×


  کل الاخبار

  امريكا وايران ​بين طبول الحرب وإغراء الصفقة



خامنئي يحذر من صراع إقليمي وترامب يرد متوعدا

 

*تقرير خاص المرصد/فريق الرصد والمتابعة

أطلق المرشد الإيراني علي خامنئي تحذيرا غير مسبوق في حدّته، حين أكد أن أي هجوم امريكي على إيران لن يبقى في إطار مواجهة ثنائية، بل سيتحول إلى حرب إقليمية شاملة.

خطاب خامنئي لم يكن موجها إلى الداخل الإيراني فقط، بل حمل رسالة ردع واضحة إلى واشنطن وحلفائها، مفادها أن كلفة الحرب لن تكون محصورة في الجغرافيا الإيرانية.

خامنئي شدد على أن إيران لن تكون البادئة بالحرب، لكنها سترد «بقوة وحزم»، معتبرا أن الحشود الامريكية في المنطقة ليست جديدة، وأن الشعب الإيراني «لا يُخيفه منطق حاملات الطائرات». وفي خلفية هذا الخطاب، أعاد المرشد ربط التصعيد الامريكي بما وصفه بمحاولات «ابتلاع إيران» وإضعافها من الداخل عبر الحرب النفسية والاضطرابات.

وفي تعليقه على التهديدات الامريكية، هدد خامنئي، اليوم الأحد، لأول مرة، بإشعال "حرب إقليمية" إذا تعرضت بلاده إلى عدوان امريكي، قائلا: "على الامريكيين أن يعلموا أنه إذا أشعلوا حربا، فإنها هذه المرة ستكون حربا إقليمية". وأضاف خامنئي خلال لقاء شعبي، أن "الشعب الإيراني سيوجّه ضربة قوية وحازمة لكل من يشنّ هجوما عليه أو يؤذيه"، مشيرا إلى أن إرسال حاملات الطائرات والمدمرات والقطع الامريكية إلى المنطقة "ليس أمرا جديدا"، لافتا إلى أنه "في الماضي أيضا كان الامريكيون يكرّرون في تصريحاتهم التهديد، ويقولون إن جميع الخيارات مطروحة على الطاولة، بما في ذلك خيار الحرب".

وعن تهديدات ترامب لإيران، قال خامنئي: "هذا الشخص أيضا يكرّر الادعاء بأننا جلبنا الحاملات وغيرها… لا ينبغي إخافة الشعب الإيراني بهذه الأمور، فالشعب الإيراني لا يتأثر بمثل هذه التهديدات". وشدد على أن إيران لن تبدأ أي حرب ولن تهاجم أي بلد "لكن الشعب الإيراني، في مواجهة من يعتدي عليه أو يؤذيه، سيوجّه له ضربة قوية".

 

ردّ ترامب… القوة جاهزة والصفقة ما زالت ممكنة

في المقابل، جاء ردّ الرئيس الامريكي دونالد ترامب ليجمع بين التهديد العسكري المفتوح والإبقاء على نافذة التفاوض. فمن منتجع «مارالاغو»، تحدث ترامب بوضوح عن اقتراب القوات الامريكية من الجهوزية الكاملة، مشيرا إلى وجود «أضخم السفن وأقواها» في طريقها إلى مواقعها خلال أيام.

لكن اللافت في تصريحاته لم يكن التهديد بحد ذاته، بل الصيغة التي استخدمها:«آمل أن نتوصل إلى صفقة، وإذا لم يحدث ذلك، فسنكتشف إن كان على حق أم لا».

هذه العبارة تختصر مقاربة ترامب التقليدية: ضغط عسكري أقصى مقرون بعرض تفاوضي مشروط، حيث تصبح القوة أداة لفرض شروط الاتفاق، لا بديلا فوريا عنه.

وعلى الرغم من لهجته الصلبة، اعترف ترامب صراحة بأن إيران تتحدث مع واشنطن، وأن هناك اتصالات جارية قد تفضي إلى اتفاق. لكنه في الوقت نفسه رفض مشاركة خططه العسكرية حتى مع حلفائه الخليجيين، في إشارة إلى أن الغموض جزء أساسي من استراتيجيته التفاوضية.

وذكر ترامب أن الولايات المتحدة لا تستطيع مشاركة الخطط العسكرية مع الحلفاء في الخليج أثناء التفاوض مع إيران، حتى مع انتقال وجود بحري امريكي كبير إلى المنطقة. وقال: "حسنا، لا يمكننا إخبارهم بالخطة. إذا أخبرتهم بالخطة، فسيكون الأمر سيئا تقريبا مثل إخبارك أنتِ بالخطة - بل قد يكون أسوأ في الواقع".

وأضاف: "لكن انظري، الخطة هي أن إيران تتحدث إلينا، وسنرى ما إذا كان بإمكاننا فعل شيء ما، وإلا فسنرى ما سيحدث... لدينا أسطول كبير يتجه إلى هناك، أكبر مما كان لدينا -ولا يزال لدينا في الواقع- في فنزويلا".

يبدو ان ترامب يتعامل مع الملف الإيراني بمنطق «المفاوضات الخشنة»:إما اتفاق بشروط امريكية صارمة، أو استخدام القوة لإعادة رسم قواعد اللعبة.

الحشد العسكري… أرمادا امريكية متعددة المسارح

التقارير الامريكية والإسرائيلية، خصوصا من «وول ستريت جورنال» و«فوكس نيوز»، تكشف أن واشنطن لا تمارس مجرد تهديد إعلامي، بل تنفذ أوسع عملية حشد عسكري في المنطقة منذ سنوات.

 

ويشمل هذا الحشد:

-حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بجناحها الجوي المتكامل.

-انتشار ما لا يقل عن ست إلى ثماني مدمرات متطورة من طراز «آرلي بيرك»، مزودة بأنظمة «إيجيس» وقدرات إطلاق صواريخ «توماهوك».

-تموضع بحري حساس قرب مضيق هرمز، وبحر العرب، وشرق المتوسط.

-تعزيز الوجود الجوي والبري في قواعد إقليمية، وعلى رأسها قاعدة «موفق السلطي» في الأردن، التي يُنظر إليها كمنصة عملياتية بعيدة نسبيا عن مدى الصواريخ الإيرانية القصيرة المدى.

-جسر لوجستي مكثف شمل عشرات طائرات النقل الاستراتيجي، وهو مؤشر كلاسيكي يسبق العمليات الكبرى أو يهيئ لها.

هذا الانتشار لا يعني بالضرورة قرارا وشيكا بالحرب، لكنه يمنح ترامب خيارات عسكرية جاهزة دون الحاجة إلى تحشيد لاحق.

 

إسرائيل في قلب الحسابات

بالتوازي، شهدت واشنطن اجتماعات أمنية رفيعة المستوى بين رئيس أركان الجيش الإسرائيلي وكبار مسؤولي البنتاغون، ركزت على التنسيق العملياتي وتكامل منظومات الدفاع الجوي.

التقديرات الإسرائيلية تنطلق من فرضية أن أي ضربة امريكية لإيران قد تستدعي ردا إيرانيا مباشرا أو عبر حلفائها، يستهدف العمق الإسرائيلي. لذلك، رفعت تل أبيب مستوى الجهوزية إلى الحد الأقصى، مع استعداد لسيناريوهات متعددة تشمل إيران، حزب الله، والحوثيين.

في هذا السياق، تصرّ القيادة الإسرائيلية على أن الخيار العسكري هو الضامن الوحيد لمنع إيران من بلوغ العتبة النووية، بينما تخشى في الوقت نفسه من أن يؤدي التفاوض غير الحاسم إلى منح طهران وقتا إضافيا.

 

بزشكيان يتهم ترامب ونتنياهو ويدعو لتغيير السلوك مع الشعب

من جهته اتّهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، اليوم السبت، الرئيس الامريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والأوروبيين بمحاولة تأجيج الاحتجاجات في إيران وتحويلها إلى "أعمال شغب وإثارة الخلافات"، مؤكدا أن الهدف هو "تقسيم إيران"، وداعيا إلى تعزيز الجبهة الداخلية في مواجهة "الأعداء" عبر تغيير السلوك وإقامة العدل.

وأضاف بزشكيان في كلمة ألقاها خلال احتفالات الذكرى السنوية لانتصار الثورة الإسلامية عام 1979: "مررنا بأيام صعبة في ما يتعلق بنوعية السلوك والمشكلات التي ظهرت في الأسابيع الماضية"، موضحا أن "جزءا من المشكلات يعود إلينا نحن، لأننا نحن أنفسنا الداء والدواء"، وتابع: "استغل الأعداء المطالب الاجتماعية وحاولوا تحويل الاحتجاجات إلى عنف وقتل وتخريب للممتلكات العامة، بما في ذلك الهجمات على القوات العسكرية والمراكز الخدمية، وهي أفعال لا مكان لها في تقاليد أي احتجاج مدني".

ومضى قائلا: "واجبنا المطلق كمسؤولين هو الاستماع إلى صوت المحتجين وحلّ مشاكلهم الحقيقية"، داعيا إلى مراجعة السلوك والأداء "حتى نُسقط ذريعة الأعداء الذين يسعون لتحويل الاحتجاج إلى بث للكراهية"، وأكد أن "الخدمة المخلصة هي السد الرئيسي في وجه اختراق العدو"، وشدد على أنّ "التغيير يجب أن يبدأ من سلوكنا وتعاملنا مع الناس، يجب أن ننظر إليهم كأسياد، لا كمن يُفرض عليهم الحكم والأوامر"، مضيفا "لا تستطيع أي قوة إسقاط حكومة وشعب يتصرفان بعدل. إذا لم يحدث هذا التغيير، فلن يُصلح بالكلام والخطابات. الناس يرون أفعالنا، لا أقوالنا".

 

لاريجاني وعراقجي… تهيئة مسار تفاوضي مشروط

على الضفة الإيرانية، برز خطاب أقل تصعيدا من قبل شخصيات محورية في صناعة القرار.

رئيس مجلس الأمن القومي علي لاريجاني اعتبر أن أجواء الحرب «مصطنعة إعلاميا»، وأن الظروف بدأت «تنضج» لفتح مسار تفاوضي، في إشارة إلى أن طهران لا ترى المواجهة العسكرية قدرا محتوما.

أما وزير الخارجية عباس عراقجي، فقدم الخطاب الأكثر توازنا وأكد أن الحرب ليست حتمية ويمكن تفاديها وشدد على أن إيران مستعدة للحرب، لكن هذا الاستعداد هدفه الردع لا التصعيد.

وأقر بوجود اتصالات غير مباشرة وتبادل رسائل عبر وسطاء إقليميين كما وضع خطوطا حمراء واضحة: لا تفاوض على البرنامج الصاروخي، وحق التخصيب السلمي غير قابل للمساومة.

في المقابل، أبدى استعدادا للتفاوض الجاد حول البرنامج النووي مقابل رفع العقوبات وضمانات موثوقة.

عراقجي لمّح أيضا إلى أن فشل المسار السياسي قد يكون نتيجة سوء تقدير أو ضغوط أطراف تسعى لجرّ واشنطن إلى حرب تخدم مصالحها الخاصة.

وأكد أن حق إيران في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية "خط أحمر"، وإذا جرى احترام هذا الحق ورفع العقوبات، فإنّ جميع التفاصيل الأخرى "قابلة للتفاوض". وفي الشأن الإقليمي، قال عراقجي إن إيران تعتقد أن مصدر التوترات في المنطقة هو الوجود العسكري الأجنبي، مشددا على أن طهران تحترم جيرانها وتفضّل معالجة قضايا الأمن والاستقرار مع دول المنطقة نفسها، من دون تدخل قوى خارجية.

وأكد أن أمن الخليج ومضيق هرمز مسألة حيوية لإيران وللعالم، مشيرا إلى أن طهران حافظت دائما على أمن الملاحة وحرية العبور، محذرا من أن أي حرب شاملة بين إيران والولايات المتحدة ستكون كارثية على المنطقة بأكملها، وأعرب عن أمله في ألّا يحدث أيّ أمر من شأنه الإخلال بأمن المضيق.

 

بين حافة الحرب وإغراء الصفقة

المشهد الحالي يقوم على توازن دقيق بين حافة الحرب وإغراء الصفقة:

-واشنطن تمتلك القدرة العسكرية والاستعداد السياسي للتصعيد.

-طهران ترفع خطاب الردع، لكنها تترك باب الدبلوماسية مواربا.

-إسرائيل تدفع باتجاه الحسم العسكري، لكنها تستعد للأسوأ.

-الوسطاء الإقليميون يحاولون منع الانفجار، مدركين أن أي حرب ستكون كارثية على الإقليم بأكمله.

في المحصلة، لا يبدو أن القرار بالحرب قد اتُخذ بعد، لكن كل عناصرها باتت جاهزة. والمرحلة الراهنة قد تكون الفرصة الأخيرة لترجمة التهديدات المتبادلة إلى صفقة سياسية، قبل أن يتحول التصعيد الكلامي إلى مواجهة تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة، وتمتد إلى كامل الشرق الأوسط.


02/02/2026