*المستشار الألماني فريدريش ميرتس
نص خطابه في مؤتمر ميونخ للامن في 13 فبراير 2026
موقع المستشار الالماني /الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
مقدمة المترجم: اثار خطاب المستشار الالماني دهشة الحاضرين منذ لحظاته الاولى، حين اطلق في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر ميونخ للامن تحذيرا صريحا وغير مسبوق مفاده ان النظام العالمي الذي عرفه العالم لعقود لم يعد قائما.
ففي خطاب اتسم بنبرة تشخيصية حادة ورؤية استراتيجية واسعة، قدم المستشار الالماني فريدريش ميرتس قراءة قاتمة للتحولات الدولية المتسارعة، واضعا اوروبا امام مسؤولياتها التاريخية في مرحلة تتسم بعودة صراع القوى الكبرى، وتراجع مسلمات الاستقرار، وتصاعد التحديات الامنية والسياسية والاقتصادية.
وجاء هذا الخطاب، الذي القي في مؤتمر ميونخ للامن بتاريخ 13 فبراير 2026، ليعكس تحولا واضحا في المقاربة الالمانية، من الحذر التقليدي الى الدعوة الصريحة لتفعيل القوة الاوروبية، وتعزيز الشراكات، والاستعداد لنظام دولي جديد يتشكل على وقع الازمات والصراعات.
فيما ياتي تنشر "المرصد" حصريا نص كلمة المستشار الألماني:
السيدات والسادة،
احضر مؤتمر ميونخ للامن منذ اكثر من 30 عاما حتى الان، مع انقطاع او اثنين. كان مؤتمر ميونخ للامن دائما بمثابة جهاز لقياس الاهتزازات في الوضع السياسي. ففي سنواته الاولى كان يقيس العلاقات بين الولايات المتحدة واوروبا، ومنذ سنوات طويلة اصبح يقيس الوضع السياسي الدولي برمته.
في الماضي كنت ااتي الى هنا اساسا لتعزيز العلاقات مع اصدقائنا الامريكيين، ولكن ايضا للقاء فاعلين جدد في السياسة الخارجية والامنية من بلدان عديدة حول العالم.
منذ عدة سنوات باتت الاجواء في هذه القاعة تتسم بتزايد التوترات والصراعات في مختلف انحاء العالم ومنذ حرب العدوان الروسية ضد اوكرانيا قبل اربعة اعوام دخلنا مرحلة جديدة من الحروب والصراعات المفتوحة ابقتنا في حالة استنفار وغيرت عالمنا بصورة اعمق بكثير مما كنا نتخيل طوال سنوات عديدة قبل ذلك. في هذا السياق، كان من المهم بالنسبة لي يا فولفغانغ ايشينغر ان افتتح المؤتمر اليوم. فنحن بحاجة الى ان نتحدث مع بعضنا بعضا، وبصورة اكثر الحاحا من اي وقت مضى.
وقبل ان نفعل ذلك، اسمحوا لي باسم الحكومة الاتحادية ان اشكر فولفغانغ ايشينغر على توليه مرة اخرى رئاسة المؤتمر هذا العام. شكرا جزيلا لك يا فولفغانغ على عملك، وخاصة هذا العام.
تحت الدمار
يحمل هذا المؤتمر عنوانا كئيبا: تحت الدمار. يوحي هذا العنوان بان النظام الدولي القائم على الحقوق والقواعد يوشك على الانهيار. واخشى ان علينا ان نقول الامر بوضوح اكبر: هذا النظام، رغم كل ما كان يعتريه من قصور حتى في افضل اوقاته، لم يعد قائما.
وماذا عنا نحن في اوروبا؟
لقد كتب بيتر سلوتردايك قبل اسابيع ان اوروبا عادت لتوها من عطلة طويلة من تاريخ العالم. لقد عبرنا معا عتبة حقبة تتسم مرة اخرى بسياسة القوة، ولا سيما سياسة القوى الكبرى.
في المقام الاول هناك النزعة الروسية العنيفة الى مراجعة النظام القائم، حرب وحشية ضد اوكرانيا وضد نظامنا السياسي، مع ارتكاب اخطر جرائم الحرب يوميا.
لكن هذا ليس سوى اوضح تجل نراه كل يوم. فنحن نشهد تطورات اخرى حول العالم تختلف عما كنا نناقشه هنا خلال السنوات والعقود الماضية. لدى الصين طموح لتشكيل الشؤون العالمية، وقد ارست لذلك اسسا على مدى سنوات بصبر استراتيجي.
وفي المستقبل المنظور قد تلحق بكين بالولايات المتحدة من حيث القوة العسكرية. وتستغل الصين بشكل منهجي تبعيات الاخرين، وتعيد تفسير النظام الدولي وفق شروطها الخاصة.
اذا كان هناك بعد سقوط جدار برلين لحظة احادية القطب في التاريخ، فقد ولت منذ زمن وعلى اي حال، فان ادعاء الولايات المتحدة للقيادة يتعرض للتحدي، وربما للتراجع.
غير ان عودة سياسة القوة لا يمكن تفسيرها فقط بتنافس الدول الكبرى، فهي تعكس ايضا مجتمعات مضطربة تمر بتحولات عميقة. وهي تعبير عن توق الى قيادة قوية حتى في العديد من الدول الديمقراطية، في عالم تصل فيه حتى الدول ذات الانظمة الديمقراطية الى حدود قدرتها على الفعل.
تبدو سياسة القوى الكبرى وكأنها تقدم اجابات قوية وبسيطة، على الاقل لتلك القوى الكبرى وعلى الاقل في الوقت الراهن وقد ادارت ظهرها لعالم كانت فيه الترابطات المتزايدة تترجم الى تقنين وتهدئة للعلاقات بين الدول.
تعمل سياسة القوى الكبرى وفقا لقواعدها الخاصة، فهي سريعة الوتيرة، صارمة، وغالبا غير متوقعة. تخشى التبعيات الخاصة بها، لكنها تستغل تبعيات الاخرين، واذا اقتضى الامر تستفيد منها. يتحول التركيز الى صراع على مناطق النفوذ والتبعيات والولاءات.
تصبح المواد الخام والتقنيات وسلاسل التوريد ادوات قوة في لعبة محصلتها صفر بين القوى الكبرى وهي لعبة خطيرة، اولا بالنسبة للدول الصغيرة، وربما لاحقا بالنسبة للكبرى ايضا.
ان اصدقاءنا في الولايات المتحدة يتكيفون مع هذا الواقع بسرعة كبيرة، لقد ادركوا حاجتهم الى اللحاق بالصين، واستخلصوا استنتاجات جذرية في استراتيجيتهم للامن القومي. وهم يفعلون ذلك بطريقة لا تكبح هذا التوجه بل تسرعه.
ونحن الاوروبيين نتخذ ايضا احتياطات لهذه الحقبة الجديدة، ونصل في ذلك الى استنتاجات مختلفة عن الادارة في واشنطن على سبيل المثال.
مهمتنا الاولى اليوم، كمواطنين اوروبيين وكالمان بالطبع، هي الاعتراف بهذه الحقيقة الجديدة. وهذا لا يعني قبولها كقدر محتوم. لسنا تحت رحمة هذا العالم. يمكننا ان نشكله. ليس لدي ادنى شك في اننا سنحافظ على مصالحنا وقيمنا اذا تصرفنا بحزم، معا، وبثقة في قوتنا. سنجتاز العاصفة ونحافظ على حريتنا. سنفتح ابوابا جديدة ونغتنم فرصا جديدة، وقد نخرج اقوى من هذا الاختبار اذا احسنا التصرف.
لنكن واقعيين، علينا اولا ان نحدد اهدافنا ثم خياراتنا. تستمد اهداف السياسة الخارجية والامنية لالمانيا من قانوننا الاساسي وتاريخنا وجغرافيتنا. حريتنا في المقام الاول. امننا يجعل هذه الحرية ممكنة، وقوتنا الاقتصادية تخدم هذه الحرية.
قانوننا الاساسي وتاريخنا وجغرافيتنا تلزمنا دائما بالتفكير في اهدافنا في اطار اوروبا. هذا التوجه يتماشى مع مصالحنا، وهو السبيل الوحيد لفتح افضل الفرص لبلدنا، سياسة المانيا الخارجية والامنية راسخة في اوروبا، وهذه اوروبا اليوم اكثر قيمة من اي وقت مضى. ونحن نعيد الان مواءمة سعيينا لتحقيق اهدافنا مع قدراتنا الذاتية.
دعوني اكون صريحا: اذا قورنت موارد السياسة الخارجية الالمانية في العقود الماضية، فقد كان لديها فائض معياري، اذا جاز التعبير. وبحسن نية انتقدت انتهاكات النظام الدولي حول العالم، ووعظت وطالبت ووبخت.
لكنها لم تهتم بما يكفي بحقيقة ان الوسائل اللازمة لمعالجة الاوضاع كانت غالبا غير متوفرة. اتسعت الفجوة بين الطموح والقدرة اكثر من اللازم. ونحن نعمل على ردمها، فبهذا فقط يمكننا انصاف الواقع بشكل افضل.
لنحاسب انفسنا على قدراتنا. يبلغ الناتج المحلي الاجمالي لروسيا حاليا نحو تريليوني يورو، بينما يبلغ ناتج الاتحاد الاوروبي نحو عشرة اضعاف ذلك.
ومع ذلك فان اوروبا اليوم ليست اقوى بعشرة اضعاف من روسيا لدينا امكانات عسكرية وسياسية واقتصادية وتكنولوجية هائلة، لكننا ما زلنا بعيدين عن استغلالها بالقدر اللازم.
الاهم الان هو ان نغير طريقة تفكيرنا، لقد ادركنا انه في عصر القوى الكبرى لم تعد حريتنا امرا مسلما به، بل اصبحت مهددة. وسيتطلب الدفاع عنها عزيمة وارادة، واستعدادا للتغيير والتحول، بل وحتى للتضحية، ليس في وقت ما في المستقبل بل الان.
لاسباب مهمة، لا نتعامل في المانيا بخفة مع سلطة الدولة. فمنذ عام 1945 ترسخ في وعينا ضرورة تقييد هذه السلطة. لكن ليس فقط الافراط في سلطة الدولة يدمر اسس حريتنا، بل ايضا ضعفها المفرط يؤدي الى النتيجة ذاتها عبر طريق مختلف. لهذه المسالة بعد اوروبي عميق، قبل خمسة عشر عاما حذر راديك سيكورسكي بوضوح قائلا انه يخشى تقاعس المانيا اكثر من قوتها. وهذه ايضا جزء من مسؤوليتنا المنبثقة من قانوننا الاساسي وتاريخنا وجغرافيتنا، ونحن نقبل هذه المسؤولية.
نحتاج الى استراتيجية تحل معضلة واضحة. اعادة تنظيم العالم من قبل القوى الكبرى تحدث بوتيرة اسرع واكثر عمقا مما نستطيع ان نعزز فيه انفسنا، لذلك لا اقتنع بالدعوات المتسرعة التي تطالب اوروبا بشطب الولايات المتحدة كشريك.
افهم القلق والشكوك، واشارك بعضها، لكن هذه الدعوات لا تاخذ في الاعتبار الحقائق الجيوسياسية القاسية في اوروبا وتقلل من قيمة الشراكة مع الولايات المتحدة رغم كل الصعوبات.
لن يكفي الرد على مناورات القوى الكبرى بخطابة ذكية، نحن نضع جدول اعمالنا الخاص في هذه الاوقات الصعبة، ونعيد التفكير في دورنا. هذا الجدول ما زال يتشكل، لكن تنفيذه جار بالفعل. نستثمر الضغط الذي نتعرض له لخلق شيء جديد، واملنا ان يكون جيدا.
سياسة القوة في اوروبا ليست خيارا لالمانيا. القيادة بروح الشراكة نعم، الاوهام الهيمنية لا. لن نسير وحدنا مرة اخرى. هذا هو الدرس الدائم من تاريخنا. نؤكد حريتنا مع جيراننا وحلفائنا وشركائنا فقط. نبني على قوتنا وسيادتنا وتضامننا الاوروبي بروح من الواقعية المبدئية.
السيدات والسادة، يتضمن برنامج الحرية هذا اربع نقاط.
اولا، نعزز انفسنا عسكريا وسياسيا واقتصاديا وتكنولوجيا. نقلل تبعياتنا وهشاشتنا. اولويتنا تعزيز اوروبا داخل الناتو والاستثمار بقوة في ردع موثوق. عدلنا دستورنا، والتزم الحلفاء في قمة لاهاي باستثمار خمسة بالمئة من ناتجهم في الامن مستقبلا. ستستثمر المانيا مئات المليارات من اليورو خلال السنوات المقبلة.
ندعم اوكرانيا دبلوماسيا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا في مقاومتها للشوفينية الروسية. تكبدت موسكو خسائر غير مسبوقة. اذا وافقت على السلام فسيكون ذلك جزئيا بفضل هذا الدعم، وهو تعبير عن قدرة اوروبا على الدفاع عن نفسها.
اطلقنا مشاريع تسلح كبرى في الدفاع الجوي والضربات الدقيقة العميقة وتقنيات الاقمار الصناعية. نعيد احياء صناعتنا الدفاعية وننشئ مصانع ووظائف جديدة. اصلاح الخدمة العسكرية بدا، وسنعيد ضبطه اذا لزم الامر. نعزز الجناح الشرقي للناتو بلوائنا في ليتوانيا. سنضمن مزيدا من الامن في الشمال العالي. وسنجعل الجيش الالماني اقوى جيش تقليدي في اوروبا باسرع وقت ممكن.
في الوقت نفسه نجعل مجتمعنا واقتصادنا اكثر صلابة، ونحصن بنيتنا التحتية وسلاسل التوريد، ونعزز اجهزتنا الاستخباراتية، وندفع قدما بتقنيات المستقبل وعلى راسها الذكاء الاصطناعي.
ثانيا، نعزز اوروبا. اوروبا ذات السيادة هي افضل رد على هذه الحقبة. يجب تقليل البيروقراطية والتركيز على الحرية والامن والتنافسية. نعمل مع قادة الاتحاد الاوروبي على خارطة طريق لاوروبا قوية ذات استراتيجية امنية خاصة بها، دون ان تكون بديلا عن الناتو بل ركنا اوروبيا قويا داخله. نجري محادثات حول الردع النووي في اطار التزاماتنا داخل الناتو. ونعزز صناعة الدفاع الاوروبية عبر التوحيد والتوسيع والتبسيط. كما ندعم اتفاقيات التجارة الحرة مع شركاء استراتيجيين.
ثالثا، نريد شراكة اطلسية جديدة. هناك صدع عميق بين اوروبا والولايات المتحدة. اذا اردنا لمشاركتنا مستقبلا فعلينا اعادة بنائها بشكل ملموس. الناتو ميزة تنافسية لنا ولكم. علينا اصلاح الثقة عبر الاطلسي معا. نحن الاوروبيين نقوم بدورنا.
رابعا، نبني شبكة قوية من الشراكات العالمية. لم تعد اوروبا والشراكة الاطلسية وحدهما كافيتين للحفاظ على حريتنا. نقترب من شركاء جدد حتى لو لم نتفق معهم في كل شيء، لكننا نتشارك مصالح اساسية، ونؤمن بنظام دولي قائم على القانون وحل النزاعات سلميا.
نحن الالمان نعلم ان عالما تحكمه القوة وحدها سيكون مظلما. في القرن العشرين سلك بلدنا هذا الطريق الى نهايته المريرة. اليوم نسلك طريقا مختلفا وافضل.
قوتنا الكبرى تكمن في قدرتنا على بناء شراكات وتحالفات ومنظمات قائمة على القانون والاحترام والثقة والايمان بقوة الحرية. بعد عام 1945 كان اصدقاؤنا الامريكيون على وجه الخصوص من رسخوا فينا هذا الايمان. لن ننسى ذلك. وعلى هذا الاساس اصبح الناتو اقوى تحالف سياسي في التاريخ.
نظل اوفياء لهذه الفكرة، وبكل قوتنا وشغفنا نحملها الى عصرنا الجديد حتى يكون عصرا جيدا لا مظلما، لنا ولاجيال ابنائنا واحفادنا الذين يعولون علينا في هذه الايام والاسابيع. ونحن عازمون على القيام بذلك.