صحيفة"واشنطن بوست"/الترجمة والتحرير : محمد شيخ عثمان
لما يزيد على خمسة واربعين عاما كان رؤساء الولايات المتحدة يرغبون في تدمير النظام الراديكالي المعادي لامريكا في طهران وكانوا دائما يخلصون الى ان مخاطر الحرب كبيرة للغاية الى ان جاء الهجوم الشامل الذي شنه الرئيس دونالد ترامب بالتعاون مع اسرائيل فجر السبت.
قال ترامب يوم السبت ان الغارات الجوية الكثيفة قتلت المرشد الاعلى علي خامنئي وقليلون خارج ايران سيرثون رجلا امضى حياته وهو يهتف الموت لامريكا والموت لاسرائيل وبهذا المعنى المحدود قد تكون استراتيجية قطع الرأس التي اعتمدها ترامب قد نجحت لكن قتل خامنئي الذي كان متقدما في السن ومريضا ليس هو نفسه تغيير النظام واذا كانت هناك خطة لما سيأتي لاحقا فلم اسمع اي مسؤول امريكي او اسرائيلي يشرحها.
الحروب دائما اسهل في البدء منها في الانتهاء وخصوصا عندما يكون الهدف السياسي هو تغيير النظام لا تحقيق هدف عسكري محدد بوضوح فقد ظن الرئيس فلاديمير بوتين انه سيسيطر على كييف خلال اسبوع وظنت اسرائيل انها ستخنق حماس خلال اشهر قليلة لكن الحروب التي تهدف الى محو نظام لا تسير على هذا النحو.
بمجرد ان يطلق رئيس ما حربا يشعر بانه ملزم بان ينهيها بنجاح وكما يقول الجنرالات اذا دخلت الحرب فاكسبها وينطبق ذلك هنا بشكل خاص حيث ان النظام بغيض وترامب حث المواطنين الايرانيين على المخاطرة بحياتهم لاسقاطه وقد تكون حرب اختيار بالنسبة للولايات المتحدة لكن هذا لا يعني ان هناك مخرجا سهلا في الافق.
حتى يوم السبت بدا ان تفضيل ترامب كان ما يمكن تسميته اسلوب الفايكنغ في الحرب دخول سريع وخروج سريع باستخدام السرعة والمفاجاة لفرض استسلام عاجل لكن هذه الحرب تصاعدت في الساعات الاولى وبحلول مساء السبت كانت النيران تشتعل نتيجة الهجمات الايرانية المضادة على البحرين ودبي وابو ظبي واسرائيل كما اغلقت ايران مضيق هرمز مخنقة امدادات النفط وكان ينبغي ان توضع لافتة فوق خريطة ايران في البيت الابيض تقول هذا ليس فنزويلا.
قال لي مستشار امني بحريني بعد ظهر السبت ان 14 طائرة مسيرة ايرانية ضربت منشاة الميناء الذي يضم مقر الاسطول الامريكي الخامس وفي مقاطع فيديو من الموقع يمكن سماع الطنين الغريب الشبيه بطنين البعوض لطائرة شاهد المسيرة ثم رؤية ومضة اللهب عند اصابتها الهدف وهذا النوع من الهجمات عادة ما يصيب الطرف الاخر في الحروب التي تخوضها امريكا وقال المستشار ان البحرينيين كانوا حائرين ازاء سبب عجز القوات الامريكية عن ايقاف هذه الطائرات.
لا شك في ان ترامب اعلن اهدافا قصوى لهذه العملية فالبيان الذي صدر عنه فجر السبت جاء بلغة ترامب المعتادة لكن بجرعة مضاعفة قال فيه لاعضاء الحرس الثوري الاسلامي والقوات المسلحة وجميع افراد الشرطة اقول لكم الليلة يجب ان تضعوا اسلحتكم وتحصلوا على حصانة كاملة او تواجهوا الموت المحتوم لذا ضعوا اسلحتكم.
ودعا ترامب الشعب الايراني الى النهوض مرة اخرى ضد نظام قال ترامب انه ذبح اكثر من ثلاثين الف متظاهر في كانون الثاني وقال لسنوات طويلة طلبتم مساعدة امريكا لكنكم لم تحصلوا عليها والان لديكم رئيس يعطيكم ما تريدون فلنر كيف ستردون امريكا تدعمكم بقوة ساحقة وقوة مدمرة هذه هي لحظة التحرك لا تدعوها تفلت.
مثل ترامب وكثير من الامريكيين اكن كراهية شديدة للنظام الايراني فقد نشر الفوضى من طرف الشرق الاوسط الى طرفه الاخر وفي يوم من نيسان 1983 نجوت من الاصابة بتفجير سيارة مفخخة ايرانية استهدفت السفارة الامريكية في بيروت بفارق نحو 35 دقيقة وكلما زال هذا النظام اسرع كان ذلك افضل
لكن على مر السنين تعلمت الا اقلل من قدرة هذا النظام على الصمود فعندما زرت ايران عام 2008 لفت انتباهي ان الشرطة كانت تلزم ركاب السيارات بارتداء احزمة الامان وعلى الطريق من طهران الى قم كانت لديهم اجهزة رادار لالتقاط المخالفين للسرعة هذا النظام ينشر الفوضى لكنه حذر ايضا.
وفي حديثي مع حلفاء اوروبيين رئيسيين للولايات المتحدة في وقت متاخر من مساء السبت سمعت رغبة شديدة في التوصل الى تسوية تفاوضية سريعة للحرب فمعظم حلفائنا كانوا يعتقدون ان الهجوم فكرة سيئة وقد رفضت بريطانيا استخدام منشاة تزود بالوقود بالغة الاهمية في قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي وكانت الامارات العربية المتحدة والسعودية قلقتين ومتحفظتين ولم تبد اسرائيل وحدها سوى حماسة قوية والان بعد ان حدث ما حدث سيامل هؤلاء الحلفاء ان يحصل ترامب سريعا على تسوية يمكنه ان يصفها نصرا ولن يرغبوا في البقاء على خط النار.
اكثر ما يقلقني هو ان الصراع قد يضيف وقتا الى ساعة نظام ايراني كان على وشك الانتهاء فالمرشد الاعلى المتقدم في السن كان غير محبوب وكان الايرانيون يتنافسون على مواقعهم في عملية الخلافة والشيء الوحيد الذي قد يعيد تاهيل الفريق الديني المتشدد الذي يمثله هو تحويله الى شهيد.
حاولت القيادة المركزية الامريكية التشديد على ان الولايات المتحدة تركز على اهداف عسكرية وقالت ان صواريخها تسعى الى تفكيك الجهاز الامني للنظام الايراني وقال مسؤول امني غربي لصحيفة واشنطن بوست ان الضربات التي استهدفت مقر جهاز الاستخبارات الايراني قتلت ما لا يقل عن اربعة قادة كبار واضاف كل شيء يتداعى هناك نحن نراه ونشعر به.
هذه اخبار جيدة للايرانيين اذا كان جهاز القمع يتفكك لكن كما تستطيع روسيا تحمل المعاناة في الحروب فان الاستشهاد محرك قوي في ايران واتذكر زيارة صحفية لمركز عمليات ايران في وكالة الاستخبارات المركزية قبل نحو عشرين عاما عندما كانت الولايات المتحدة قد تبنت رؤية سابقة لتغيير النظام وكان على الجدار ملصق للامام الحسين الشهيد المحبوب وهو رمز محوري لاعضاء الحرس الثوري وتذكير لضباط الوكالة بالالتزام العاطفي العميق لخصمهم.
كتب لي مارك فاولر وهو ضابط سابق متقاعد في وكالة الاستخبارات المركزية عمل لسنوات على الملف الايراني رسالة يوم السبت قال فيها اذا كانت الولايات المتحدة قد تعلمت شيئا من اخطائها الماضية فعليها ان تستخدم هذه الدروس القاسية لصياغة استراتيجية ذكية وجريئة لما بعد الحرب تليق بتضحيات الشعب الايراني وتدعم سعيه الى تغيير دائم.
قد يكون من الجميل تخيل حرب قصيرة كما يتمنى ترامب لكن بعد ان شرعت الولايات المتحدة بجدية في حملة لتغيير النظام ينبغي ان نفهم انها على الارجح ستكون صراعا طويل الامد مع كثير من اللحظات الخطرة في الطريق.
وفي صراع بهذا الحجم وبهذه المخاطر المجهولة تقع على عاتق ترامب مسؤولية خاصة لشرح ما يفعله للشعب الامريكي وضمان قدرة الولايات المتحدة على مواصلة المسار هذا نقيض فكرة الضربة الواحدة والحسم السريع قد تكون معركة مستحقة لكنها على الارجح ستكون شاقة وطويلة.