×


  کل الاخبار

  استقلالية القضاء العراقي والدور الريادي للرئيس مام جلال



*محمد شيخ عثمان

 الاستقلالية كقناعة قبل أن تكون نصا

 

بعد تحرير العراق عام 2003، لم يكن التحدي الأكبر هو إسقاط نظام استبدادي فحسب، بل بناء دولة جديدة على أنقاض الاستبداد، دولة يكون فيها القانون هو الحكم، والقضاء هو الضامن، والدستور هو المرجعية العليا.

وفي قلب هذا التحول، برز ملف استقلالية القضاء العراقي بوصفه أحد أعمدة الدولة الديمقراطية المنشودة، وأحد أكثر الملفات تعقيدا وحساسية في بلد خرج لتوه من عقود من تسييس العدالة وتحويل القضاء إلى أداة بيد السلطة التنفيذية.

كما يبين القاضي المتقاعد زهير كاظم عبود في دراسة تحليلية معمقة، فإن استقلال القضاء لم يكن غائبا كنص في الدساتير العراقية المتعاقبة منذ تأسيس الدولة عام 1925، لكنه كان في الغالب غيابا فعليا في التطبيق، فالنظام الملكي، رغم ما شابه من تدخلات، حافظ نسبيا على هيبة القضاء، بينما شهدت الجمهوريات المتعاقبة—ولا سيما في ظل الأنظمة الشمولية—أوسع عمليات تدجين القضاء، وإخضاعه لإرادة السلطة التنفيذية، وتهميش دوره الرقابي والدستوري.

لقد تحول القضاء، في ذروة الدكتاتورية، من سلطة مستقلة إلى وظيفة إدارية، وفرضت عليه محاكم استثنائية، ومجالس عرفية، ومحاكم أمن دولة، في انتهاك صارخ لمبدأ فصل السلطات، ولجوهر العدالة نفسها.

وجاء دستور 2005 ليشكل نقطة انعطاف تاريخية في مسار القضاء العراقي، فقد نص بوضوح على أن السلطة القضائية مستقلة، وأن القضاة لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ومنع أي تدخل في شؤون العدالة كما اعتمد الدستور بشكل صريح نظرية فصل السلطات، بوصفها الإطار الضامن للتوازن والرقابة المتبادلة بين التشريعية والتنفيذية والقضائية.

غير أن هذه النصوص، كما يؤكد القاضي عبود، لا تكتسب قيمتها إلا بقدر ما تتحول إلى ممارسة فعلية، تحمي القاضي من الضغوط السياسية، وتمنع المحاصصة، وتكفل للمواطن حق مقاضاة أي سلطة أو جهة دون خوف أو تمييز.

في هذا السياق، يبرز الدور المفصلي للرئيس الراحل جلال طالباني (مام جلال)، ليس فقط بوصفه رئيسا للجمهورية خلال مرحلة كتابة الدستور، بل بوصفه رجل دولة مؤمنا عميقا بدولة القانون واستقلال القضاء.

مام جلال، القادم من خلفية قانونية وسياسية نضالية، لم يتعامل مع استقلال القضاء كتنازل سياسي أو مادة تفاوضية، بل كـركيزة أخلاقية ودستورية لبناء العراق الجديد، وقد كان حضوره فاعلا في تثبيت النصوص الدستورية التي تحصن القضاء، وفي دعم إنشاء المحكمة الاتحادية العليا بوصفها صمام أمان دستوري يراقب دستورية التشريعات ويمنع تغول السلطتين التشريعية والتنفيذية.

لقد جسد مام جلال الاستقلالية سلوكا وموقفا قبل أن تكون مادة دستورية، وحرص على أن لا يكون القضاء طرفا في الصراعات السياسية أو خاضعا لتوازناتها، إدراكا منه بأن أي مساس بالقضاء هو مساس مباشر بوحدة الدولة وثقة المواطن.

وبالتاكيد فان استقلال القضاء، لا يعني تحصين القاضي من المساءلة أو إطلاق يده دون ضوابط، بل يعني الالتزام الصارم بالقانون وإجراءات التقاضي، بعيدا عن الضغوط والانتماءات الحزبية والطائفية فقضاء مستقل هو الشرط الأول لتحقيق المساواة أمام القانون، ومنع التمييز، وحماية حقوق الإنسان، وترسيخ التداول السلمي للسلطة.

كما أن تمكين القضاء من دوره الكامل—ماليا ومعنويا ومؤسسيا—يشكل ضمانة حقيقية لاستقرار النظام السياسي، ويمنع اللجوء إلى العنف أو الفوضى بوصفهما بديلا عن العدالة.

وفي هذا الإطار، تأتي برقية الرئيس بافل جلال طالباني إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان بمناسبة يوم القضاء العراقي، لتؤكد أن نهج دعم استقلال القضاء ليس إرثا تاريخيا فحسب، بل خيارا سياسيا مستمرا لدى الاتحاد الوطني الكردستاني ، فالتأكيد على دعم مساعي صون الدستور، وترسيخ العدالة، وحماية حقوق جميع القوميات والمكونات، يعكس فهما عميقا للعلاقة العضوية بين قضاء مستقل، ودولة مستقرة، وتعايش وطني متوازن. وهي رسالة سياسية واضحة بأن حماية القضاء هي حماية للدستور وللسلم الأهلي معا.

استقلالية القضاء العراقي ليست ترفا دستوريا، بل ضرورة وجودية لدولة خرجت من الاستبداد وتسعى إلى ترسيخ الديمقراطية وقد شكل دستور 2005، بدعم ورؤية مام جلال، الأساس الصلب لهذا التحول، فيما يبقى التحدي الأكبر في حماية النص من التآكل، وتحصين القضاء من التسييس، وتحويل الاستقلالية من شعار إلى ممارسة يومية.

وفي بلد متعدد القوميات والمكونات كالعراق، لا يمكن الاطمئنان إلى الحقوق والحريات دون قضاء مستقل، قوي، ومحايد فالقضاء، في نهاية المطاف، هو الملاذ الأخير للمواطن، وميزان الدولة، وخط الدفاع الأول عن الدستور.


25/01/2026