×


  بحوث و دراسات

  د. يوسف گۆران: في أي بيئة دولية نعيش؟



‌‎منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم يعرف النظام الدولي مستوى من الاضطراب وانعدام اليقين شبيها بما يشهده العالم اليوم. فالمنظومة التي أرساها الحلفاء المنتصرون، والقائمة على المؤسسات الدولية، والقيم الإنسانية المشتركة، والاتفاقيات المنظمة للعلاقات بين الدول، تتعرض منذ سنوات لتآكل متسارع يهدد وجودها ذاته.

ورغم أن سهام النقد تتجه حاليا بشكل رئيسي نحو الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الأولى، فإن حالة الفوضى الراهنة هي حصيلة تراكمات متعددة وليست نتاج عامل واحد بعينه.

‌‎خلال العقدين الأخيرين تقريبا، طرأت تحولات جوهرية على بنية النظام الدولي، تمثلت في صعود قوى اقتصادية كبرى جديدة، وفي مقدمتها الصين والهند، ما أحدث خللا واضحا في موازين القوة العالمية. ولم يقتصر تأثير هذا الصعود على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتد ليشمل الأبعاد السياسية والعسكرية والتكنولوجية، متسببا في تراجع نسبي لمكانة القوى الغربية التقليدية، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وقد رافق ذلك تنامٍ في رفض القوى الصاعدة لهيمنة الغرب وقيمه ونفوذه التاريخي.

‌‎هذه التحولات أفرزت مرحلة انتقالية مضطربة في العلاقات الدولية، فتحت المجال واسعا أمام حالة من الفوضى وعدم الاستقرار في مناطق مختلفة من العالم، حيث لم تعد الدول وحدها اللاعب الأساسي، بل برزت قوى إقليمية وجهات غير حكومية لتؤدي أدوارا مؤثرة في مسارات الصراع والتوازنات.

‌‎وإلى جانب تغير خريطة القوة العالمية، ساهم عامل آخر في تعميق الفوضى الدولية، تمثل في تصاعد دور الفاعلين الغير الدوليين، مثل الشركات العابرة للقارات، والجماعات المنظمة، والمنظمات غير الحكومية، وحتى الكيانات السياسية غير الرسمية، التي بات لها تأثير ملموس في القرارات الدولية بعدما كانت هامشية في السابق.

‌‎وجاءت مرحلة إدارة دونالد ترامب لتجسد، بشكل أوضح، هذا التحول نحو عالم أكثر توترا وتعقيدا. فقد شكّلت سياسة “أمريكا أولا” تعبيرا عن محاولة أمريكية لإعادة تثبيت موقعها العالمي في مواجهة القوى الصاعدة، غير أن هذه المقاربة حملت في طياتها إشكالية كبرى، إذ شجعت دولا عديدة على تجاهل القواعد الدولية والانفلات من الالتزامات القانونية والأخلاقية، سعيا وراء مصالحها الضيقة.

‌‎في ظل هذا المسار، أصبحت الصراعات سمة مركزية للعلاقات الدولية، واقترب العالم من الصورة التي وصفها الفيلسوف هوبز بحالة “الكل ضد الكل”، حيث تسود شريعة القوة ويضعف منطق القانون.

وفي هذا السياق، تفقد المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، الكثير من فعاليتها وقيمها المرتبطة بحقوق الإنسان، والعدالة، والديمقراطية، لتتحول تدريجيا إلى أطر شكلية محدودة التأثير.

‌‎أما الضحية الأولى لهذه الفوضى العالمية، فهي الدول والكيانات الضعيفة والفقيرة، التي تجد نفسها عرضة للاستغلال والتهميش ضمن صفقات وتفاهمات القوى الكبرى. ومن هنا، تبرز أهمية أن تركز هذه الدول داخليا على تعزيز التماسك الوطني، وبناء مؤسسات ديمقراطية قوية، وتطوير اقتصاداتها بما يقلل من هشاشتها.

‌‎وعلى الصعيد الخارجي، يصبح من الضروري انتهاج سياسة وعلاقات متعددة الاتجاهات، تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمحاور أو تكتلات بعينها، حيث الاعتماد على القراءة الديناميكية المتجددة للمتغيرات الدولية، وجعل المصلحة الوطنية المعيار المهيمن في رسم السياسات الخارجية.


12/02/2026