×


  المرصد الايراني

  بين التهديد والدبلوماسية.. هل تضرب واشنطن إيران مجددا؟



The National Interest/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

تقرير: عمر .هـ .رحمن:يبدو ان التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران قد افسحت المجال مؤقتا لنشاط دبلوماسي مكثف يهدف الى تفادي الحرب. فقد تنقل مبعوثون ومسؤولون من الجانبين، الى جانب اطراف اقليمية اخرى، بين عواصم مختلفة بحثا عن مسار للمضي قدما.

وجاءت النتيجة في السادس من شباط عبر محادثات غير مباشرة في سلطنة عمان، وصفها الرئيس ترامب بانها كانت جيدة جدا، فيما قال الرئيس الايراني انها تمثل خطوة الى الامام، مع توقع عقد اجتماعات اخرى. ان مجرد انطلاق هذه المناقشات يشير الى ان ايا من العاصمتين لا يعتقد ان المواجهة حتمية. غير ان التحرك المتوازي للاصول البحرية الامريكية نحو الخليج الفارسي، والذي سماه ترامب اسطوله الجميل، يروي قصة مختلفة.

من الصعب الجزم بما اذا كان هذا الحشد تمهيدا للحرب ام محاولة محسوبة لارباك ايران ودفعها لتقديم تنازلات. فمع ترامب غالبا ما تكون النية هدفا متحركا. فقد يكون الفعل ذاته تهديدا او ورقة تفاوض او اندفاعا لحظيا، واحيانا كل ذلك معا. سياسته الخارجية نادرا ما تسير وفق منطق خطي، بل غالبا ما تكون مرتجلة ومتاثرة بمن كان اخر من تحدث الى الرئيس. ومع ذلك، فان غياب استراتيجية واضحة لا يعني ان لا بنية تحكم المسار. فالنتائج قد تتحدد بفعل تجاذب تيارات قوية داخلية واقليمية وشخصية، تدفع الولايات المتحدة نحو الصراع او تكبحه.

معسكر دعاة الحرب في واشنطن صاخب ومنظم جيدا. فالايرانيون المقيمون في الخارج ممن يحلمون بتغيير النظام، وفي بعض الحالات باعادة الملكية، وجدوا زخما جديدا في عهد ترامب. وينضم اليهم التحالف المألوف من المحافظين الجدد ولوبيات اسرائيل وصقور الكونغرس، من امثال السيناتورات ليندسي غراهام وتيد كروز وتوم كوتن، الذين ينظرون الى ايران بوصفها العقبة الاخيرة امام نظام امريكي اسرائيلي في الشرق الاوسط.

ويتمتع رئيس الوزراء الاسرائيلي بوصول غير مقيد الى الرئيس، اذ زاره سبع مرات في عام 2025، واثبت مهارة في تصوير كل تحرك ايراني على انه تهديد وجودي. وبالنسبة لهذا التحالف، فان الدبلوماسية مفيدة فقط اذا ادت الى استسلام كامل.

في المقابل، توجد كتلة اوسع لكنها اقل تنظيما، تمتد عبر الطيف السياسي الامريكي. فبعد عقدين من الحروب العقيمة، لا يرغب معظم الناخبين في خوض مواجهة مكلفة جديدة في الشرق الاوسط. وهم يريدون من الحكومة التركيز على قضايا داخلية ملحة، لا على اعادة تشكيل ايران. وقد ساهم هذا المزاج في عودة ترامب الى البيت الابيض، لكنه بدأ لاحقا في التخلي عنه تدريجيا. فقراره اشراك الجيش الامريكي في حرب اسرائيل في حزيران 2025 كاد ان يمزق حركة ماغا، بعد ان اطلق موجة اعتراض قوية من اليمين الشعبوي.

ومع ذلك، من الواضح ان استعراض القوة العسكرية اغرى ترامب. فالعمليات المحدودة ذات الطابع الاستعراضي، مثل ضربات حزيران على المنشات النووية الايرانية، وخطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني، تناسب ذائقته في الحسم الدرامي من دون التزام طويل الامد. فهي تمنحه صورة القوي، مع تجنب الاحتلال الفوضوي الذي اعقب غزو العراق وافغانستان. لكن ايران ليست فنزويلا، وبالتاكيد ليست هدفا يمكن اخضاعه من الجو فقط. فاي تغيير حقيقي للنظام سيتطلب وجود قوات امريكية على الارض وتحملا لمسؤولية انتقال قد يكون فوضويا، وهو سيناريو يخشاه ترامب بوضوح.

حتى الان، ساهمت اطراف اقليمية في كبح اندفاعات ترامب. فالسعودية وتركيا وقطر، وهي دول يحترمها الرئيس ويسعى لكسب ودها، تخشى ان تشعل حرب امريكية ايرانية المنطقة باكملها. ويبدو ان دبلوماسيتها الهادئة في كانون الثاني قد اسهمت في ثني الرئيس عن التصعيد، عبر تذكيره بان الامن الجماعي في الخليج، واسواق النفط، وطرق التجارة، والاصلاحات الداخلية الهشة ستكون جميعها في خطر. ولا واحدة من هذه الدول تحب ايران، لكنها تفضل قوة محلية محاصرة على حريق اقليمي شامل.

 

دروس قاسية

اما طهران، فقد استخلصت دروسا قاسية من العامين والنصف الماضيين. فمحاولاتها اظهار الحذر في مواجهاتها مع اسرائيل والولايات المتحدة فسرها خصومها على انها ضعف، ما شجعهم على تصعيد الضغوط. واليوم يتحدث القادة الايرانيون علنا عن الردع عبر قوة حاسمة، وربما استباقية. واذا ما وجهت الولايات المتحدة ضربة اخرى، فمن المرجح ان يكون الرد اشد بكثير من الجولات السابقة، عبر هجمات مباشرة وغير منضبطة على اصول عسكرية امريكية، وربما حتى على بنى اقتصادية وطاقوية في عموم الخليج. وقد حذر المرشد الاعلى خامنئي مؤخرا من حرب اقليمية اذا تعرضت ايران لهجوم، في محاولة لتدويل الصراع واجبار اطراف اوسع على التدخل لكبح الولايات المتحدة واسرائيل.

تجري هذه الحسابات في ظل ضغوط متراكمة ومتعددة الابعاد على النظام الايراني. فالعقوبات تزداد قسوة، وطهران تعاني شحا حادا في المياه، والاضطرابات الداخلية باتت تهديدا وجوديا، ما دفع الى مستويات غير مسبوقة من القمع العنيف، وهناك اسباب قوية للاعتقاد بان اجهزة استخبارات اسرائيلية وربما امريكية تغذي هذا الاضطراب.

 

الاستراتيجية واضحة:

اشعال حرائق كثيرة بحيث يتمدد النظام الى حد الانهيار. غير ان هذا الانفجار الداخلي قد يخدم اسرائيل التي لطالما فضلت جيرانا ضعفاء ومجزئين على دول قوية ومركزية، لكنه سيكون كارثيا على بقية المنطقة. فايران بلد يضم 93 مليون نسمة، اي ضعف حجم العراق، واي فراغ سياسي وامني هائل قد يطلق عنفا داخليا واسعا، وانهيارا اقتصاديا، وتدفقات لاجئين، واضطرابا في امدادات الطاقة العالمية يفوق كل ما شهدناه في العقود الاخيرة.

 

الى اين تتجه المفاوضات اذا؟

ان القوى ذاتها التي تشكل احتمالات الصراع حاضرة على طاولة التفاوض. فالصقور يصرون على ان يشمل اي اتفاق ليس فقط البرنامج النووي الايراني، بل ايضا الصواريخ الباليستية والتحالفات الاقليمية. وهم يعلمون ان هذه المطالب شبه مستحيلة القبول من جانب طهران، وهذا هو المقصود. فالتخلي عن الصواريخ سيجرد ايران من وسيلتها الاساسية للدفاع، وهو خط احمر لا يمكن لاي حكومة ايرانية تجاوزه، خاصة بعد ان اثبتت المواجهة مع اسرائيل في حزيران اهمية هذه القدرات. ولهذا تصر اسرائيل على تفكيكها.

هذه الاجندة القصوى تجعل جولة المحادثات الاخيرة اقرب الى الفشل منها الى النجاح. كما ان تفاقم الازمات المتداخلة داخل ايران يشجع خصومها على عدم تخفيف الضغوط عبر تسويات قد تفضي الى انفراج. بل ان اغراء اختبار طهران بعملية عسكرية محدودة اخرى لمعرفة ما اذا كان النظام سينهار يزداد قوة. وعلى الرغم من ان الدبلوماسية جارية، فقد استخدمت ادارة ترامب مفاوضات نووية سابقة كغطاء لغارة جوية اسرائيلية العام الماضي.

مع ذلك، فان الحرب ليست قدرا محتوما. فغريزة ترامب تبقى صفقية لا ايديولوجية. فهو يريد صفقات يمكن تسويقها كانتصارات، لا احتلالات عسكرية تنتهي بهزائم. ويدرك شركاؤه العرب والمسلمون ذلك، ويواصلون البحث عن صيغة تمنح ايران قدرا كافيا من الكرامة لقبول القيود، وفي الوقت نفسه تمنح ترامب مشهد النجاح. وقد تسفر دبلوماسية عمان في نهاية المطاف عن مثل هذه المفاجاة.

في الاسابيع وربما الاشهر المقبلة، سيتضح اي القوى سيكون اقوى: جاذبية الصقور الذين يعتقدون ان الظروف باتت مهيأة لاخضاع ايران نهائيا، ام حذر رئيس يخشى ان يصبح وصيا على مستنقع شرق اوسطي جديد. وبين هذين القطبين يظل هناك مسار ضيق يمكن ان تنتصر فيه المفاوضات. وما اذا كانت واشنطن وطهران قادرتين على العثور عليه قبل ان يغلقه خطا واحد في الحسابات، يبقى السؤال الجوهري في هذه اللحظة شديدة الخطورة.

*عمر هـ رحمن: زميل في مجلس الشرق الاوسط للشؤون العالمية، وهو محرر افكار، المنصة الرقمية للمجلس المتخصصة في التحليل والرؤى حول قضايا المنطقة. عمل سابقا زميلا غير مقيم في معهد بايكر للسياسات العامة، وزميلا زائرا في مركز بروكنغز الدوحة، حيث ركزت ابحاثه وكتاباته على الصراع الاسرائيلي الفلسطيني ومنطقة الخليج العربي.


15/02/2026