*لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الامريكي/الترجمة: محمد شيخ عثمان
واشنطن – القى رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الامريكي، براين ماست 10/2/2026 ، كلمته الافتتاحية خلال جلسة استماع كاملة للجنة بعنوان:"سوريا عند مفترق طرق: تحديات السياسة الامريكية في مرحلة ما بعد الاسد".فيما ياتي نصها:
اعتقد ان الولايات المتحدة الامريكية، والعالم، والشعب السوري نفسه، جميعهم يتطلعون بشغف الى ان تطوي سوريا صفحة سنوات طويلة من الصراع والاستبداد، وان تتحول الى دولة تضيف الى محيطها الاقليمي والعالم، بدلا من ان تكون عبئا عليهما.
دولة تعيد استقبال من اضطروا الى الفرار، بدلا من انتاج المزيد من اللاجئين. لا اظن ان ايا منا كان يتوقع ان تكون عملية الانتقال من الديكتاتور بشار الاسد الى الرئيس السوري الحالي احمد الشرع خالية من الاحداث. لكننا، برأيي، شهدنا بالفعل عددا كبيرا جدا من الحوادث، ولا سيما اعمال العنف والانتهاكات الامنية التي استهدفت الاقليات الدينية والاثنية.
تواجه سوريا مجموعة واسعة من التحديات في طريقها نحو حكم سلمي وديمقراطي. وقد اتيحت لي الفرصة للقاء الرئيس السوري، حيث ناقشنا عددا من القضايا ولا تزال هناك تحديات قائمة، من بينها وجود مقاتلين اجانب داخل القوات الامنية، كثير منهم مدعومون من تركيا. كما شهدنا مؤخرا اجراءات ضد قوات سوريا الديمقراطية، شريكنا الطويل الامد في مكافحة الارهاب وحليفنا الكردي، وهو امر غير مقبول.
وقد ادت هذه الاجراءات الى اضطرار القيادة المركزية الامريكية الى نقل سبعة الاف من مقاتلي تنظيم داعش من مراكز الاحتجاز داخل سوريا الى العراق.
ومن بين مصادر القلق الخطيرة ايضا، استمرار الوجود الروسي في سوريا، ولا نعرف على وجه الدقة اسباب ذلك ربما لان روسيا لا تزال تؤوي بشار الاسد، الرئيس السوري السابق، في وقت يطالب فيه الشعب السوري بعودته لتحقيق العدالة. لا يمكننا الجزم بذلك، لكنه بالتأكيد ملف يجب التعامل معه. كما اننا نعلم جميعا ان الرئيس السوري الحالي كان مقاتلا سابقا في تنظيم القاعدة. وهذه كلها نقاط مقلقة للغاية.
عندما التقيت الرئيس الشرع في تشرين الثاني الماضي، سألته بشكل مباشر جدا: لماذا لم نعد انا وانت اعداء، انا كجندي امريكي، وانت كمقاتل سابق في القاعدة؟ وكان رده انه يسعى الى التحرر من ماضيه، والعمل من اجل هدف نبيل يخدم شعبه وبلاده. وعندما التقى بالرئيس ترامب في اليوم التالي وانضم الى التحالف الدولي لهزيمة داعش، كان ذلك بمثابة بصيص امل لكن الحقيقة هي ان سوريا لا تزال بعيدة جدا عن المستوى الذي ينبغي ان تكون عليه اليوم.
الولايات المتحدة غير راضية عن وتيرة التقدم التي حققها حتى الان، وترى في العديد من تصرفاته خطوات الى الوراء. نحن بحاجة الى ان يقدم الرئيس الشرع اداء افضل.
هذه قضايا معقدة وصعبة، لكن الاجراءات الاخيرة ضد الدروز والكرد والعلويين تشكل خطوات في الاتجاه الخاطئ وهي لا تبعث على الثقة بالنسبة للولايات المتحدة، ولا تعزز قناعتنا برغبة الرئيس الشرع في بناء مستقبل نبيل للشعب السوري، كما قال لي بنفسه.
الرئيس الشرع لا يمتلك شيكا على بياض من الولايات المتحدة الامريكية، لقد قامت الولايات المتحدة برفع عقوبات قانون قيصر لان سبب فرضها كان وجود بشار الاسد، وهذا السبب لم يعد قائما. لكننا اوضحنا ان ذلك مشروط بتحقيق جملة من المتطلبات. وتشمل هذه الشروط التقدم في دمج القوات العسكرية، وحماية الاقليات الدينية والاثنية، ودمجها في مؤسسات الدولة السورية، والعمل مع الولايات المتحدة في مكافحة الارهاب.
وقد رحب الكونغرس باتفاق الدمج الاخير الذي وقعه الرئيس السوري احمد الشرع مع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، والذي سعدت بلقائه في كانون الثاني الماضي، معتبرا ذلك خطوة في الاتجاه الصحيح. غير ان هذا الاتفاق هو الثالث من نوعه، والولايات المتحدة تنتظر افعالا ملموسة، لا مجرد كلمات.
ان هدف جلسة الاستماع اليوم هو دراسة التحديات التي تواجهها سوريا، وانعكاساتها على مصالح الامن القومي الامريكي. فاذا اختارت سوريا السير في المسار الخاطئ، فإن لذلك تبعات خطيرة.
خطر وقوع إبادة جماعية جديدة
وخلال الجلسة، حذرت نادين ماينزا، الرئيسة السابقة للجنة الأميركية للحرية الدينية الدولية، من خطر وقوع إبادة جماعية جديدة في سوريا خلال السنوات الأربع المقبلة، في حال عدم إحداث تغيير جذري في السياسات المتبعة من قبل السلطات السورية الجديدة.
وخلال شهادة أدلت بها أمام الكونغرس الأميركي، أطلقت نادين ماينزا إنذاراً شديد اللهجة، مستندةً إلى ما وصفته بـ"أدلة مروعة" على عمليات قطع رؤوس وتعذيب لمقاتلين كرد، ارتُكبت على أيدي قوات جرى دمجها مؤخراً ضمن هيكل الأمن السوري الرسمي.
ودعت نادين ماينزا إلى إقرار قانون "إنقاذ الكرد"، مؤكدة أن أي انخراط أو تطبيع أميركي مع دمشق يجب أن يكون مشروطاً بضمان حماية المناطق ذات الغالبية الكردية. كما حذرت من أن النموذج التعددي الذي بنته قوات سوريا الديمقراطية يتعرض لتهديد مباشر، في ظل صعود عناصر "إسلامية" إلى مواقع قيادية داخل مؤسسات الدولة السورية الجديدة.
وأضافت أن اتفاق 30 كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة في دمشق لا يمكن تقييمه إلا من خلال مدى تطبيقه الفعلي على الأرض، مشيرةً إلى أن الاكتفاء بتمثيل رمزي للكرد، إلى جانب ترقية أشخاص متهمين بارتكاب جرائم حرب وخاضعين لعقوبات دولية إلى مناصب عليا، يجعل وعود المواطنة المتساوية محفوفة بمخاطر وجودية حقيقية على الكرد.
مخاوف من مركزية مفرطة وإصلاحات شكلية
من جهته، قال أندرو تابلر، الباحث في معهد سياسة الشرق الأدنى، خلال شهادته حول المرحلة الانتقالية في سوريا، إن نموذج الحكم في دمشق لا يزال مركزياً للغاية، ويتعامل مع المكونات بطريقة شكلية لا تعكس شراكة حقيقية في السلطة.
وأوضح تابلر أنه رغم التوصل إلى اتفاق بين "قسد" ودمشق، فإن استبعاد الفاعلين الكرد من مسار الحوار الوطني سيقوض شرعية النظام الجديد في شمال شرق سوريا، محذراً لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب من أن عملية دمج الأجهزة الأمنية تبدو أقرب إلى "إعادة رفع العلم" منها إلى إصلاح مؤسسي حقيقي.
وأشار إلى أن العديد من "الميليشيات"، بما في ذلك فصائل مدعومة من تركيا، ما تزال تحتفظ بسلاسل قيادة مستقلة، الأمر الذي يُبقي المناطق ذات الغالبية الكردية في حالة من الغموض والفوضى السيادية.
وأضاف أن الولايات المتحدة تعتمد نهج "الشرطي الجيد مع استخدام انتقائي للشرطي السيئ" في التعامل مع حكومة الشرع في دمشق، معتبراً أن الاختبار الحقيقي يتمثل في استعداد واشنطن لإعادة فرض العقوبات إذا اقتضى الأمر، لحماية قوات سوريا الديمقراطية والمدنيين الكرد من التحركات العسكرية الأخيرة.
التزام أخلاقي أميركي
بدوره، أكد السفير الأميركي السابق إلى سوريا جيمس جيفري أن على الولايات المتحدة "التزاماً أخلاقياً" بضمان عدم تعرض حلفائها الكرد لسوء المعاملة من قبل الحكومة السورية الجديدة. وشدد على أنه مع تقدم تنفيذ اتفاق دمج "قسد" الموقع في 30 كانون الثاني، يتعين على واشنطن أن تبقى ضامناً فعلياً لحقوق الكرد.
وفي تقييم صريح، ذكر جيفري الكونغرس بأن العلاقة بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية كانت دائماً "مؤقتة، تكتيكية، وتبادلية"، مشيراً إلى أن سقوط نظام بشار الأسد غير المعادلة باتجاه أفضل، لكنه تساءل عن كيفية موازنة واشنطن بين شراكتها الناشئة مع دمشق ومتطلبات الحكم الذاتي الكردي.
ورأى أن دمج "قسد" ضمن دولة سورية موحدة يبقى أمراً حتمياً في سياق مكافحة الإرهاب، إلا أن نجاح المرحلة الانتقالية مرهون بمدى وفاء حكومة الشرع بالتزاماتها تجاه الكرد.
تحذيرات من تصاعد العنف
من جانبه، حذر النائب غريغوري ميكس، العضو البارز في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي، من تصاعد مقلق في أعمال العنف ضد المكونات الدينية والعرقية في سوريا، بما في ذلك الهجمات على دور العبادة، معتبراً أن ذلك يهدد أي أمل في بناء مستقبل سوري جامع بعد الأسد.
وأكد ميكس أن قوات سوريا الديمقراطية لا تزال شريكاً أساسياً للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، مشدداً على أن الكرد الذين تحلوا بالشجاعة وتحالفوا مع واشنطن لهزيمة داعش، يواجهون اليوم موجة جديدة من العنف وعدم اليقين.
ورحب ميكس باتفاق 30 كانون الثاني بين دمشق و"قسد"، لكنه شدد على ضرورة رؤية التزام عملي وملموس من القيادة السورية بوقف الانتهاكات وحماية الكرد وسائر المكونات.
وفي السياق نفسه، قال النائب براين ماست، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي، إن سوريا لا تزال بعيدة جداً عن تلبية التوقعات الأميركية، معتبراً أن الإجراءات الأخيرة بحق الدروز والكرد وحلفاء واشنطن تمثل خطوات في الاتجاه الخاطئ.
وأوضح ماست أن أي تخفيف أو رفع لعقوبات "قانون قيصر" كان مشروطاً بوضوح بحماية المكونات، وإجراء إصلاحات عسكرية حقيقية، والتعاون مع الولايات المتحدة في ملف مكافحة "الإرهاب".
خلاف جوهري حول شكل الدولة
بدورها، قالت الدكتورة مارا كارلين، أستاذة الممارسة في جامعة جونز هوبكنز وزميلة زائرة في معهد بروكينغز، إن الحكومة في دمشق تسعى إلى نموذج "سوريا موحدة" شديدة المركزية، في حين تفضل قوات سوريا الديمقراطية نموذجاً لا مركزياً للحكم.
وأضافت: "بالنسبة للكرد، فإن الاندماج الحقيقي في الدولة السورية يتطلب شعوراً فعلياً بالأمان، وبأن لهم مستقبلاً سياسياً وثقافياً داخل هذا الكيان".
وأشارت إلى أن الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية يُعد مؤشراً مهماً على المسار الذي قد تتخذه سوريا مستقبلاً، لكنها شددت على أن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي مطالبون بتوجيه الحوافز لكلا الطرفين لمنع اندلاع موجة عنف جديدة، محذرة من أن أمن الكرد لا ينبغي أن يُضحى به مقابل حلول سريعة وشكلية تحت شعار "الوحدة".