*هنري جي باركي
مجلة"فورين بوليسي"الامريكية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
شهدت سوريا خلال الايام الماضية اعنف جولات القتال منذ سقوط نظام حزب البعث بقيادة بشار الاسد في كانون الاول 2024،فبعد سلسلة من الاشتباكات العنيفة، تمكنت الحكومة السورية الجديدة برئاسة احمد الشرع من ابعاد قوات سوريا الديمقراطية من مساحات واسعة من الاراضي التي كانت تسيطر عليها.
ويمثل ذلك تحولا دراماتيكيا في مسار القوة ذات الغالبية الكردية، التي كانت لفترة طويلة الحليف الرئيسي لواشنطن في محاربة تنظيم الدولة الاسلامية.
لكن حتى مع هزيمة قوات سوريا الديمقراطية وانهيار علاقتها بواشنطن، فان اثر هذا الفصل السياسي سيبقى حاضرا في السياسة الكردية في عموم المنطقة،فالنجاحات العسكرية والسياسية التي حققتها القوات بقيادة مظلوم عبدي عززت الشعور بالفخر والثقة لدى الكرد، في حين غذى سلوك واشنطن احساسا عميقا بالخيانة.
وفي المقابل، فان هذا الانتصار سيبقى فارغا بالنسبة للحكومتين التركية والسورية ما لم تتخذا خطوات جادة لمعالجة التطلعات السياسية الكردية.
بدأ كل شيء عام 2014، حين تقدم تنظيم الدولة الاسلامية عبر شمال العراق وسوريا، ملحقا الهزيمة بقوات سورية وعراقية وكردية عراقية، وعندما رفضت تركيا طلب الرئيس الامريكي باراك اوباما تقديم المساعدة للدفاع عن مدينة كوباني السورية المحاصرة، لجأ اوباما الى قوة صغيرة نسبيا من المقاتلين ذوي الغالبية الكردية، الذين سيشكلون لاحقا قوات سوريا الديمقراطية.
استجابت هذه القوات بسرعة، ولم تكتف بعرقلة حملة تنظيم الدولة، بل تمكنت خلال القتال من اعتقال الاف من عناصر التنظيم وعائلاتهم. غير ان هذا الجهد كان مكلفا للغاية، اذ تكبد المقاتلون المدعومون امريكيا خسائر بشرية كبيرة من الرجال والنساء.
غير ان موازين القوى تبدلت عندما سقطت دمشق بيد هيئة تحرير الشام في كانون الاول 2024 وخلال عام واحد، حصل احمد الشرع، قائد الهيئة والرئيس السوري الحالي، على اعتراف دولي، والتقى قادة عالميين، وزار البيت الابيض، ونجح في رفع معظم العقوبات الدولية المفروضة على سوريا.
اما تركيا، التي كانت علاقاتها متوترة مع نظام الاسد، فقد باتت الداعم الرئيسي للشرع، وضغطت بقوة لدى الحكومات الغربية والعربية لصالح النظام السوري الجديد.
كانت انقرة قلقة من مخاطر قيام حكم ذاتي كردي في سوريا بدعم امريكي، وهو سيناريو تعتبره محتملا وخطيرا في آن واحد فالدعم الامريكي كان حاسما في تأسيس حكومة اقليم كردستان العراق، ويدرك القادة الاتراك ان قيام اقليم كردي ذاتي ثان سيعزز مطالب الكرد بنوع من الحكم الذاتي داخل تركيا.
ومن وجهة نظر انقرة، لا تعد قوات سوريا الديمقراطية سوى منظمة ارهابية، اذ ان طابعها السوري ومهامها الميدانية لا يغيران من اصولها المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، الجماعة الكردية المسلحة التي خاضت تركيا ضدها صراعا لعقود وتصنفها منظمة ارهابية.
في هذا السياق، عزز ضعف نظام الاسد من نفوذ قوات سوريا الديمقراطية داخل سوريا ورفع من قيمتها لدى الامريكيين، وفي المقابل، اتاح ذلك لتركيا، التي سعت منذ زمن الى تفكيك هذه القوات بالكامل، هامشا اوسع للتحرك داخل البلاد ولهذا الغرض، انشأت انقرة ومولت الجيش الوطني السوري، وهو تشكيل عسكري يتكون في معظمه من العرب، وتدخلت عسكريا في سوريا ثلاث مرات لدفع قوات سوريا الديمقراطية بعيدا عن الحدود التركية.
واليوم، تسيطر انقرة على مساحات واسعة داخل سوريا وقد دعم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ومسؤولون اخرون باستمرار رغبة الشرع في دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري، ملوحين ايضا بتدخل عسكري مباشر لحسم الملف. ونتيجة لذلك، تعيش انقرة حالة من الابتهاج ازاء نجاح قوات الحكومة السورية خلال الاسبوع الماضي.
ربما كان الاثر الاكثر عمقا لقوات سوريا الديمقراطية على الوعي الكردي هو اثبات امكانية الادارة الذاتية،فقد جمعت روجافا، كما يسمي الكرد مناطقهم في سوريا، بين القوة العسكرية والادارة المدنية، مقدمة نموذجا محتملا لاقليم فيدرالي داخل سوريا على غرار اقليم كردستان العراق، ورغم المشكلات الادارية، اكتسب هذا المثال الملموس للحكم الذاتي الكردي مكانة اسطورية لدى الكرد في كل مكان، غير ان الانتكاسات الاخيرة التي تعرضت لها القوات، والشروط التي تسعى الحكومة السورية لفرضها، توحي بان حلم الحكم الذاتي بات بعيد المنال.
بالنسبة للولايات المتحدة، كانت الشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية ضرورية بسبب خطر تنظيم الدولة الاسلامية وكان التحالف مع قوة تنتمي الى اقلية عرقية ناقمة خيارا مريحا، وان كان غير تقليدي، اذ وفر حليفا موثوقا باقل كلفة ميدانية.
اما بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية، فقد جلب التحالف مع اقوى دولة في العالم ثلاث فوائد اساسية هي الشرعية، والحماية الجزئية، وتعزيز موقعها التفاوضي مع دمشق، ولهذا، شكل الشعور بالتخلي او حتى الخيانة من قبل الولايات المتحدة خيبة امل كبرى ثانية للطموحات الكردية.
ورغم ان المسؤولين الامريكيين سعوا دوما الى خفض سقف التوقعات، واصفين العلاقة بانها مؤقتة وتكتيكية، فان كرد سوريا والقوات اعتمدوا على دعم قوي من الحزبين داخل الكونغرس والحكومة الامريكية كما لعبت العلاقة المتينة التي نشأت بينهم وبين الجيش الامريكي خلال سنوات القتال دورا بالغ الاهمية.
غير ان توماس باراك، السفير الامريكي لدى تركيا ومبعوث الرئيس دونالد ترامب الى سوريا، سحب الغطاء من تحت قوات سوريا الديمقراطية في 20 كانون الثاني، معلنا عبر منصة اكس ان الغاية الاصلية للقوات كقوة رئيسية لمحاربة تنظيم الدولة قد انتهت الى حد كبير واضاف ان الحكومة السورية ستتولى مسؤولية المعتقلين المتبقين من عناصر التنظيم، الذين يصل عددهم الى نحو تسعة الاف مقاتل وثلاثين الفا من افراد عائلاتهم.
في المقابل، بدت اجزاء اخرى من الحكومة الامريكية اقل اقتناعا بموثوقية سوريا كشريك في مكافحة الارهاب،فبعد تقارير عن فرار بعض معتقلي تنظيم الدولة، اطلقت القيادة المركزية الامريكية عملية واسعة الاسبوع الماضي لنقل بقية المعتقلين من سوريا الى مواقع اكثر امنا في العراق.
اسهم الخلل في عملية صنع القرار داخل واشنطن، الى جانب الضغط التركي، في زعزعة الاستقرار، فقد جاء قرار ترامب المفاجئ برفع العقوبات عن سوريا في ايار 2025 مباشرة بعد محادثات مع اردوغان وولي العهد السعودي محمد بن سلمان. ولم تكن هذه سابقة. ففي تشرين الاول 2019، وبعد يوم واحد من اتصال هاتفي مع اردوغان، اعلن ترامب ان على الكرد ان يحلوا وضعهم مع جيرانهم ومع تنظيم الدولة، ثم قرر سحب القوات الامريكية من الحدود السورية التركية. وفي نهاية المطاف، منعت ردود الفعل السياسية داخل واشنطن انهاء الانخراط الامريكي بالكامل.
وفي عام 2026، عاد اردوغان ليلعب دورا في قرار ترامب قطع العلاقات مع قوات سوريا الديمقراطية وفي الحالتين، صدرت القرارات دون مراعاة كافية للتنفيذ او لمسائل نقل السجناء وغيرها.
ونتيجة لهذه التطورات، تلقت الطموحات الكردية في عموم المنطقة ضربة قاسية.
تستطيع تركيا الادعاء بتحقيق نصر استراتيجي، ليس فقط بسبب ما لحق بقوات سوريا الديمقراطية من اضرار جسيمة، بل ايضا لانها باتت القوة الاكثر نفوذا في سوريا، معززة مكانتها في الشرق الاوسط.
ويقترب الشرع من تحقيق هدفه في اعادة مركزية سوريا ضمن صيغة اسلامية وقومية عربية. وعلى النقيض، تضررت سمعة الولايات المتحدة، ولن يقتصر اعتبارها طرفا غير موثوق على الكرد وحدهم، بل سيشمل معظم الفاعلين في المنطقة.
وسيكون لهذه التطورات صدى داخل تركيا ايضا، حيث تسعى الحكومة الى ما تسميه عملية سلام مع حزب المساواة والديمقراطية للشعوب المؤيد للكرد، ورغم محدودية التقدم، فان ما يميز هذه المحاولة هو موافقة انقرة على اشراك زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل عبد الله اوجلان. وقد اعلن الحزب في ايار الماضي انه انهى رسميا كفاحه المسلح. ومع ذلك، تبقى العملية هشة لغياب رؤية مشتركة لنهايتها.
ومن شأن التطورات في سوريا ان تعمق هذا الانقسام، فبمرسوم رئاسي صدر قبيل بدء المعركة مع قوات سوريا الديمقراطية، اعترف الشرع من جانب واحد ببعض الحقوق الكردية في سوريا اذ اعتبر اللغة الكردية لغة وطنية، وان لم تكن رسمية، تدرس في التعليمين العام والخاص في مناطق محددة، واعلن عيد نوروز عطلة وطنية.
ورغم صدور هذه القرارات بمرسوم قابل للالغاء ومن دون مشاورات مسبقة، فانها تظل اعترافا بالهوية لا يحظى به اي كردي في تركيا وقد ايد دولت بهجلي، الزعيم القومي التركي المتشدد وشريك اردوغان في الحكم، اصلاحات الشرع بالكامل، من دون الاعتراف بان كرد تركيا يطالبون بالحقوق ذاتها واكثر.
وعلى المدى القريب، تبقى تركيا عرضة لتصاعد العنف في سوريا فرغم خسارة الكرد السوريين، فانهم يتوقعون على الاقل بعض التنازلات في ما يتعلق بالادارة في المناطق ذات الغالبية الكردية.
ومن المرجح ان تؤدي محاولات الشرع المتواصلة لازاحة الكرد من مواقع اساسية الى اندلاع عنف اكبر،فمدينة كوباني الكردية ذات الرمزية العالية، حيث تشكل التحالف مع الولايات المتحدة عام 2014، تخضع حاليا لحصار من قبل قوات النظام السوري رغم وقف اطلاق النار.
ومرة اخرى، يراقب كرد تركيا حكومتهم وهي تشجع القوى الاسلامية التي تهاجم نظراءهم العرقيين عبر الحدود.وهي اشارة سيئة لما هو قادم، فعلى مدى عقود، سعت الحكومات التركية والسورية السابقة الى اخضاع السكان الكرد بالقوة، لتغذي بذلك دوامة عنف وعدم استقرار، ومع خروج واشنطن من المشهد، قد يميل اردوغان والشرع الى مضاعفة هذا النهج، لكن من غير المرجح ان يكونا اكثر نجاحا من اسلافهما.
*زميل اول غير متفرغ لدراسات الشرق الاوسط في مجلس العلاقات الخارجية، واستاذ العلاقات الدولية الفخري في جامعة ليهاي.