*د. عدالت عبد الله
عن صحيفة كوردستاني نوى/الترجمة:نرمين عثمان محمد
على وقع أحداث الأشرفية والشيخ مقصود في سوريا، وبالتزامن مع جملة من التطورات الإقليمية والدولية السابقة واللاحقة، شاركتُ قبل مدة، مع عدد من الباحثين، في ندوة علمية بدعوة من جامعة(راپەڕین) ، جرى فيها بحث التحديات التي تواجه السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
في ورقةٍ بحثيةٍ أعددناها، اخترنا عنوانا مقصودا يحمل إشارة واضحة إلى قدوم مرحلة خطِرة، سيكون الكرد – للأسف – أحد الأطراف الذين سيواجهونها في المنطقة. وكان عنوان محورها الرئيس: «الكرد في عالمٍ مخيف..!». واستندنا في ذلك إلى مؤشرات الحرب الروسية-الأوكرانية، وسقوط نظام الأسد، وحرب غزة، ثم حرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وإيران، فضلا عن صراعات أخرى في المنطقة، يقابلها موقف دولي عاجز وانقسام عالمي على أكثر من محور متناقض في المواقف. وكل ذلك يدل بوضوح على أن المنطقة، بل والعالم عموما، يدفعان أثمانا أمنية وإنسانية ومادية باهظة، ولن تنتهي قريبا.
وربطنا هذا الاستنتاج بجانبٍ من التنظير والفلسفة السياسية التي تحوّلت – مع الأسف – إلى ممارسة فعلية لدى القوى الكبرى في المنطقة والعالم. والمقصود هو اعتماد خيار الحرب والعنف، إما بديلا عن الجهود الدبلوماسية التي وصلت إلى طريق مسدود، أو وسيلة لفرض ما يُسمّى بالسلام، الذي ينتهي في جوهره إلى حربٍ مفتوحة أو حربٍ مقنّعة تحت شعار تحقيق الاستقرار!
وفي تلك الندوة، ثم في ورقةٍ لاحقة، نبّهنا إلى أن هذا المنظور الخطير على السلام والنظام الدولي المعاصر، والذي بدأ منذ عام 2022، سيؤدي إلى اتساع رقعة الصراعات، وسفك مزيد من دماء المدنيين، وتجدد المآسي الإنسانية، وتشريد الملايين، وتدمير مساحات واسعة من العمران في المناطق المشتعلة.
ولعل أبرز الأدلة على ذلك ما شهدته مدن مثل خاركيف، ماريوبول، باخموت، سيفيرودونيتسك، ليسيتشانسك، إيربين وبوتشا قرب كييف في الحرب الروسية-الأوكرانية. وفي سوريا: حلب، الرقة، دير الزور، إدلب وريفها، حمص، الحسكة، قامشلو، ومحيط كوباني. وفي فلسطين: غزة، وأجزاء من خان يونس، رفح، جباليا، بيت حانون. وفي اليمن: صنعاء، تعز، مأرب، صعدة. وفي ليبيا: طرابلس، سرت، مرزق، سبها. وفي لبنان: جنوب البلاد، بل وحتى بعض أحياء بيروت. وكلها تكبدت خسائر جسيمة.
فإذا كانت تلك الدول والمناطق، رغم امتلاكها كياناتٍ ودولا قائمة، لم تستطع أن تحمي نفسها من الدمار والحروب الدامية، فكيف سيكون حال أمةٍ مثل الكرد في عالمٍ كهذا؟ هل سيتوقف الموت والقصف والنزوح عند حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب؟ أم يمكن، بذريعة إحياء أجندات قديمة، أن يتوسع المشهد تدريجيا ليطال أجزاء أخرى من كردستان، على الأقل نحو جنوبها وشرقها، لا سيما أن العراق وإيران يمثلان محورين جيوسياسيين في هذه المعادلة التدميرية الإقليمية والدولية؟
حين يقول المبعوث الأمريكي باراك: «إذا كانت الحروب في الشرق الأوسط لم تنتهِ على أيدي الأنبياء، فكيف ستنتهي على أيدينا؟»، فإن ذلك بحد ذاته تعبير عن احتمالات حربٍ واسعة ومفتوحة في المنطقة. وحين يتحدث هاكان فيدان عن حربٍ قادمة في سنجار وقنديل ومخمور، فإنه يكشف جانبا من السيناريوهات المحتملة. وحين تسعى روسيا للعودة بقوة إلى الساحة السورية والإقليمية، وترسل مع الصين أسلحة جديدة إلى طهران وتعزز قدرات إيران الدفاعية الجوية، ندرك أن الحروب باتت ذات أبعاد عالمية.
وحين يُعِدّ شرع ورغد صدام في دمشق أحد عشر ألف مسلحٍ سنيّ وبعثي سابق لسيناريوهات مستقبل العراق، وحين توسّع إسرائيل حدودها الأمنية داخل سوريا، وحين تتسع تنافسات السعودية والإمارات في الخليج والشرق الأوسط وأفريقيا، وحين ينفذ العراق عمليات عسكرية واسعة على حدوده مع سوريا، وحين تتكثف حاملات الطائرات الأمريكية في بحار المنطقة – فإن كل ذلك، إلى جانب تطورات أخرى كثيرة، يعكس فلسفة سياسية باتت ترى في الحرب خيارا قويا ومطروحا.
صحيح أن المفاوضات، ومحاولات التفاهم، والمؤتمرات، والبيانات، والتحركات الدبلوماسية لا تزال قائمة لكبح هذا الخيار، لكن بما أن الخيار نفسه – للأسف – متشابك مع أطماعٍ ورؤى سياسية خاصة وخطيرة، تحمل في طياتها إشارات إلى إعادة رسم خرائط المنطقة والعالم، فإنه يبقى احتمالا مفتوحا.
ويبقى السؤال: ماذا أعدّ الكرد لأنفسهم في هذا العالم المخيف؟ ما هي خططهم واحتياطاتهم ليخرجوا بأقل الخسائر الممكنة؟