العربي الجديد- صابر غل عنبري:فيما أمهل الرئيس الامريكي دونالد ترامب إيران ما بين عشرة أيام وخمسة عشر يوما للتوصل إلى اتفاق يتوافق مع شروط واشنطن، تتصاعد وتيرة الحشد العسكري الامريكي في المنطقة عبر إرسال مزيد من القطع والمعدات، في مشهد يتخذ تدريجيا ملامح اصطفاف حربي واضح. وداخل إيران، يخيم على الشارع العام مناخ من الترقب والقلق، في وقت تصعد فيه أوساط معارضة، ولا سيما التيار الملكي، دعواتها إلى استهداف البلاد عسكريا بهدف إسقاط الجمهورية الإسلامية.
وفي المقابل، يشهد وسط الخبراء داخل إيران انقساما واضحا حول دلالات تعاظم الحشد العسكري الامريكي وتصاعد الخطاب الإعلامي عن قرب المواجهة بين من يرى فيه مؤشرا جديا إلى حرب وشيكة، ومن يعتبره أداة ضغط سياسية ونفسية لفرض تنازلات تفاوضية.
وفي هذا السياق، ما زالت تخرج أصوات حاكمة تصف هذه التحركات بأنها "حرب نفسية"، وسط تساؤلات متزايدة عما إذا كان هذا التوصيف يندرج في إطار تهدئة الرأي العام واحتواء القلق الداخلي، أم أنه يستند إلى تقدير فعلي لموازين القوى واحتمالات التصعيد.
وفي هذا الإطار، قال عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني عباس بابي زاده إن "إيران أعدت تقنيات وأسلحة خاصة وسرية للرد على أي هجوم محتمل"، معتبرا في الوقت ذاته أن التهديدات الامريكية الأخيرة والاستعراض الإعلامي لحاملات الطائرات "لا تهدف إلا إلى زعزعة الأمن النفسي للمجتمع الإيراني والتأثير على الاقتصاد".
***من جهته، رأى عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني سالار ولايت مدار، اليوم الجمعة، أن اقتراب القطع البحرية الامريكية من السواحل الإيرانية "لا يعني بالضرورة أن المنطقة مقبلة على حرب"، داعيا إلى عدم الانجرار وراء ما وصفه بالتهويل الإعلامي. وأضاف أن المخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية "تقتصر على شريحة صغيرة من المجتمع، ولا سيما بين من يتابعون بشكل مكثف وسائل إعلام العدو".
***أما الخبير الإيراني المحافظ علي رضا تقوي نيا، فأكد في حديث لـ"العربي الجديد" أن التصعيد المتزامن في لهجة المسؤولين الامريكيين ووسائل إعلامهم خلال الساعات الـ48 الماضية يندرج في إطار الضغط السياسي والنفسي، وليس دليلا حتميا على اقتراب الحرب، غير أنه لم يستبعد تنفيذ إسرائيل هجمات ضد إيران.
ورأى أن واشنطن اصطدمت خلال مفاوضات جنيف بـ"صلابة" الموقف الإيراني، ولا سيما بإصرار طهران على حصر التفاوض بالملف النووي ورفضها وقف تخصيب اليورانيوم أو القبول باتفاق لا يتضمن رفعا كاملا للعقوبات مع آلية تحقق واضحة، واعتبر أن هذه الشروط لا تنسجم مع أهداف ترامب، الذي يسعى، بحسب تعبيره، إلى إضعاف إيران عبر نزع سلاحها أولا ثم استهدافها لاحقا لا إلى اتفاق متوازن، فضلا عن إحداث ما وصفه بأنه "فتنة جديدة في الداخل".
وأشار تقوي نيا إلى أن كلفة الحرب المباشرة تبقى مرتفعة بالنسبة للولايات المتحدة، في ظل قدرة إيران على استهداف القواعد الامريكية وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، ولفت إلى أن السيناريوهات الامريكية المحتملة قد تقتصر على هجمات إسرائيلية وتنفيذ اغتيالات بدعم دفاعي امريكي، أو عمليات أمنية محدودة ربما من الداخل.
ولفت الخبير الإيراني إلى أن عوامل الوقت لا تصب في مصلحة الإدارة الامريكية، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، والانتخابات النصفية الامريكية، واستضافة الولايات المتحدة كأس العالم، ما يقلص، حسب قوله، "هامش المغامرة العسكرية". وأضاف أن مرور شهرين أو ثلاثة من دون تصعيد سيؤدي إلى "تراجع كبير" في احتمالات المواجهة.
كما تحدث تقوي نيا عن تنفيذ إيران مناورات صاروخية وبحرية واسعة جنوبي البلاد، أمس الخميس، قال إنها شملت التدريب على استهداف قطع بحرية امريكية، بالتوازي مع مناورات مشتركة مع روسيا في مضيق هرمز، ورصد صيني مكثف للتحركات الامريكية في بحر عمان في إطار هذه المناورات.
***بدوره، رجح الخبير الإيراني مصطفى نجفي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن أي مواجهة عسكرية محتملة بين الولايات المتحدة وإيران "لن تكون محدودة"، مشددا على أن طهران سترد بشكل واسع على أي هجوم، ما يجعل توسع الحرب إقليميا أمرا شبه حتمي.
وأوضح نجفي أن الرد الإيراني الواسع يستند إلى سببين رئيسيين؛ أولهما أن إيران ستتعامل مع أي هجوم امريكي بوصفه تهديدا وجوديا يمس أمن الدولة وبقاء النظام، وثانيهما سعي طهران إلى إنهاء حالة "الحرب غير المعلنة" ودورة التهديد المستمرة، عبر فرض معادلة ردع جديدة في المنطقة. وحدد الخبير الإيراني ثلاثة سيناريوهات محتملة: ضربة امريكية محدودة ورد إيراني محدود، وهو احتمال وصفه بأنه "ضعيف"، أو هجوم امريكي يعقبه رد إيراني شامل يؤدي إلى حرب إقليمية، أو فرض حصار بحري على إيران ينتهي إلى مواجهة مفتوحة.
وشدد نجفي على أن التجارب في أفغانستان والعراق وليبيا تثبت أن القصف الجوي لا يؤدي إلى تغيير أنظمة مستقرة، محذرا مما وصفه بـ"أوهام" بعض أطراف المعارضة، ومؤكدا أن أي هجوم خارجي مترافق مع اضطراب داخلي سيقود إلى تدمير إيران لا إلى استقرارها.