، ولا أخفيك سرا أنني أعجبت به، وكذلك خطاب سيادتك في عمان والتأكيد المستمر على عنصرية الصهيونية وعلى الرغبة في الانتقال بسوريا إلى عهد جديد بالانفتاح على العالم، كما إنني استمعت إلى كلمتكم التمهيدية في هذا اللقاء، وهي كلمة مفعمة بالتفاؤل، وتساءلت مع نفسي على طريقة غرامشي: أهو تفاؤل الإرادة وتشاؤم الواقع أم ماذا؟ فكل ما حولنا مدعاة للتشاؤم، ففلسطين محتلة وتوغل إسرائيل في بناء المستوطنات وفي عنصريتها، والجولان ما يزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، والعراق اليوم محتل ويوجد 170 ألف جندي أمريكي على أرضه.

 وأضفت قائلا: إنني يا سيادة الرئيس أتحدث من موقع الصديق والحريص، فأنا منذ فترة طويلة أردد إنني سوراقي (السوري – العراقي)، حيث لا أستطيع أن أفكر عراقيا دون أن تعنيني سوريا، ولا أستطيع أن أتخيل الوضع السوري دون تأثيراته العراقية، وذلك بحكم التداخل والمصائر المشتركة والتقارب الوجداني بين البلدين، بغض النظر عن أنظمة الحكم المتعاقبة والمتنافرة منذ نحو 60 عاما (حينها)، وهو ما شرحته بالتفصيل في ندوة دعتني إليها وزيرة الثقافة السورية السابقة ونائبة الرئيس د. نجاح العطار عن "العروبة" (وقد وثقتها مع ندوتين إضافيتين عقدت في دمشق على مدار ثلاث سنوات)، وهو ما أنقله من أوراقي غير المنشورة التي دونتها في حينها عقب اللقاء مع الرئيس.

وخاطبت الرئيس الأسد: من أين يأتي التفاؤل لسيادتك بعد كل هذه المعطيات المعتمة التي لا تسر أحدا من المحيط إلى الخليج؟ يضاف إلى ذلك تعاني منطقتنا من شح الحريات ونقص المواطنة وحجب حق المشاركة وتقييد الشراكة لدرجة أنها أصبحت علامة فارقة للعالم العربي، دون نسيان التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية.

وهنا قاطعني الرئيس قائلا أنتم في العراق على الرغم من أن بلدكم محتل، لكن إرادتكم محررة، في حين نحن في سوريا ما تزال إرادتنا مكبلة، وقد توقفت عند هذا القول حينها، ولذلك طلبت منه إيضاحا وأردفت قائلا: هل ذلك بسبب الحرس القديم؟ أم ثمة قوى أخرى تحول دون الانفتاح وتحرير الإرادة؟ وقلت له: إن سيادتك وعد بالانفتاح والسماح لجمعيات المجتمع المدني بالعمل، فأين ربيع دمشق الذي وعدت به؟ ولم أنس أن أكرر أنني أتحدث من موقع الصديق والحريص، ولذلك أرى أنه لا يمكن مواجهة القوى الغاشمة الإمبريالية والصهيونية دون حريات ودون مواطنة متساوية ومتكافئة، وهذه لدينا ناقصة ومبتورة، مثالي على ذلك أن نحو 150 ألف كردي، وهم مواطنون سوريون لم يعرفوا وطنا غير سوريا، بدون جنسيات، وكان قد حصل قبل فترة قليلة احتدامات وصدامات دموية في القامشلي.

وهنا راودني شعور بأن الرئيس يطلب مني الاستزادة في الحديث، حتى وإن كان مغامرة، فقلت إن قرارا إداريا أو مرسوما رئاسيا يمكن أن يعالج قضية 150 ألف كردي، ويمكن للكرد أن يكونوا قاعدة صلبة للوحدة الوطنية حين يحصلون على حقوقهم. علمت فيما بعد أن قرارا كان قد صدر عن الرئيس بشار الأسد يمنح الكورد الجنسية وإجراء اللازم وفقا للسياقات المعروفة، لكن هذا القرار بقي في الأدراج ولم يتم تحريكه إلا بعد الانتفاضة الشعبية في العام 2011.

قال الرئيس إن التغيير الذي نريده تدريجيا وليس انقلابيا كما حصل في بعض البلدان، ونريده محمودا وليس خطوة نحو تفكيك الدولة، ولعل ما يعترض طريقنا في الوصول إلى الإصلاح المنشود ليس الحرس القديم وحده أو بعض أطرافه، بل أن بعض مجايلي ليسوا مع التغيير، (وتفسيري حينها أنهم من المنتفعين والمتنفذين والذين لا يريدون زوال سلطتهم).

وحين انتهى اللقاء وعدنا إلى الفندق لم يكلمني أحد من الزملاء السوريين الذين حضروا اللقاء، لا في الطريق ولا في السيارة حتى وصلنا، وإذا بالعديد منهم يطبع القبل على خدي ويشكرني ويحييني على ما قلته كل على انفراد، ولعل ذلك أمر معروف بسبب الأوضاع السائدة حينها.

 

كان ذلك ما حصل بالأمس، فماذا عن اليوم؟

بعد معاناة طويلة للكرد، صدر مرسوم من الرئيس أحمد الشرع يعتبرهم جزء أساسي من الشعب السوري ويضمن حقوقهم الثقافية واللغوية ويمنحهم الجنسية، كما يعتبر عيد نوروز عيدا وطنيا رسميا.

وإذا كانت هذه الخطوة إيجابية ودليل على حسن النية، إلا أنه ينبغي تقنينها دستوريا في إطار الدستور السوري الجديد (المنتظر)، كما يتطلب ذلك تهيئة بيئة صالحة للوحدة الوطنية بإلغاء جميع القوانين والتشريعات والمراسيم والإجراءات السابقة التي تنال من حقوق الكورد وتحد من مبادئ المواطنة، ولاسيما ما يعرف بمشروع "الحزام العربي" الذي تم إقراره في العام 1966 وبدأ تنفيذه في 24 حزيران / يونيو 1974، وذلك استنادا إلى دراسة أعدها الملازم محمد طلب هلال رئيس الشعبة السياسية في الحسكة العام 1963. والحزام المذكور هو حزام شوفيني عنصري بدأ في محافظة الحسكة، حيث تم سلب أراضي كردية أسكن فيها آلاف من العائلات العربية، وقد اشتهر تنفيذه بقسوة شديدة في إطار عملية تغيير ديموغرافي وتطهير سكاني.

إذا كنا نعترف بالكورد كشعب، فلا بد أن نقر له بالحق في تقرير المصير، وقد اختار هو الإدارة الذاتية كشكل للحكم الذاتي اللامركزي في إطار الدولة السورية، ويمكن وضع ترتيباتها بالاتفاق مع الشركاء في دمشق ضمن دستور جديد.

وقد دلت التجربة التاريخية أن الحلول العسكرية ومعادلات القوة المسلحة لن توصل إلى النتائج المرجوة، سواء من جانب الحكم الذي لم يستطع القضاء على مطامح الشعب الكوردي في نيل حقوقه، أو من جانب الحركة الكوردية التي لم تستطع تحقيق أهدافها بالوسائل العسكرية والعنفية، الأمر الذي يستوجب الحوار والتفاهم والبحث عن المشتركات لتعظيمها وعن الفوارق لتقليصها واحترامها، وذلك بما يعزز التعددية والتنوع ويجعلهما مصدر غنى وإثراء.

ولعل التجربة العراقية على الرغم من تعثراتها والتحديات التي ما تزال تواجهها خير دليل على جدوى المضي في هذا الطريق. كما اكدت التجربة أن القوى الخارجية مهما أبدت من حرص ومساعدة وتعاطف فإنها ستقدم مصالحها الذاتية الأنانية الضيقة على مصالح الكورد، الذين سيكونون هم الضحايا، فضلا عما سيلحق البلد من أذى وأضرار، وينبغي ألا ننسى كيف تخلت إيران والولايات المتحدة عن الكورد العراقيين في اتفاقية 6 آذار / مارس المعروفة باتفاقية الجزائر العام 1975 بين شاه إيران محمد رضا بهلوي ونائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين.

*أكاديمي ومفكر/ جريدة الوطن الجديد في 21 كانون الثاني / يناير 2026.


25/01/2026