دمشق- يشكل الدمج الكامل للكورد في سوريا اليوم أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية في الشرق الأوسط، لما يمثله من أولوية داخلية للحكومة السورية، ولما يحمله من انعكاسات على الاستقرار الإقليمي والدور الدولي في الأزمة السورية.
وبعد سنوات طويلة من الحرب الأهلية والانقسامات العرقية والسياسية، أصبح دمج الكورد ضمن الدولة السورية خطوة حاسمة لتجنب تجدد النزاع المسلح واحتواء الطموحات الانفصالية التي قد تستغلها قوى إقليمية مثل إيران وروسيا وتركيا، فضلا عن تنظيم الدولة الإسلامية، لزرع الفوضى في البلاد والمنطقة.
ويمثل هذا الدمج أيضا محاولة لتحقيق استقرار طويل الأمد بعد تآكل الدولة السورية نتيجة الصراعات الداخلية والانقسامات الإقليمية، ما يجعل النجاح فيه ذا أولوية قصوى لكل الأطراف المعنية، داخليا ودوليا.
وتسيطر القوى الكردية، من خلال قوات سوريا الديمقراطية والإدارات المحلية في شمال شرق سوريا، على مناطق استراتيجية غنية بالموارد، أبرزها حقول النفط والغاز، إضافة إلى مواقع زراعية وحيوية على طول الحدود الشمالية الشرقية مع العراق وتركيا.
وقد شهدت الأشهر الأخيرة اتفاقيات تهدف إلى دمج هذه المناطق تدريجيا ضمن الدولة السورية، بما يشمل القوات الكردية والإدارات المحلية، مع منح الكورد حقوقهم المدنية والتعليمية وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية.
ويعكس هذا النهج إدراك دمشق لأهمية إشراك الأقليات في إعادة بناء الدولة السورية وتجنب إعادة إنتاج صراعات الماضي التي أدت إلى دمار واسع وسقوط مئات الآلاف من الضحايا المدنيين. فالدمج السياسي للكورد ليس مجرد مسألة إدارية، بل يمثل ضمانة لمنع النزاعات المسلحة المستقبلية وفتح الباب أمام استقرار شامل في شمال سوريا، بما يعزز فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويشكل خطوة ضرورية نحو إعادة توحيد الدولة السورية على أسس شاملة وديمقراطية.
ولدمج الكامل للكورد انعكاسات مباشرة على دول الجوار، لا سيما تركيا وإسرائيل وإيران. تركيا، التي لعبت دورا محوريا في سقوط النظام السابق، تعتبر القومية الكردية عاملا حساسا في سياساتها، فهي ترى في أي تقارب بين الكورد والدولة السورية تهديدا لمصالحها الأمنية على حدودها الجنوبية، خصوصا في ظل وجود حزب العمال الكردستاني والفصائل الكردية السورية المدعومة منه.
كما أن أي تقصير دمشق في تنفيذ الدمج الكردي قد يدفع أنقرة إلى التدخل المباشر، ما قد يؤدي إلى توترات مع شركائها في حلف شمال الأطلسي ودول الاتحاد الأوروبي.
وأما إسرائيل، فترى في شمال سوريا موقعا استراتيجيا حساسا، وتهتم بمراقبة أي تحول يخص القوة الكردية خوفا من تحالفات محتملة مع إيران أو قوات دمشق، خصوصا في مناطق الحدود مع الجولان.
ومن جانبها، تسعى إيران لتعزيز نفوذها في سوريا، وتسعى لاستغلال أي انقسام محتمل بين الكورد ودمشق لإعادة فرض سيطرتها على الشمال السوري، ما يجعل نجاح الدمج الكردي ضرورة لإفشال أجندات طهران في المنطقة.
وتلعب الولايات المتحدة دورا مركزيّا في دعم الدمج الكردي، لا سيما في ضوء تاريخها الطويل من التعاون مع قسد خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
وبإمكان واشنطن الضغط على جميع الأطراف وتقديم حوافز اقتصادية ودبلوماسية لضمان تقبل دمشق للكورد ضمن الدولة، مع ربط الدعم الدولي بالامتثال للمعايير الحقوقية وإدارة القوات المحلية بشكل مدني.
كما يمكن للأمم المتحدة أن تلعب دورا مهما في مراقبة العملية وضمان احترام حقوق الأقليات، فضلا عن تسهيل تنسيق المساعدات الإنسانية والاقتصادية بما يعزز فرص الاستقرار الشامل في المنطقة.
ويمثل الربط بين الدعم الدولي والالتزام بالإصلاحات المحلية أداة ضغط فعالة لإحراز تقدم ملموس في الدمج الكردي، ويضمن ألا تتحول العملية إلى مجرد تفاوض شكلي دون تأثير على الأرض.
ورغم التقدم المبدئي، يواجه المشروع عدة تحديات جوهرية. فقد يؤدي أي فشل في الدمج الكامل إلى إعادة النزاع المسلح واستغلال القوى الإقليمية مثل إيران وروسيا وتركيا والفصائل المسلحة لتوسيع نفوذها أو زعزعة الاستقرار في شمال سوريا. كما أن هناك حاجة ماسة لتجاوز أي مقاومة داخلية من مجموعات سورية أخرى قد ترى في منح الكورد حقوقا موسعة تهديدا لمصالحها.
ويمثل الدمج أيضا اختبارا لقدرة دمشق على تنفيذ حكم محلي لائق وشفاف يضمن مشاركة فعالة للأقليات ويحد من سلطات القوات المركزية في المناطق المحلية مع الحفاظ على السيادة الوطنية واستقلال القرار السياسي.
وشهدت الأسابيع الماضية خطوات ملموسة نحو التنفيذ. فقد تم توقيع اتفاقية شاملة لتكامل قوات سوريا الديمقراطية والإدارات الكردية المحلية مع القوات الحكومية، تتضمن دمج ثلاث فرق عسكرية من قسد ضمن الجيش السوري، وتوسيع المشاركة الكردية في المجالس المحلية والإدارات المدنية.
كما نص الاتفاق على حقوق تعليمية وثقافية للكورد، وعودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية، وتفعيل آليات مشتركة للشرطة المحلية، مما يعكس التزام الدولة السورية بالشراكة العملية مع المكونات الكردية لضمان دمج فعلي ومستدام.
دمج الكورد في سوريا يشكل حجر زاوية لإعادة الاستقرار إلى الشرق الأوسط، ويتيح فرصة لتقليص نفوذ الجماعات المسلحة والفصائل الإقليمية المتصارعة، ويعزز فرص التنمية والاقتصاد، ويضع أساسا لمستقبل أكثر أمنا للمدنيين السوريين والأقليات في شمال البلاد.
وقد أكد البيان الصادر عن قسد أن الهدف من الاتفاق هو توحيد الأراضي السورية وتحقيق عملية الدمج الكاملة في المنطقة عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء الدولة.
وسيكون النجاح في دمج الكورد له آثار إيجابية واسعة. فهو ليس مجرد دمج إداري، بل يشكل خطوة نحو إعادة توحيد سوريا وضمان استقرار طويل الأمد للشرق الأوسط. يمكن أن يوفر هذا المشروع نموذجا لإدارة التنوع العرقي والديني في المنطقة، ويقلل من احتمالات تدخل قوى إقليمية لزرع الفوضى، كما يعزز فرص السلام الداخلي والإقليمي.
كما سيمكن الدولة السورية من التركيز على إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، ويخفف من النزاعات على الموارد ويعزز مشاركة جميع الأطراف في عملية اتخاذ القرار، مما يخلق بيئة أكثر عدالة واستقرارا في البلاد.
ويعد الدمج الكامل للكورد في سوريا مشروعا استراتيجيا لا يقل أهمية عن أي مبادرة إقليمية أخرى في الشرق الأوسط، بما في ذلك خطط السلام في غزة أو المفاوضات مع إيران. فهو يشكل اختبارا لقدرة الدولة السورية على التوحيد والمصالحة الداخلية، ويختبر مدى فاعلية المجتمع الدولي في دعم الحلول السلمية.
ولن يضمن نجاح هذا المشروع فقط استقرار سوريا، بل سيسهم أيضا في ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة برمتها، ويحول سوريا من أرض نزاعات مزمنة إلى نموذج لإدارة التنوع وتحقيق السلام الدائم.
ويبقى التحدي الأكبر أمام دمشق هو التنفيذ الفعلي على الأرض. فقد تؤدي الأخطاء الإدارية أو التأجيل في تطبيق الاتفاقيات إلى إحباط الشركاء المحليين والدوليين، وفتح المجال أمام القوى الإقليمية لاستغلال الوضع، وهو ما قد يعيد البلاد إلى دائرة العنف والفوضى.
كما أن ضمان الالتزام بالحقوق المدنية والثقافية والسياسية للكورد يشكل اختبارا حقيقيا لمصداقية الدولة السورية وقدرتها على الحكم العادل.
ومع ذلك، يوفر الدعم الدولي المشترك، سواء عبر واشنطن أو الأمم المتحدة أو الدول الإقليمية المؤثرة، فرصة غير مسبوقة لتجاوز هذه العقبات وتحقيق الدمج الكامل بما يخدم مصلحة جميع الأطراف ويضمن بقاء الدولة السورية موحدة وآمنة.
وفي هذا السياق، يعتبر دمج الكورد في سوريا مشروعا ذا أولوية استراتيجية لا تقتصر أهميته على الداخل السوري فحسب، بل تمتد لتشمل المنطقة بأسرها. فهو يشكل حجر زاوية لإعادة الاستقرار إلى الشرق الأوسط، ويتيح فرصة لتقليص نفوذ الجماعات المسلحة والفصائل الإقليمية المتصارعة، ويعزز فرص التنمية والاقتصاد، ويضع أساسا لمستقبل أكثر أمنا للمدنيين السوريين والأقليات في شمال البلاد.
ومن دون هذا المشروع، يظل الوضع هشا، والتهديدات قائمة، والفوضى مستمرة، مما يجعل الدمج الكامل للكورد المشروع الأكثر أهمية في الشرق الأوسط اليوم، وأكثرها قدرة على إحداث فرق ملموس في مسار الاستقرار والسلام في المنطقة بأسرها.
*صحيفة"العرب"اللندنية