×


  بحوث و دراسات

  اتفاق سلام سعودي - إسرائيلي: من يريد ماذا ولماذا؟



واشنطن-صحيفة "العرب" اللندنية: تجري مفاوضات مكثفة حول اتفاق من شأنه، إذا ما أُبرم، أن يقود المملكة العربية السعودية إلى إقامة علاقات ودية مع إسرائيل للمرة الأولى في تاريخها.

وفي مقابل هذه الخطوة غير المسبوقة، تسعى الرياض أساسا إلى الحصول على ضمانات أمنية، ليس من إسرائيل، بل من حليفها الأقرب: الولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار، ستضطلع إسرائيل، بوصفها قوة تكنولوجية متقدمة، بدور محوري في خطط السعودية الطموحة لتنويع اقتصادها بعيدا عن النفط، في حين يُتوقع منها تقديم تنازلات للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

وأما الولايات المتحدة، فستستعيد جزءا من نفوذها ، بما يمكّنها من مواجهة التمدد الصيني المتزايد في الشرق الأوسط.

ويرى الباحث إيثان برونر في تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ أن هذا الاتفاق يَعِد بمكاسب كبيرة للحكومات الأربع المعنية، لا سيما فيما يتعلق بتعزيز القدرة على مواجهة النشاط العسكري الإيراني في المنطقة. غير أن احتمالات إبرامه تثير في الوقت نفسه معارضة شعبوية داخل كل من هذه الدول، ما ينطوي على مخاطر سياسية جدية على أصحاب السلطة.

 

من يتحاور؟

جميع الأطراف المعنية على تواصل مباشر. فبحسب مصادر مطلعة على المحادثات، يقود الجانب الامريكي مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، يعاونه نائبه بريت ماكغورك والمبعوث الخاص عاموس هوكشتاين.

ويضم الوفد السعودي وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، شقيق ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إلى جانب مستشار الأمن القومي مساعد العيبان.

وأما الجانب الإسرائيلي، فيقوده وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، السفير السابق لدى واشنطن وأقرب مستشاري رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

ويمثل الجانب الفلسطيني المستشار الدبلوماسي مجدي خالدي. ويقرّ مسؤولون من الحكومات الثلاث الرئيسية المنخرطة في التفاوض بتعقيد الملف، مؤكدين أن التوصل إلى اتفاق مهمة شاقة، لكنها تبقى هدفا يستحق السعي.

 

ما الذي تريده السعودية من هذه الاتفاقية؟

تتمثل غاية السعودية الأساسية من هذا الاتفاق في الحماية من إيران. ويُقال إن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تأثر بعمق بالهجمات التي استهدفت منشآت النفط السعودية عام 2019، والتي حمّلت الرياض مسؤوليتها لطهران.

ورغم استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في مطلع عام 2023 بوساطة صينية بعد قطيعة دامت سبع سنوات، فإن التنافس على النفوذ الإقليمي لا يزال قائما.

وتشعر السعودية بقلق بالغ إزاء الترسانة الصاروخية الإيرانية، وشبكة الميليشيات التابعة لها في اليمن والعراق ولبنان، فضلا عن برنامجها النووي الذي يُشتبه في سعيه إلى تطوير أسلحة نووية.

ومن هنا، تطمح الرياض إلى اتفاق مع واشنطن يقترب من معاهدة دفاع مشترك، بحيث يُعدّ أي هجوم عليها هجوما على الولايات المتحدة.

ويُستشهد في هذا السياق بنموذج المعاهدة الامريكية-اليابانية، التي تسمح بنشر قوات امريكية مقابل التزام بالدفاع. كما يمكن أن تسهم القدرات الدفاعية الإسرائيلية في حماية منشآت النفط السعودية.

وإلى جانب الهاجس الأمني، جعل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان التنمية الاقتصادية والاجتماعية حجر زاوية في "رؤية 2030".

وهو يراهن على الابتكار لتقليص اعتماد الاقتصاد على النفط الخام، الذي تُعد السعودية أكبر مُصدّر له عالميا.

ويقول مسؤولون امريكيون إنه يرى في الاندماج الاقتصادي مع إسرائيل، التي باتت قوة تكنولوجية كبرى، عنصرا حاسما في هذا التحول. كما تخطط المملكة للاعتماد بشكل أكبر على الطاقة النووية في المستقبل، وتسعى للحصول على دعم امريكي في هذا المجال.

وقد أكدت السعودية علنا أن الاعتراف بإسرائيل مشروط بقيام دولة فلسطينية مستقلة. ورغم أن الاتفاق الجاري بحثه لن يحقق هذا الهدف، فإنه سيحتاج إلى تضمين مكاسب ملموسة للفلسطينيين لطمأنة الرأي العام السعودي والعالم الإسلامي.

 

ما الذي تريده إسرائيل من هذه الصفقة؟

بالنسبة لإسرائيل، يُمثل الاتفاق فرصة استراتيجية كبرى. وقد شدد نتنياهو مرارا على أن التطبيع مع السعودية هو الجائزة الأهم بعد اتفاقيات أبراهم عام 2020.

ولا تكمن أهمية المملكة في ثقلها الاقتصادي والسياسي فحسب، بل أيضا في مكانتها الدينية بوصفها مهد الإسلام وموقع أقدس الأماكن الدينية.

ومن شأن اعترافها بإسرائيل أن يُضعف السردية القائلة بعدم شرعية وجود دولة يهودية في منطقة ذات أغلبية مسلمة، وقد يفتح الباب أمام دول أخرى مثل ماليزيا وإندونيسيا.

وفي موازاة ذلك، تناقش إسرائيل اتفاقية دفاع مشترك مع الولايات المتحدة تضمن لها هامشا من الاستقلالية.

وأما داخليا، فإن لنتنياهو دوافع إضافية لتقديم تنازلات محدودة للسلطة الفلسطينية، التي تدير الضفة الغربية في إطار حكم ذاتي محدود.

الاتفاق يَعِد بمكاسب كبيرة للحكومات الأربع المعنية، لا سيما فيما يتعلق بتعزيز القدرة على مواجهة النشاط العسكري الإيراني في المنطقة. غير أن احتمالات إبرامه تثير في الوقت نفسه معارضة شعبوية داخل كل من هذه الدول، ما ينطوي على مخاطر سياسية جدية على أصحاب السلطة.

وفي يوليو، أعلن زيادة الدعم لها خشية تمدد نفوذ حماس المدعومة من إيران.

ويقتصر هذا الدعم على تعزيز التنمية الصناعية والسماح بتحويل عائدات الضرائب.

ويأتي ذلك في ظل انقسامات داخلية حادة وتهم فساد تطال نتنياهو، ممّا يجعل أي اختراق دبلوماسي مع السعودية مصدرا محتملا لتوحيد الرأي العام.

 

ما هي مكاسب الولايات المتحدة من هذه الصفقة؟

أما الولايات المتحدة، فترى في الاتفاق وسيلة لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي، وتعزيز تحالف إقليمي مناهض لإيران. كما أن تحسين العلاقات مع الرياض قد يمنح واشنطن نفوذا أكبر على سياسات إنتاج النفط.

وسبق أن اعتبر الرئيس الامريكي السابق جو بايدن أن الاتفاق سيمثل إنجازا بارزا في حملته لإعادة انتخابه عام 2024.

 

ما هي مكاسب السلطة الفلسطينية؟

بالنسبة للسلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، لا يحقق الاتفاق حلم الدولة المستقلة، لكنه قد يوقف خطوات إسرائيلية تُقوض هذا الحلم، مثل توسيع الاستيطان أو ضم المستوطنات. كما قد يؤدي إلى مساعدات مالية سعودية مهمة وحيوية ويُضعف النفوذ الإيراني في الضفة الغربية.

 

ما هي القوى الشعبوية المعارضة للاتفاق؟

تواجه الحكومات الأربع المعنية بالاتفاق المحتمل إمكانية ردود فعل داخلية سلبية لا يُستهان بها. فرغم أن استطلاعا للرأي أُجري في وقت سابق من هذا العام أظهر أن 40 في المائة من السعوديين لا يعارضون إقامة علاقات اقتصادية مع إسرائيل، فإن المزاج العام في المملكة لا يبدو متحمسا لتبنّي الدولة العبرية بشكل كامل، ولا سيما في ظل حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة تعارض صراحة قيام دولة فلسطينية.

وفي الولايات المتحدة، يواصل الجناح اليساري داخل الحزب الديمقراطي انتقاد إسرائيل بسبب استمرار احتلالها للضفة الغربية وسياسات حكومة بنيامين نتنياهو الحالية.

وتُعدّ المطالب السعودية من واشنطن كبيرة ومتشعبة، إذ تشمل الحصول على طائرات مقاتلة متطورة وأنظمة دفاع جوي متقدمة، إلى جانب اتفاقية دفاع رسمية، فضلا عن المساعدة في تطوير برنامج نووي مدني قد يُستخدم مستقبلا لإنتاج أسلحة نووية.

وأما في الساحة الفلسطينية، فإن الرئيس محمود عباس، الذي انتُخب عام 2005 ولا يزال في منصبه رغم انتهاء ولايته في عام 2009، يُعد شخصية غير شعبية على نطاق واسع. فقد أظهر استطلاع رأي أُجري في يونيو في الضفة الغربية وقطاع غزة أن 80 في المائة من المشاركين يرون ضرورة استقالته.

كما أيّد 52 في المئة من المستطلعين "العمل المسلح" باعتباره الوسيلة الأفضل لإنهاء الاحتلال، وهو ما يوحي بأن شريحة واسعة من الفلسطينيين قد تنظر إلى أي اتفاق دبلوماسي مستقبلي مع إسرائيل على أنه خيانة للقضية الوطنية.

وفي إسرائيل، يرى اليمينيون الدينيون المنضوون في ائتلاف نتنياهو الحاكم أن ضم الضفة الغربية هدف يتقدم على نيل موافقة السعودية أو تطبيع العلاقات معها. غير أن هذه المعارضة قد تتحول، على نحو متناقض، إلى عامل مساعد للمفاوضات.

 

معارضة الاتفاق نعمة للأطراف المتفاوضة

إذا تقدمت المحادثات وبدا أن نتنياهو مستعد لتقديم تنازلات للفلسطينيين لا يقبل بها شركاؤه من اليمين المتطرف، فقد يلوّح هؤلاء بالانسحاب من الائتلاف.

ومثل هذا السيناريو قد يفتح أمامه بابا جديدا لتشكيل حكومة أكثر اعتدالا بالتحالف مع أحزاب وسطية، وهو الخيار الذي كان يفضله أصلا عندما كُلّف بتشكيل الحكومة عقب انتخابات نوفمبر، قبل أن ترفض تلك الأحزاب الانضمام إليه بسبب محاكمته ونظرة واسعة إليه باعتباره غير جدير بالثقة.

وقد تضطر هذه الأحزاب إلى إعادة تقييم موقفها إذا طُرحت أمامها فرصة تاريخية تتمثل في اتفاق سلام مع السعودية.

ومن المرجح أن يتبنى ائتلاف حاكم أكثر اعتدالا سياسات في الضفة الغربية تكون أكثر قبولا لدى السلطة الفلسطينية، وكذلك لدى السعوديين والامريكيين، وربما يتخلى أيضا عن مبادرة الحكومة الحالية الرامية إلى تقليص صلاحيات القضاء الإسرائيلي، وهي خطوة أثارت مخاوف جدية داخل إسرائيل والولايات المتحدة على حد سواء بشأن مستقبل الديمقراطية في البلاد.


12/02/2026