*محمد شيخ عثمان
في اليوم العالمي لعيد اللغة الام، لا يمكن الحديث عن اللغة الكوردية بوصفها اداة تواصل فحسب، بل باعتبارها جوهر الهوية ومرآة الوجود وركيزة اساسية من ركائز الحقوق والعدالة في القضية الكردية.
اللغة الكوردية لم تكن يوما حيادية في مسار الصراع، بل وجدت نفسها في قلب المواجهة مع سياسات الانكار والاقصاء. لقد جرى التعامل معها، عبر عقود طويلة، كسلاح ينبغي كسره، فحظرت في المدارس، ومنعت في الدوائر الرسمية، وجرم التحدث بها في الفضاء العام، في محاولة لمحو امة كاملة عبر محو لغتها. كان الهدف واضحا: اذا سقطت اللغة، سقطت الذاكرة، وتفككت الهوية، وتلاشت المطالبة بالحقوق.
غير ان ما لم تحسب له تلك السياسات حسابا هو ان اللغة الكوردية ليست مجرد وسيلة مكتوبة او منطوقة، بل هي تراكم تاريخي من الاصالة والرصانة، محمولة في الشعر والاغنية والحكاية الشعبية، ومتجذرة في الوجدان الجمعي للكورد، ولهذا فشلت كل محاولات اقتلاعها، وبقيت حية رغم الحظر، متداولة في البيوت والجبال، وفي المنفى كما في الوطن.
لقد تحولت اللغة الكوردية، بفعل القمع، من رمز ثقافي الى رمز مقاومة، الدفاع عنها اصبح دفاعا عن حق الوجود، وتعليمها اصبح فعلا سياسيا، والكتابة بها اصبحت اعلان تحد للانكار.
ومع كل جيل جديد، اثبتت هذه اللغة قدرتها على التكيف والتجدد، دون ان تفقد جوهرها او نقاءها.
اليوم، وفي عالم يعترف بالتنوع اللغوي بوصفه ثروة انسانية، تبرز اللغة الكوردية كقضية عدالة قبل ان تكون قضية ثقافة، الاعتراف بها، حمايتها، وتطويرها في التعليم والاعلام والادارة، هو جزء لا يتجزا من انصاف الشعب الكوردي، ومن معالجة جذور المظلومية التاريخية التي تعرض لها وكل الجهود التي بذلت من اجل ترسيخ اللغة الكوردية كاحدى اللغتين الرسميتين في الدستور العراقي يستحق الشكر والثناء مع التذكير انه من ثمار التضحيات و النضال السلمي لشعب كوردستان ليس من اجل كوردستان فحسب،بل من اجل ديمقراطية العراق عموما.
في عيد اللغة الام، تحتفي الشعوب بلغاتها بوصفها امتدادا طبيعيا لهويتها، اما الكرد، فيحتفون بلغتهم بوصفها دليلا على الصمود، وشاهدا على ان الاصالة والرصانة كانتا اقوى من كل سياسات الحظر والانكار.
فاللغة التي صمدت امام المنع، قادرة على ان تكون جسرا للعدالة، لا عبئا على الجغرافيا ولا تهديدا لاحد.