×


  بحوث و دراسات

  إردوغان في السعودية ومصر: التحالف الإسرائيلي – الإماراتي في المِهداف



*د.محمد نور الدين

 

في وقت كان يواصل فيه الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، جولة إقليمية تشمل السعودية ومصر، تلقّت بلاده صدمة غير متوقّعة، تمثّلت في نقل مكان الحوار المُزمع بين إيران والولايات المتحدة من إسطنبول إلى سلطنة عُمان، ثم بالإعلان عن إلغاء المحادثات؛ علما أن تلك الجولة لا ينفصل أحد أبعادها عمّا كانت تُحضِّر له أنقرة من وساطة بين طهران وواشنطن، لمنع الانفجار الكبير الذي يمكن أن تشهده المنطقة.

وفي ظلّ صعوبة توقّع النتائج التي يمكن أن تخرج من الاجتماع المُنتظر في عُمان، يرى مراقبون أتراك أن التحدّي الذي تواجهه الوساطة التركية يأتي من جانب إسرائيل، التي ستعمل على إفشال الحوار لمنع تركيا من تحقيق مكاسب سياسية، بحسب ما يذهب إليه الكاتب ألب أصلان أوز إيرديم.

ومن وجهة نظر أوز إيرديم، فإن «هدف الحوار لم يعد التوصّل إلى اتفاقات بقدر ما هو فتح مسارات عامة تؤجّل السيناريوات الأسوأ، والعمل على عامل الوقت، وإبقاء الدبلوماسية مفتوحة، منعا لانفجار الأوضاع وخروجها عن السيطرة». ويعتقد أنه «نظرا إلى خبرة تركيا في الملف الإيراني، فإن على أنقرة أن تختار بين دور الوسيط، رغم صعوبته، وتحمّل عواقب قرارات الآخرين».

لكنّ الهدف التركي يبدو أبعد من مجرّد التوسّط بين الولايات المتحدة وإيران أو تحسين العلاقات مع إسرائيل - التي ربط وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، تطوّرها بمآل الوضع في غزة -؛ إذ يطاول، على ما يَظهر، رغبة أنقرة في أن يكون لها دور أوسع في قضايا المنطقة وجوارها الجغرافي. ولعلّ مما دلّ على ذلك، سعي تركيا لتوسيع إطار الحوار ليشبه مؤتمرا يضمّ دولا أخرى غير معنية مباشرة، مثل قطر ومصر وربما السعودية والإمارات، وحتى باكستان؛ وهو ما رفضته طهران، التي أرادت أن يكون الحوار ثنائيا فقط بينها وبين واشنطن. واستدعى هذا الرفض تغيير مكان المفاوضات - من إسطنبول إلى عُمان -، بناء على طلب إيراني وافقت عليه الولايات المتحدة، في خطوة فاجأت «صديق ترامب» إردوغان.

وشكّلت التطورات، التي جاءت في ذروة زيارة إردوغان للسعودية ومصر، نكسة للدبلوماسية التركية، بعدما كانت صحيفة «صباح» وصفت الرئيس التركي بأنه «مهندس السلام في المنطقة». كما عكست «عدم ثقة» إيرانية بالدور التركي بصيغته الحالية، ولا سيما أن طهران لم تنسَ بعد دور أنقرة السلبي في تطورات الوضع في سوريا.

وسبق أن أعلن إردوغان، خلال زيارته للسعودية، أن بلاده مستعدّة للقيام بدور «تسهيلي» في الحوار بين إيران والولايات المتحدة، مؤكدا أن تركيا «مع كل خطوة تعزّز السلام في مواجهة الحرب»، ومعتبرا أن العلاقات التركية – السعودية مهمّة لكل دول المنطقة. وكانت العلاقات الاقتصادية وتعزيز الاستثمار السعودي في تركيا في صلب المباحثات بين إردوغان وولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ولا سيما في ظلّ تراجع مؤشّرات الاقتصاد التركي، وانخفاض سعر العملة، والارتفاع الكبير في نسبة التضخم.

 ورافق إردوغان في الزيارة وفدٌ وزاري كبير ضمّ وزراء الخارجية والدفاع والطاقة والصناعة والصحة والشؤون الاجتماعية وآخرين.

كذلك، حضرت الأوضاع في سوريا وغزة، وأيضا في الصومال والسودان، على جدول المحادثات، حيث تجد تركيا والسعودية نفسيهما في تقاطع مصالح في مواجهة دور الإمارات.

ويرى الباحث في مركز «أورسام» للدراسات الاستراتيجية، حسين بحري قورت، أن احتدام المنافسة بين الرياض وأبو ظبي يُضفي على زيارة إردوغان طابعا استراتيجيا، معتبرا الأخيرة محاولة لمأسسة التعاون بين البلدين في مواجهة المخاطر المشتركة، ولا سيما في سوريا.

ويشير قورت إلى أن مسألة انضمام تركيا إلى التحالف العسكري بين السعودية وباكستان وُضعت «على نار حامية»، وهي تؤشّر إلى قيام بنية أمنية إقليمية جديدة. ويلفت إلى أن هذا «التعاون الهجين» يجمع بين رأس المال السعودي، وتقدّم الصناعة الدفاعية التركية، وقدرة الردع النووي الباكستانية؛ وهو يستهدف مواجهة مصدر تهديد مشترك، متمثّل بالتحالف الإسرائيلي – الإماراتي، الذي يُنظر إليه في تركيا والسعودية على أنه عامل زعزعة للاستقرار الإقليمي، بعدما لم تعُد إيران التهديد الداهم كما في السابق.

ولا تبتعد زيارة إردوغان لمصر عن محاولة تعزيز التعاون لمواجهة تحدّيات مشتركة في السودان والصومال، والسعي إلى حلول للقضايا الخلافية. غير أن الوضع في غزة يتقدّم فيها على ما عداه، نظرا إلى الدور المحوري لمصر في تطورات القطاع، والعلاقة التركية القوية مع حركة «حماس».

 وفي هذا الإطار، تبرز قضية مشاركة تركيا في القوة المُزمع تشكيلها لحفظ الأمن في غزة، في ظلّ معارضة إسرائيل لتلك المشاركة، والموقف المصري الغامض منها. ورغم كسر الجليد بين أنقرة والقاهرة، تبقى قضايا من مثل التعاون بين مصر وكلّ من قبرص واليونان وإسرائيل في شرق المتوسط، أمنيا وعلى صعيد الطاقة، عامل تباعد بين البلدين. كذلك، لا تزال الأوضاع في ليبيا، المنقسمة بين طرف مؤيّد لتركيا وآخر لمصر، عائقا أمام تحسّن العلاقات أيضا.

*صحيفة"الاخبار"اللبنانية


08/02/2026