×


  بحوث و دراسات

  "يابان جديدة" ..بعد فوز تاكايتشي الساحق



*د. أحمد قنديل

أسئلة الواقع والهوية والتاريخ

 

*مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

لم يكن صباح التاسع من فبراير 2026 صباحا عاديا في طوكيو؛ فمع تتابع نتائج فرز الأصوات لانتخابات مجلس النواب الحادية والخمسون، والتي جرت في اليوم السابق، بدا واضحا أن اليابان تقف أمام لحظة فاصلة في تاريخها السياسي.

الأرقام التي بثَّتها هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية NHK، لم تكن مجرد نتائج انتخابية مألوفة أو عادية، بل كانت إعلانا صريحا عن ميلاد مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الأبرز هو صعود رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، كزعيمة ذات تفويض شعبي غير مسبوق، وتحوُّل الحزب الليبرالي الديمقراطي إلى قوة مهيمنة على نحو لم تعرفه البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

 

فوز تاريخي للحزب الليبرالي الديمقراطي:

لقد حصل الحزب الليبرالي الديمقراطي على 316 مقعدا، من أصل 465 مقعدا، وهي أغلبية تتجاوز الثلثين في مجلس النواب. ومع فوز حزب الابتكار الياباني بـ 36 مقعدا، بات الائتلاف الحاكم يسيطر على 352 مقعدا في المجلس؛ وهو الأمر الذي يمنح تاكايتشي تفويضا شعبيا كاسحا، من شأنه أن يفتح أمامها أبوابا كانت مُوصَدَة أمام أسلافها.

يرجع ذلك إلى أن أغلبية الثلثين في مجلس النواب تمنح الائتلاف الحاكم القدرة على تجاوُز مجلس الشيوخ في تمرير القوانين والسياسات، وأن تضع تاكايتشي على الطاولة، وبجدية غير مسبوقة، ملف تعديل الدستور، وعلى رأسه المادة التاسعة التي كرَّست الطابع السلمي لليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

في الشهر الماضي، حين أقدمت تاكايتشي، التي وصلت إلى رئاسة الحكومة في أكتوبر 2025، كأول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ اليابان، على حلِّ مجلس النواب والدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة، بدت الخطوة في ظاهرها "مغامرة كبرى"؛ فالحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم، الذي تترأسه تاكايتشي حاليا، كان قد خرج من انتخابات مجلس النواب في عام 2024 مثقلا بالفضائح، فاقدا للأغلبية؛ فيما كانت المعارضة تحاول، ولو شكليا، إعادة تنظيم صفوفها عبر تحالف إصلاحي وسطي.

ولكن تاكايتشي كانت تقرأ المشهد من زاوية أخرى، وهي زاوية القلق الياباني العميق، ذلك القلق الذي لا يظهر في المظاهرات الصاخبة، بل في السكون الطويل، وفي البحث عن "يد قوية" تمسك بالدفة في بحر متلاطم. وهنا، لم تكن الانتخابات البرلمانية الأخيرة، من وجهة نظر كثير من المراقبين للشأن الياباني، في جوهرها، صراعا تقليديا بين يمين ويسار، ولا بين محافظين وتقدميين، بقدر ما كانت بحثا عن قيادة حاسمة في زمن مضطرب؛ فالتضخم الذي تجاوَز 2% لسنوات، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتباطؤ الأجور، إلى جانب التوترات الإقليمية مع الصين، كلها عوامل دفعت الناخبين إلى تفضيل الاستقرار والحسم على التجريب والمجازفة.

أدركت تاكايتشي هذا المزاج العام، وقدَّمت نفسها بوصفها زعيمة "تعمل بلا توقُّف"، وتجمع بين الخطاب القومي المحافظ والوعود الاقتصادية المباشرة. في هذا السياق، تعهدت زعيمة الحزب الحاكم بتعليق ضريبة الاستهلاك، وقدرها 8%، على المواد الغذائية، وبحزمة تحفيز اقتصادي ضخمة، وبإعادة تنشيط الاقتصاد الياباني الذي يعاني من نمو ضعيف. وفي الوقت نفسه لم تتردد تاكايتشي في تبني خطاب أمني صارم، متحدثة عن مراجعة استراتيجية الأمن القومي، وتعزيز القدرات الدفاعية، وتقوية التحالف مع الولايات المتحدة.

وفي الجهة المقابلة، كان المشهد قاتما في صفوف الأحزاب المعارضة؛ فتحالف الإصلاح الوسطي، الذي وُلِدَ على عجل من اندماج الحزب الديمقراطي الدستوري وحزب كوميتو، مُنِيَ بهزيمة قاسية، إذ تراجَع من 167 مقعدا إلى 49 مقعدا. كما سقط في الانتخابات الأخيرة أيضا رموز المعارضة التاريخية، التي شغلت مواقع قيادية لعقود، تباعا في الدوائر الفردية.

وفي مشهد لافت، خرج أحد قادة التحالف ليعلن تحمله "المسؤولية الكاملة" عن الهزيمة، مستخدما لغة تعكس عمق "الصدمة السياسية". وربما تكون هذه الصدمة ناجمة عن خوض هذا التحالف المعارض للمعركة الانتخابية الأخيرة بلا سردية مقنعة، وبلا قيادة كاريزمية؛ حيث بدا خطابه عن "التنوع" و"الشمول" مُعلَّقا في الفراغ، في وقت كان الناخب الياباني يسأل أسئلة أكثر مباشرة، مثل: كيف أعيش؟ وكيف أحمي عملي؟ ومن يحميني في عالم يتغير بسرعة؟ وردا على هذه الأسئلة المعيشية المحورية، لم تُقدِّم المعارضة أية إجابة مقنعة للناخبين اليابانيين.

 

أعمق من النتائج.. تحديات كامنة في الأفق:

يبدو اختزال ما جرى في هذه الانتخابات "التاريخية" من صراع بين حكومة قوية ومعارضة ضعيفة غير عادل، إلى حد كبير؛ فما حدث كان أعمق من ذلك بكثير. كانت اليابان، في هذه الانتخابات، تعيد ترتيب علاقتها بالديمقراطية نفسها؛ فعلى سبيل المثال، ظلت نسبة المشاركة، رغم ارتفاعها نسبيا، في حدود 56%، مع استمرار عزوف الشباب عن المشاركة على نحو مقلق.

وبالتالي، فنحن أمام تفويض شعبي واسع لرئيسة الوزراء اليابانية وحزبها الحاكم؛ لكنه تفويض صادر عن مجتمع لم تشارك نسبة كبيرة منه في القرار، وهذه مفارقة ستظل تلاحق تجربة تاكايتشي السياسية. صحيح أنها حظيت بقوة سياسية كبيرة، في ضوء النتائج المذهلة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، إلا أن قاعدة المشاركة في هذه الانتخابات كانت محدودة (حوالي نصف عدد الناخبين اليابانيين فقط)، ما يطرح أسئلة مؤجلة حول الشرعية الديمقراطية في النظام السياسي الياباني على المدى الطويل.

ومن ناحية أخرى، يُوجَد تحدٍ آخر مهم يتطلب أيضا المتابعة في الفترة القادمة؛ فالدولة اليابانية لا تُدَار فقط من مكتب رئيس الوزراء، بل من شبكة بيروقراطية عميقة ومتجذرة، اعتادت أن تكون شريكا في صنع القرار، وأحيانا كابحا له. وزارة المالية، وبنك اليابان، ووزارات الاقتصاد والدفاع، كلها مؤسسات لها حساباتها، وقد لا تنسجم بالكامل مع الطموحات السياسية التوسعية لتاكايتشي، سواء في رفع الإنفاق العام أو في زيادة الموازنات الدفاعية والتسليحية. وهنا، قد يظهر التحدي الحقيقي أمام رئيسة الوزراء اليابانية، وهو كيف ستتمكن من تحويل التفويض السياسي الكامل، في الانتخابات الأخيرة، إلى سياسات قابلة للتنفيذ داخل دولة اعتادت الحذر والانضباط؟

يُضاف إلى ذلك، أن الحزب الليبرالي الديمقراطي نفسه ليس كتلة صمَّاء؛ حيث توجد في داخله أجنحة متباينة: قوميون محافظون، وبراجماتيون اقتصاديون، وتيار يخشى أن يؤدي التصعيد مع الصين إلى كلفة اقتصادية باهظة. ومع غياب معارضة قوية في البرلمان، قد تتحول هذه الخلافات الداخلية إلى الساحة الرئيسية للصراع السياسي في البلاد، خاصة وأن تاريخ الحزب يكشف عن أن الانقسامات داخل الحزب كانت دائما العامل الحاسم في صعود القيادات أو أفولها.

اقتصاديا، رفعت تاكايتشي سقف التوقعات: وعود بتعليق ضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية، وحزم تحفيز تصل إلى 135 مليار دولار، وسياسة مالية "استباقية"؛ غير أن طوكيو تدخل هذه المرحلة وهي تحمل عبئا ماليا ثقيلا، يتمثل في دين عام يتجاوز 200% من الناتج المحلي الإجمالي، ونمو اقتصادي بالكاد يُذكَر. وهنا، يبرز التناقض بين الخطاب الشعبوي والواقع المالي. وربما يكون القلق الذي عبَّر عنه عدد من دوائر الاعمال اليابانية مؤشر سياسي واقتصادي مهم على حدود الممكن من الناحية الاقتصادية في المدى المنظور.

وفي ملف الهجرة والحقوق المدنية، تُمثِّل سياسات تاكايتشي المتشددة أرضا مُحتمَلَة للصدام؛ فتشديد القيود، وربط الهجرة بمفاهيم الأمن والتجسُّس، قد يلقى قبولا لدى قطاع من الناخبين، لكنه، في نفس الوقت، قد يثير مخاوف قانونية وإنسانية، بل وقد يضع طوكيو أيضا تحت مجهر الانتقاد الدولي، خاصة إذا ترافقت هذه السياسات مع توسُّع صلاحيات الدولة الأمنية.

 

ترحيب أمريكي وحذر آسيوي:

خارجيا، لا يمكن قراءة هذا التحول السياسي الكبير في اليابان بمعزل عن لحظة دولية أكبر. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رأى في فوز تاكايتشي الكاسح في هذه الانتخابات انتصارا لخط استراتيجي يسعى إليه في آسيا: حلفاء أقوى، وأكثر استعدادا لتحمل أعباء الأمن.

وفي المقابل، تنظر الصين إلى هذا المشهد بقلق متزايد، خاصة في ظل تصريحات تاكايتشي "العنيدة" حول تايوان. صحيح أن طوكيو لن تتجه، على الأرجح، في المدى المنظور، إلى مواجهة مباشرة مع بكين، لكن خروجها، في ظل رئيسة الوزراء اليابانية الحالية، من سياسة "الغموض الاستراتيجي" قد يُغيِّر قواعد اللعبة في شرق آسيا، من وجهة النظر الصينية.

ومن جهتها، سوف تراقب كوريا الجنوبية، ودول جنوب شرق آسيا، هذا التحول السياسي الكبير في طوكيو بحذر؛ فالذاكرة التاريخية لا تزال حاضرة، وأي عسكرة يابانية، مهما كانت مبرراتها، ستثير حساسيات كامنة في عواصم هذه الدول.

أما الشرق الأوسط، فرغم بعده الجغرافي، فهو جزءٌ من هذه المعادلة السياسية الجديدة في طوكيو؛ فاليابان، الساعية إلى تأمين الطاقة وتنويع شراكاتها، قد تُوسِّع حضورها الاقتصادي والتكنولوجي في المنطقة، خاصة في مشروعات الطاقة المتجددة والبنية الأساسية، وربما تفتح أيضا أبوابا "محدودة" للتعاون الأمني والصناعي في ظل تخفيف قيود تصدير السلاح.

 

اليابان الجديدة.. أسئلة الوعي والتاريخ:

ليست انتخابات 8 فبراير 2026 في اليابان، ولا الأغلبية الكاسحة التي حصلت عليها رئيسة الوزراء تاكايتشي، سوى علامة على تحوُّل أعمق يجري في الوعي الياباني ذاته؛ فاليابان، التي دخلت القرن الحادي والعشرين مُثقَلَة بذاكرة الهزيمة، ومطمئنة إلى مظلة أمنية أمريكية، ومكتفية بدور اقتصادي هادئ، تبدو اليوم وكأنها تعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: (من نحن في هذا العالم المتغير؟)

على مدى عقود، بنت اليابان شرعيتها الداخلية والخارجية على ثلاث ركائز: السِلْم، والتكنوقراطية، والانضباط الاجتماعي. غير أن تآكل العولمة، واهتزاز النظام الدولي، وصعود منطق القوة، أعاد تعريف معنى الأمن، ومعنى الازدهار، بل ومعنى الدولة نفسها. وفي هذا السياق، لم يكن صعود خطاب الحسم والقوة في اليابان تعبيرا عن نزعة "متطرفة" بقدر ما كان محاولة لتعويض شعور جماعي بالإنهاك، ورغبة في استعادة السيطرة على المصير.

لكن التاريخ، كما يعلمنا، لا يسير في خطوط مستقيمة؛ فاليابان التي تسعى إلى أن تكون "قوة طبيعية" مرة أخرى، تقف عند مفترق طرق دقيق: بين دولة تستعيد ثقتها بنفسها دون أن تفقد توازنها الديمقراطي، ودولة تنجرف، باسم الأمن، إلى تضييق المجال العام وإعادة تفسير الدستور خارج روحه؛ وبين اقتصاد يبحث عن الحماية في زمن التفكك العالمي، ومجتمع شاب لا يزال مترددا في الانخراط الكامل في مشروع قومي لم تتضح ملامحه بَعْد.

في هذا الإطار، لا تكمن خطورة "لحظة تاكايتشي" الحالية فيما أعلنته، بل فيما قد يصبح مألوفا بعدها: فإما أن تنجح طوكيو في صياغة نموذج سياسي جديد يُوازِن بين الجغرافيا السياسية والذاكرة التاريخية، أو تجد نفسها أسيرة منطق لم تصنعه وحدها، لكنها اختارت أن تسير في دروبه. وبهذا المعنى، قد لا تكون اليابان اليوم مجرد دولة تعطي "تفويضا كاملا" لرئيسة وزراءها من الناحية السياسية، بل مجتمعا يعيد التفاوض مع تاريخه، ويحاول، للمرة الأولى منذ عقود، أن يكتب فصله الخاص في قرن لم تتشكل قواعده بَعْد.

وهنا، سيكون التحدي الأكبر أمام تاكايتشي هو القدرة على الموازنة بين الطموح والقيود، وبين الحسم والحذر، وبين القوة والديمقراطية؛ فإما أن تنجح في تحويل هذا التفويض السياسي "غير المحدود" إلى استقرار وإنجاز، أو تكتشف، كما اكتشفت تجارب كثيرة قبلها، أن القوة حين لا تُدار بحكمة، تتحول من نعمة إلى عبء ثقيل.


12/02/2026