×


  المرصد الامریکي

  تركيا عالقة في المنتصف وتستعد للسيناريو الأسوء



 

واشنطن- يتصاعد إيقاع الحديث عن ضربات عسكرية امريكية محتملة ضد إيران، في وقت تتواصل فيه الدبلوماسية غير المباشرة وسط تكهنات عالية المخاطر حول احتمال فشلها الوشيك.

وأشارت واشنطن إلى استعدادها للتصعيد إذا انهارت المحادثات، فيما تحذر طهران من أنها سترد على أي هجوم يستهدفها بضرب القوات الامريكية في المنطقة، ولن تكتفي بردود فعل متبادلة محدودة.

وهذه المعادلة التصعيدية المتكافئة هي التي تحول الأزمات إلى دوامات متلاحقة. وقد أبرزت المحادثات غير الحاسمة في جنيف يوم الثلاثاء الماضي حجم المأزق: إذ لا يبدو أن أيّاً من الطرفين مستعد لتقديم تنازلات كافية لضمان مخرج مستدام من الأزمة.

و يرى الباحث بورجو أوزجيليك في تقرير نشرته مجلة ناشونال أنتريست أنه في هذا الهامش الضيق، تبدو مساحة المناورة أمام تركيا محدودة، لكن من الخطأ افتراض أن أنقرة كانت سلبية.

وفي الأسابيع الأخيرة، سعت إلى إبقاء المسار الدبلوماسي حياً، واختبار ما يمكن أن يكون مقبولاً سياسياً لدى الطرفين. وكما جادل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في الآونة الأخيرة، فإن توسيع المطالب بسرعة كبيرة قد يؤدي إلى “لا شيء” ويدفع المنطقة نحو الصراع.

وفي الخلفية، تكثف انخراط أنقرة مع واشنطن خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، بالتوازي مع جهود تركية متجددة لطرح نفسها وسيطاً عملياً في عدة ملفات. غير أنه في سيناريو الحرب الوشيكة مع إيران، قد تكون تركيا بلغت حدود ما يمكن لدبلوماسية قوة متوسطة أن تحققه. فرافعة التصعيد النهائية بيد واشنطن، بينما تشكل أطراف إقليمية — بما في ذلك إسرائيل — الحسابات السياسية والعملياتية بطرق لا تستطيع أنقرة التحكم فيها بالكامل.

وأوضحت تركيا موقفها: فهي لا تريد حرباً إقليمية. لكن إذا اندلعت حملة عسكرية، فستجد نفسها مضطرة للعب الدور الذي تتقنه: إدارة التداعيات.

وهذا يعني تأمين الحدود مع إيران، واحتواء الصدمات الثانوية في العراق وممر الخليج–البحر الأحمر، والدفع نحو خفض تصعيد سريع ومنضبط قبل أن يتحول إلى دينامية ذاتية التغذية.

وغالباً ما يُساء فهم دور تركيا في الشرق الأوسط. فهي حليف في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتملك أهمية عملياتية مثبتة لأمن الولايات المتحدة وأوروبا، لكنها في الوقت ذاته تحتفظ بتاريخ طويل من التنافس المنضبط مع إيران.

وقد اتسمت العلاقة التركية–الإيرانية بإدارة تنافس وانتقائية في التعاون عبر ساحات متداخلة في العراق وسوريا ولبنان والبحر الأحمر والقوقاز. إنها علاقة معقدة، براغماتية ومشحونة أحياناً، لكنها أفرزت قنوات تواصل عملية.

وفي لحظة يتواصل فيها العديد من الفاعلين عبر وسطاء، تكتسب هذه القنوات أهمية خاصة.

وأحياناً يُساء تصوير ذلك على أنه “تركيا تساوي إيران”، لكن هذه قراءة خاطئة؛ فقيمة تركيا تكمن في قدرتها على التواصل مع مراكز القوة الرئيسية في إيران، والتحدث إلى واشنطن دون استعراض سياسي.

ولدى تركيا مصالح مادية وفورية في منع اندلاع حرب. فأي مواجهة تهدد مضيق هرمز وباب المندب سترسل موجات صدمة عبر أسواق الطاقة وخطوط الملاحة، وستؤثر في دول مجلس التعاون الخليجي والأردن والعراق، كما قد تُفعّل شبكات جماعات مسلحة تزدهر في بيئات الغموض، وتؤدي إلى أزمات ثانوية مثل تمردات انفصالية محلية داخل إيران، أو استقطاب داخلي في أنحاء المنطقة.

وعلى عكس الأطراف البعيدة، لا تستطيع تركيا التعامل مع التصعيد بوصفه “سيناريو مخاطرة” مجرداً؛ فهي تقع مباشرة بجوار ساحة القتال المحتملة.

وثمة دافع آخر غير معلن لدى أنقرة لتجنب الصراع: تدفقات اللاجئين. فتركيا تتحمل بالفعل أعباء سياسية واقتصادية لاستضافة ملايين النازحين من حروب سابقة في العراق وسوريا.

لا تستطيع تركيا إعادة صياغة الحسابات التي تدفع واشنطن وطهران، لكنها تستطيع المساعدة في ضمان ألا يفشل المسار الدبلوماسي بشكل كارثي، وألا تنزلق المواجهة الإقليمية إلى تمزق داخلي إيراني يرسل موجات صدمة — وبشراً — عبر الحدود.

وإذا أعقب الضربات على إيران رد خارجي وتصاعد داخلي — كتشظي النخبة، أو تشديد القمع، أو تمردات محلية، أو شلل مؤسسات الدولة — فإن المخططين الأتراك يخشون تدفقاً سريعاً للاجئين عبر الحدود الشرقية.

 

وتشير تقارير تركية حديثة إلى أن أنقرة تضع سيناريوهات طوارئ تحسباً لاحتمال تحول الاضطراب داخل إيران إلى موجة هجرة جماعية، لا مجرد أزمة أمنية محدودة.

لكن نفوذ أنقرة ليس بلا حدود. فما الذي تستطيع فعله الآن، خاصة بعدما عززت محادثات جنيف الانطباع بالجمود؟.

أولاً، المساهمة التركية الأقل ظهوراً هي الأهم: الاتصالات الخلفية المنضبطة. فهذه كانت ميزة أنقرة النسبية خلال الأسابيع الماضية، وإن بدت غير مرئية لأنها مصممة لتكون هادئة.

و تستطيع تركيا نقل الرسائل بين واشنطن وطهران دون ضجيج: ماذا قد تفعل الولايات المتحدة إذا انهارت المحادثات؟ كيف قد ترد إيران؟ أي خطوات ستُقرأ تصعيدية لا دفاعية؟ وأين يمكن لأطراف ثالثة — وربما معرقلة — أن تُسرّع ديناميات التصعيد؟ في أزمة تتشكل بفعل سوء الإدراك والإشارات المتبادلة، فإن تقليل خطر سوء الفهم أو “القراءة الأسوأ” يشكل عملاً استقرارياً ملموساً.

وثانياً، يمكن لتركيا أن تساعد في جعل تسلسل الخطوات السياسية أكثر قابلية للتطبيق، حتى لو لم تستطع فرض النتائج. فالمعضلة المركزية في الدبلوماسية الأمريكية–الإيرانية هي أن الطرفين يريدان أشياء مختلفة وبوتيرة مختلفة.

وتصر طهران على حصر المحادثات في الملف النووي، بينما أصر الرئيس ترامب على صفقة شاملة تشمل الصواريخ والشبكات الإقليمية.

وتبقى النتيجة النهائية لهذه المناقشات غير واضحة. تفضّل تركيا حزمة مرحلية محددة زمنياً تخفض التوتر أولاً: ضبط نووي وخطوات قابلة للتحقق يقابلها تخفيف محدود للعقوبات، مع فتح قنوات موازية لمعالجة القضايا الإقليمية الأصعب. وهذا النهج يكمل الوساطة العمانية بدلاً من منافستها، ويوفر لواشنطن وطهران أكثر من مسار للابتعاد عن حافة الهاوية.

وثالثاً، تستطيع تركيا المساعدة في وضع “حواجز أمان” إقليمية حول بؤر الاشتعال الأكثر عرضة للتفجر. فإذا وقعت ضربات، فلن يجري التصعيد بشكل منظم بين العواصم؛ بل قد يمتد عبر الخليج والعراق وساحة البحر الأحمر، وربما يجذب إسرائيل أيضاً.

ولا تستطيع تركيا السيطرة على هذه الساحات، لكنها قد تساعد في صياغة تفاهمات عملية لضبط النفس: ما الذي لا يجب استهدافه، وما الخطوط التي لا ينبغي تجاوزها، وكيفية التواصل عندما تبدأ الضربات والضربات المضادة في التداخل. الهدف ليس هندسة سلام إقليمي شامل، بل إدارة أزمة: الفارق بين تبادل محدود واندلاع مواجهة إقليمية متدحرجة.

غير أن هذا الدور ليس بلا كلفة. فمصداقية تركيا لدى واشنطن قد تكون هشة، وأي دور تركي سيخضع لتدقيق من الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأما طهران، فتظل متشككة في جغرافيا الناتو، وقد تختبر ما إذا كانت تركيا تعمل فعلاً كعامل استقرار أم تشتري الوقت لممارسة ضغط قسري.

وتتعقد المهمة في بيئة خطاب إقليمي أكثر حدة. ففي بعض الملفات، خاصة في سوريا، قد تُتهم تركيا بالمبالغة في الطموح، لا سيما من قبل أطراف إسرائيلية تنظر إليها من زاوية “التطويق”، سواء كانت هذه القراءة دقيقة أم لا.

وفي المقابل، تراقب أنقرة تصاعد الخطاب السياسي الإسرائيلي الذي يصور تركيا باعتبارها “التهديد التالي” بعد إيران. هذا التأطير قابل للاشتعال. وفي أزمة يسهل أن تتأثر بسوء الفهم، فإن الإشارات العدائية تضيق المساحة الدبلوماسية وتجعل تسويق ضبط النفس داخلياً أكثر صعوبة لدى جميع الأطراف.

ولذلك، يبقى النهج الأفضل لتركيا عملياً ومتواضعاً. فالهدف ليس “حل” المواجهة الأمريكية–الإيرانية، بل إبقاء الأزمة تحت السيطرة بما يكفي لمنح الدبلوماسية — مهما كانت ناقصة أو مشروطة — فرصة للعمل.

ولا تستطيع تركيا إعادة صياغة الحسابات التي تدفع واشنطن وطهران، لكنها تستطيع المساعدة في ضمان ألا يفشل المسار الدبلوماسي بشكل كارثي، وألا تنزلق المواجهة الإقليمية إلى تمزق داخلي إيراني يرسل موجات صدمة — وبشراً — عبر الحدود.


01/03/2026