*عباس عبدالرزاق
قراءة في التحولات البنيوية ومعادلات القوة
لم تعد المسألة السورية تُختزل في صراع عسكري أو تسوية سياسية مؤجلة، بل باتت تمثل نموذجا مركبا لتحولات بنيوية عميقة تمسّ طبيعة الدولة والمجتمع والأمن الإقليمي. وفي قلب هذه التحولات، يعود سؤال الإرهاب الجهادي، لا بوصفه ظاهرة منتهية، بل كتهديد قابل لإعادة التشكل وفق شروط جديدة.
تشير التقارير الأمنية الغربية والأمريكية إلى أن تنظيم داعش لم يتراجع بقدر ما أعاد تموضعه داخل الجغرافيا السورية، مستفيدا من هشاشة السلطة وتداخل مناطق النفوذ بين الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين. هذا التحول من نموذج السيطرة الإقليمية إلى نموذج الشبكات المرنة يعكس انتقال التنظيم من مرحلة “الدولة” إلى مرحلة “اللامركزية العملياتية”، وهو نمط أكثر قدرة على البقاء والاستنزاف طويل الأمد.
التحول من الصراع العسكري إلى الصراع البنيوي
يكمن جوهر التهديد الجهادي اليوم في انتقاله من المجال العسكري إلى المجال البنيوي، حيث تتداخل العوامل الأمنية مع التحولات الاجتماعية والعقائدية. فالمؤشرات الميدانية لا تتعلق فقط بنشاط الخلايا المسلحة، بل تشمل إعادة تشكيل المجال العام وفق مرجعيات دينية محافظة،
وتظهر المؤشرات العقائدية لهذا التحول بوضوح في توزيع كميات كبيرة من الكتب السلفية والدعوية، في ما يمكن اعتباره محاولة لإعادة هندسة الوعي الجمعي وخلق منظومة ولاء جديدة تستند إلى مرجعيات طائفية وعقائدية. هذا الواقع يطمس الفواصل التقليدية بين الفصائل الإسلامية والجهادية وداعش، ليصبح التنقل بينها أمرا تكتيكيا سريعا، كما لو كانت خنادق متصلة تحت الأرض .
وانتشار الأدبيات السلفية، ومحاولات بناء منظومات ولاء جديدة على أساس عقائدي وطائفي.
هذا التحول يعكس ما يمكن وصفه بـ«إعادة هندسة الوعي السياسي والاجتماعي»، حيث يصبح التطرف نتيجة طبيعية لبيئة فكرية يتم إعدادها تدريجيا، وليس مجرد رد فعل على ظروف أمنية طارئة.
المساحة الرمادية بين الفاعلين الإسلاميين
تُظهر الوقائع السورية وجود «مساحة رمادية» واسعة بين الفصائل الإسلامية المسلحة والتنظيمات الجهادية، حيث لا تقوم الفواصل بينها على اختلافات عقائدية حادة بقدر ما تقوم على اعتبارات تكتيكية وسياسية. هذه المساحة الرمادية تتيح انتقال المقاتلين بين التنظيمات المختلفة، وتخلق بيئة هجينة تتداخل فيها الأيديولوجيا مع البراغماتية العسكرية.
من منظور استراتيجي، يشكل هذا الواقع تحديا مزدوجا: فهو يضعف قدرة السلطة المركزية على احتواء التهديد، ويقوّض في الوقت ذاته فعالية المقاربات الدولية التي تفترض وجود حدود واضحة بين “الإسلام السياسي” و”الجهادية الراديكالية”.
اختبار الحكومة الانتقالية وحدود الدولة
تواجه الحكومة الانتقالية السورية اختبارا يتجاوز القدرة العسكرية إلى مسألة احتكار الشرعية والسيطرة الرمزية على المجال العام. فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على ضبط الأمن، بل بقدرتها على إنتاج خطاب جامع، وتفكيك البنى الاجتماعية التي تسمح بتكاثر الولاءات ما دون الوطنية.
في هذا السياق، تبدو الدولة السورية في مرحلة انتقال من نموذج الدولة المركزية إلى نموذج الدولة الهشة متعددة مراكز القوة، حيث تتنافس الفصائل المسلحة، والفاعلون المحليون، والقوى الإقليمية على إعادة تعريف مفهوم السيادة.
معادلة «قسد» وإعادة توزيع الأدوار الدولية
تمثل قوات سوريا الديمقراطية عنصرا محوريا في المعادلة الأمنية شمال شرق سوريا. ورغم الخسائر البشرية التي تكبدتها، فإن بنيتها التنظيمية لم تتفكك بالكامل، ما يجعلها لاعبا لا يمكن تجاهله في أي مقاربة دولية لمكافحة الإرهاب.
من منظور واشنطن، لا تزال «قسد» تمثل أداة استراتيجية مزدوجة: فهي من جهة حاجز أمام تمدد داعش، ومن جهة أخرى ورقة ضغط في التوازنات مع أنقرة ودمشق وموسكو. وبالتالي، فإن أي تراجع في دورها قد يفتح فراغا أمنيا يصعب ملؤه، وهو ما يفسر تردد الولايات المتحدة في تقليص وجودها العسكري في سوريا.
تركيا بين منطق الأمن ومنطق النفوذ
تجد تركيا نفسها أمام معادلة معقدة في شمال سوريا، حيث يتقاطع هاجس الأمن القومي مع منطق النفوذ الإقليمي. فمن جهة، تسعى أنقرة إلى منع تمدد داعش، ومن جهة أخرى تعمل على احتواء نفوذ «قسد» باعتبارها امتدادا لحزب العمال الكردستاني.
هذا التوازن الهش يجعل السياسة التركية جزءا من المشكلة بقدر ما هي جزء من الحل، إذ يؤدي تداخل المصالح إلى إنتاج مناطق نفوذ رمادية، تشكل بيئة مثالية لإعادة تموضع التنظيمات الجهادية.
الاقتصاد السياسي للتطرف
لا يمكن فهم عودة التهديد الجهادي دون تحليل البعد الاقتصادي للصراع السوري. فالفقر، وانهيار البنى التحتية، وغياب فرص العمل، تشكل عوامل بنيوية لإعادة إنتاج التطرف.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن استثمارات دولية واسعة في سوريا أقرب إلى الرهان السياسي منه إلى مشروع اقتصادي قابل للحياة.
إن الاقتصاد السياسي للتطرف يكشف أن الإرهاب ليس مجرد ظاهرة أمنية، بل نتيجة مباشرة لاختلالات عميقة في توزيع السلطة والثروة والشرعية.
سوريا كساحة لإعادة تعريف التوازنات الإقليمية
في المحصلة، تبدو سوريا اليوم ساحة لإعادة تعريف التوازنات الإقليمية والدولية. فعودة داعش، إن حدثت، لن تكون مجرد ظاهرة أمنية، بل مؤشرا على فشل منظومة إدارة الصراع التي اعتمدتها القوى الكبرى خلال العقد الماضي.
السؤال الاستراتيجي لم يعد مرتبطا بإمكانية عودة داعش، بل بقدرة الفاعلين المحليين والدوليين على منع تحول سوريا إلى نموذج دائم للدولة الهشة، حيث تتداخل السيادة مع النفوذ، والأيديولوجيا مع السياسة، والأمن مع الاقتصاد.
وفي هذا المعنى، فإن معركة ما بعد داعش ليست عسكرية بقدر ما هي معركة على شكل الدولة والمجتمع والنظام الإقليمي في الشرق الأوسط.