*سيما شاين و الداد شافيت
معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
تشهد العلاقات المتوترة بين ايران والولايات المتحدة، والتي تصاعدت مع حشد القوات الامريكية في المنطقة بعد ايام من اندلاع الاحتجاجات الواسعة داخل ايران، حالة من الهدوء الحذر، في ظل خطط لعقد اجتماع بين الطرفين في السادس من فبراير في سلطنة عمان. ويأتي هذا التطور في وقت يدرك فيه الرئيس الامريكي دونالد ترامب خطورة التراجع عن التهديدات التي رافقت الحشد العسكري، لما لذلك من تداعيات مباشرة على صورة الردع الامريكي اقليميا ودوليا، خاصة في حال عدم تحقيق اي انجاز ملموس تجاه ايران.
في المقابل، لا يبدو ان الادارة الامريكية بلورت حتى الان خطة عمل قصيرة المدى تفضي الى قرار حاسم. اما النظام الايراني، الذي يمر بواحدة من اضعف مراحله منذ قيام الجمهورية الاسلامية، فينطلق من هاجس البقاء قبل اي اعتبار اخر. وعليه، يفترض ان يعكس الاجتماع المرتقب رغبة متبادلة، وبدفع من دول المنطقة، في التوصل الى تفاهمات تحول دون الانزلاق الى مواجهة عسكرية مفتوحة. غير ان عمق الخلافات بين الجانبين يجعل الخيار العسكري قابلا للعودة الى الواجهة في حال غياب تنازلات ايرانية جوهرية.
في الوقت ذاته، فان اي اتفاق يقتصر على الملف النووي، ويتضمن تخفيفا جزئيا للعقوبات، من شانه ان يمنح النظام الايراني فرصة لالتقاط الانفاس، لكنه سيشكل خيبة امل كبيرة للشعب الايراني. ومن منظور اسرائيلي، فان مثل هذا الاتفاق لن يعالج التحديات الاساسية المتمثلة في تسارع انتاج الصواريخ الايرانية واستمرار دعم طهران لحزب الله والميليشيات المسلحة في العراق واليمن.
وبعد اكثر من شهر على اندلاع الاحتجاجات في ايران، والتي تراجعت حدتها بفعل القمع العنيف الذي مارسه النظام، وفي ظل تصريحات ترامب الداعمة للمتظاهرين، والحشد العسكري الامريكي، والتهديدات المتكررة باستخدام القوة، تتجه الانظار الى اللقاء المرتقب في مسقط بين مبعوثي الرئيس الامريكي، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ووزير الخارجية الايراني عباس عراقجي. وفي حال انعقاده، سيكون هذا اللقاء الاول منذ عملية "عم كلافي" والهجوم الامريكي على المنشات النووية الايرانية في يونيو 2025، حين منحت واشنطن الضوء الاخضر للهجوم الاسرائيلي وشاركت فيه رغم وجود مفاوضات جارية حينها.
ويعد هذا الاجتماع ثمرة جهود دبلوماسية مكثفة قادتها دول اقليمية، في مقدمتها تركيا وقطر ومصر، سعيا لتجنب مواجهة عسكرية شاملة بين واشنطن وطهران. ومع ان الهدف المعلن هو تهدئة التوتر، الا ان الشكوك ما تزال قائمة حول ما اذا كانت نية الطرفين تتجاوز الرمزية الى محاولة جادة لردم الفجوات العميقة، خاصة فيما يتعلق بمستقبل البرنامج النووي الايراني.
يجد الرئيس ترامب نفسه عالقا بين مسارين متناقضين: التهديد باستخدام القوة من جهة، والسعي الى انهاء النزاعات عبر اتفاقات تفرض من موقع قوة من جهة اخرى. وهو يدرك ان التراجع دون انجاز سيقوض مصداقية الردع الامريكي، لكنه في الوقت ذاته لا يرغب في الانجرار الى حرب طويلة. لذلك طالب فريقه السياسي والامني بخطة سريعة وفعالة، على غرار عمليات سابقة قصيرة وحاسمة لم تسفر عن خسائر بشرية امريكية.
غير ان اي هجوم استراتيجي على ايران، اذا ما تقرر، سيختلف جذريا عن تلك النماذج، اذ يتطلب جهدا عسكريا واسعا يصعب اختزاله بعملية محدودة. فالمطالب الامريكية المعلنة تشمل وقف تخصيب اليورانيوم، وتقليص الترسانة الصاروخية، وانهاء دعم الوكلاء الاقليميين، وهي اهداف يصعب تحقيقها دون الانزلاق الى صراع طويل، قد يشمل هجمات على قواعد امريكية واسرائيل وحلفاء واشنطن في الخليج.
منذ اندلاع الاحتجاجات في 28 ديسمبر 2025، بات النظام الايراني ينظر الى ما يجري بوصفه تهديدا وجوديا. فقد عزز اتساع رقعة الاحتجاجات، والدعم الامريكي العلني لها، والاشارات الاسرائيلية، وموقف رضا بهلوي، قناعة القيادة الايرانية بان الهدف هو اسقاط النظام. لذلك جاء القمع اعنف واشمل من اي موجة احتجاج سابقة.
في هذا السياق، اعتمدت طهران مسارين متوازيين: خطابا متشددا يرفض الاستسلام ويهدد بالتصدي لاي هجوم، وتحركا دبلوماسيا مكثفا شمل اتصالات اقليمية وزيارات الى انقرة وموسكو. كما جرى تفعيل الحلفاء الاقليميين، حيث صدرت تهديدات باستخدام قدراتهم في حال تعرض ايران لهجوم.
وعليه، يفترض ان يعكس اجتماع عمان رغبة مشتركة في استنفاد فرص التفاهم وتجنب الحرب، رغم استمرار التصعيد اللفظي. ولا يزال من غير الواضح ما اذا كان الاجتماع خطوة رمزية ام مدخلا لمسار تفاوضي فعلي. وتشير تقارير غير مؤكدة الى وجود مسارين تفاوضيين، احدهما نووي والاخر يتعلق بباقي ملفات النزاع، بينما تؤكد طهران انها مستعدة لبحث الملف النووي فقط.
من المرجح ان تبدي ايران مرونة محدودة في القضايا النووية، خاصة بعد تضرر منشاتها في هجوم يونيو 2025، لكنها ترفض بشكل قاطع اي تنازل يتعلق ببرنامجها الصاروخي او دعمها لحلفائها، معتبرة ذلك جزءا من منظومة الردع والاساس الايديولوجي للنظام. ومن هنا، تبدو فرص التوصل الى اتفاق شامل ضئيلة، ما لم يدفع الخوف من الحرب الطرفين الى تخفيف مواقفهما جذريا.
تمر ايران اليوم بواحدة من اصعب مراحلها منذ عقود، مع تداخل غير مسبوق بين ازمات داخلية خانقة وتهديدات امنية حادة. فقد تراجع نفوذ "محور المقاومة"، وفشلت طهران في ردع هجمات مباشرة، فيما يتصاعد الغضب الشعبي في ظل ازمات اقتصادية خانقة وفساد مستشر وعجز بنيوي عن تقديم حلول.
في المقابل، يسعى ترامب الى اختبار سقف الممكن دبلوماسيا، مع الحفاظ على تهديد عسكري ذي مصداقية، بهدف طمأنة الحلفاء والرأي العام الداخلي. لكنه لم يغلق باب الخيار العسكري، وقد يعود بقوة اذا تبين له ان طهران تكرر سياسة كسب الوقت دون تقديم تنازلات.
ومع ذلك، يمكن القول ان ايران حققت في هذه المرحلة انجازا مرحليا بصد الهجوم، ما يعزز موقع التيار المتشدد داخل النظام. وقد لمح وزير الخارجية الايراني الى ان ثمار هذا الموقف ستظهر قريبا على الساحة الدبلوماسية.
اخيرا، فان اي اتفاق يقتصر على الملف النووي مقابل رفع العقوبات سيمنح النظام فرصة للبقاء، لكنه سيشكل صدمة قاسية للشعب الايراني.
ومن هنا، يبرز تساؤل جوهري حول ضرورة ان يتضمن اي اتفاق مستقبلي، الى جانب القضايا الامنية، ضمانات تتعلق بسلامة المعتقلين وسلوك النظام تجاه شعبه. اما من منظور اسرائيلي، فان الاتفاق النووي وحده لن يحد من التهديد الصاروخي ولا من دعم ايران لوكلائها، خاصة اذا اقترن بتخفيف واسع للعقوبات.