*د. ژیلوان لطيف يارأحمد
*الترجمة : نرمين عثمان محمد/عن صحيفة كوردستاني نوى
يُعدّ كريس فان هولن، ممثل ولاية ماريلاند في الكونغرس الأميركي وعضو لجنتي العلاقات الخارجية وتخصيص الاعتمادات المالية، أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط والقضية الكوردية. يحاول هذا المقال، بمنهجٍ تحليلي، تسليط الضوء على فلسفة عمل فان هولن والمشاريع الاستراتيجية التي تبنّاها لدعم الكورد في الأجزاء الأربعة من كردستان، مع التركيز على المرتكزات الفكرية التي تشكّل الدافع الأساسي لمواقفه.
وقد بات فان هولن معروفا في الأوساط السياسية بواشنطن بوصفه «ضمير السياسة الخارجية»، لأنه يسعى إلى إيجاد توازن بين حماية الأمن القومي الأميركي والالتزام بالقيم الديمقراطية. ولهذا أصبحت القضية الكوردية واحدة من الثوابت غير القابلة للتراجع في مسيرته السياسية.
الفلسفة السياسية والرؤية الفكرية
يعمل فان هولن ضمن إطار مدرسة (الليبرالية الدولية)، التي تقوم على تحقيق التوازن بين «المصالح الوطنية» و«القيم الأخلاقية». ووفق هذا الإطار، يؤمن بأن على الولايات المتحدة مسؤولية أخلاقية وقانونية تجاه حلفائها الذين قدّموا تضحيات في سبيل الأمن العالمي. ومن هذا المنطلق، يعتمد مفهوم «الالتزام الخاص» تجاه الكورد.
وتقوم رؤيته على تحليل واقعي ينظر إلى الكورد بوصفهم «فاعلا غير دولي مستقر» في منطقة شديدة التعقيد. ويؤكد فان هولن في العديد من خطاباته أن خيانة الكورد لا تضرّ فقط بسمعة الولايات المتحدة، بل تؤدي أيضا إلى اختلال توازن القوى وعودة الإرهاب، والأكثر من ذلك هو يعارض بشدة الرؤية «الواقعية الجامدة» التي تحصر العلاقات بالدول فقط، بل يعتقد أن الشراكة مع الشعوب والقوى الديمقراطية—ومنها الكورد—تشكل ضمانة أقوى لتحقيق سلام طويل الأمد. وهذه الرؤية جعلته يبرز داخل الكونغرس كمدافع صلب عن حق تقرير المصير وحماية الأقليات القومية والدينية.
منهج عمل فان هولن على أساس ثلاثة محاور رئيسة
1. التشريع العقابي الرادع:
استخدام العقوبات الاقتصادية والعسكرية كأداة لمنع الاعتداءات على الكورد، انطلاقا من قناعته بأن التصريحات الدبلوماسية وحدها لا تكفي، وأن على تركيا والجهات المعادية أن تدرك أن أي هجوم على الكورد ستكون له كلفة سياسية واقتصادية باهظة.
2. الدبلوماسية البرلمانية:
بناء تحالفات ثنائية الحزب مع الجمهوريين، إذ يدرك فان هولن أن ترسيخ سياسة مستقرة تجاه الكورد لا يمكن أن يعتمد على الديمقراطيين وحدهم، وتعاونه مع سيناتورات جمهوريين مثل ليندسي غراهام وماركو روبيو يعكس قدرته على تحويل القضية الكوردية إلى ملف ذي طابع وطني .
3. الرقابة المالية وربط المساعدات بالشروط:
من خلال لجنة تخصيص الاعتمادات المالية، يعمل على ربط المساعدات العسكرية الأميركية لدول المنطقة باحترام حقوق الكورد، بوصف ذلك أحد أكثر أدوات الضغط على الحكومات فاعلية، كما إنه يسعى إلى العمل على مشاريع طويلة الامد، فهو مثلا يعمل على تثبيت «الاستراتيجية الوطنية لحماية الشركاء الكورد» ضمن قانون الموازنة الدفاعية السنوية، بهدف جعل دعم الكورد جزءا ثابتا من المؤسسة السياسية والعسكرية الأميركية، لا مجرد قرار رئاسي قابل للتغيير، ويمثّل ذلك انتقالا جوهريا في تعامل أمريكا مع الكوردمن تحالف تكتيكي مؤقت إلى شراكة استراتيجية مؤسساتية.
مشروع حماية روجآفا(غرب كوردستان) ومواجهة التدخلات
واحدة من أبرز مواقف فان هولن معارضته الشديدة لقرار سحب القوات الأميركية من غرب كوردستان (روجآفا) عام 2019 من قبل إدارة ترامب، وقد برز كمهندس رئيسي لـ«مشروع قانون معاقبة تركيا» والذي قدمه بالشراكة مع السيناتور ليندسي غراهام، وكان هذا المشروع تعبيرا عن استراتيجية طويلة الأمد لحماية قوات سوريا الديمقراطية(قسد).
ويؤكد فان هولن في تحليلاته لهذا المشروع أن قوات سوريا الديموقراطية«قسد» ليست مجرد قوة عسكرية، بل شريك سياسي نجح في ترسيخ نموذج للتعددية والديمقراطية في المنطقة، كما أن علاقاته المباشرة مع مظلوم كوباني تعكس سعيه لرفع القضية الكوردية في سوريا من المستوى العسكري إلى مستوى الدبلوماسية الرسمية داخل الكونغرس الأمريكي، لذلك يطالب باستمرار بأن تقدّم الولايات المتحدة دعما عسكريا وسياسيا واقتصاديا للإدارة الذاتية، لتمكينها من مواجهة تهديدات داعش والتدخلات الخارجية. ويرى أن حماية روجآفا تعني في جوهرها حماية الأمن القومي الأميركي من خطر عودة (الخلافة الإسلامية).
دعم إقليم كردستان واستقرار العراق
تقوم رؤية فان هولن لإقليم كوردستان على مبدأ «حماية المكاسب التاريخية»، ففي عام 2021 قدّم مشروع قرار لإحياء الذكرى الثلاثين لعملية توفير الامان، مؤكدافيها أهمية الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن وأربيل.
ويعتقد أن إقليم كوردستان يجب أن يبقى نموذجا ناجحا للديمقراطية والتعايش داخل العراق.
كماإنهُ يعمل عبر لجنة الاعتمادات المالية على ضمان استمرار الدعم العسكري لقوات البيشمركة، ويدعو إلى توحيد هذه القوات تحت مظلة وطنية بعيدا عن الهيمنة الحزبية، باعتبار ذلك السبيل الوحيد لضمان بقاء الكيان واستقراره، إضافة إلى ذلك، لعب دورا مهما في الضغط على الحكومة العراقية لتأمين المستحقات المالية للإقليم، انطلاقا من قناعته بأن الاستقرار الاقتصادي لكوردستان جزء لا يتجزأ من الاستقرار العام في المنطقة. وهو يؤيد بقوةنموذج «إقليم قوي ضمن عراق فدرالي» كآلية لمنع الهيمنة الإقليمية والحفاظ على توازن القوى.
الدفاع عن الحقوق الديمقراطية في شمال كوردستان
يُعدّ فان هولن من الأصوات القليلة التي تراقب بدقة الأوضاع الداخلية في تركيا والقضية الكورديةهناك وقد وجّه مرارا رسائل احتجاج إلى إدارة بايدن ووزارة الخارجية للضغط على أنقرة، خاصة بشأن استهداف حزب الشعوب الديمقراطي واعتقال صلاح الدين دميرتاش، وتقوم رؤيته حول شمال كوردستان على (الربط بين الديمقراطية الداخلية والاستقرار الخارجي)، إذ يرى أن قمع الكورد يؤدي إلى تصاعد التطرف وزعزعة الاستقرار الإقليمي.
كما ينتقد بوضوح السياسة الأميركية المتناقضة عندما تتغاضى عن انتهاكات حليف مثل تركيا، محذرا في رسالة الى الإدارة الأمريكية من أن الصمت على القمع السياسي يشجّع الديكتاتورية ويقوّض المكانة الأخلاقية للولايات المتحدة عالميا. ويدل هذا الموقف على إن فان هولن يعتبر القضية الكوردية اختبارا حقيقيا لصدق القيم الغربية، ويشدّد دائما على تنفيذ قرارات محكمة حقوق الإنسان.
المعوقات وآفاق المستقبل
رغم جهوده المستمرة، يواجه فان هولن معوقات كبيرة، ذلك لأن الحاجة الاستراتيجية الأميركية لتركيا بوصفها عضوا في حلف الناتو وجسرا للتواصل مع روسيا وأوكرانيا، ما يدفع البيت الأبيض أحيانا إلى تجاهل ضغوط فان هولن أو استخدامها كورقة تفاوضية لا كاستراتيجية ثابتة، كما أن الانقسامات الكوردية الداخليةبين الأحزاب السياسية والأجزاء المختلفة من كوردستان تُصعب أحيانا أعماله داخل الكونغرس الأمريكي، إذ يستغل خصوم القضية الكورديةهذه الانقسامات كأدلة لعدم الإستقرار.
ومع ذلك، تُظهر التحليلات لمواقف فان هولن إيمانه الراسخ بأن (القضية الكوردية هي مفتاح حل أزمات الشرق الأوسط)، وأنه من دون معالجة عادلة لها لن تُحل قضايا الإرهاب والهجرة وعدم الاستقرارفي المنطقة، وفي السنوات الأخيرة، بات فان هولن يركّز أكثر على ضرورة «الدبلوماسية الكوردية–الكوردية» شرطا أساسيا لنجاح مشاريعه في واشنطن.
يمكننا القول بإن فان هولن ليس مجرد صديق تقليدي للكورد، بل مدافع استراتيجي ومهندس فكري نجح في إدراج القضية الكوردية ضمن إطار المصالح العليا للولايات المتحدة والقيم الإنسانية العالمية. وبالنسبة للكورد، فإن وجود شخصية كهذه في مراكز القرار الدولي يُعدّ فرصة تاريخية، وقد أرست جهوده أساسا قانونيا وسياسيا يمكن البناء عليه مستقبلا في أي اعتراف دولي محتمل بالقضية الكوردية.