المخاطر التي تهدد المنطقة والتحالف.
مجلة" فورين افيرز "/الترجمة والتحرير : محمد شيخ عثمان
بعد الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على طهران في آذار 2026، يمثل التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل مرحلة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات بينهما. العمليات العسكرية الأخيرة المسماة "الغضب الملحمي" و"الأسد الصاعد" تعد أول عملية مشتركة كاملة بين القوات الأمريكية والإسرائيلية، وهي علامة فارقة في الشراكة بين البلدين. عادة، تشارك الولايات المتحدة ضمن تحالفات واسعة، تصمم العملية، وتتحكم فيها، وتنفذ غالبية العمليات القتالية. على سبيل المثال، خلال التدخل الأمريكي-الناتو في أفغانستان عام 2002، نفذت الولايات المتحدة معظم الضربات الجوية ونشرت معظم القوات البرية، وكذلك خلال حملة "الصدمة والرهبة" في العراق عام 2003.
وفي منتصف العقد 2010، عندما أطلقت واشنطن عملية "الحل الجوهرى" لطرد داعش من العراق وسوريا، قادت الولايات المتحدة الحملة الجوية بينما كانت تدرب وتمول الشركاء على الأرض. لم تشارك الولايات المتحدة مع خصمها بطريقة متكاملة—بتقسيم الأهداف والعمل بشكل متساوٍ ضمن خطة تشغيلية مشتركة—منذ الحرب العالمية الثانية.
مع انطلاق هذا الفصل الجديد ضد إيران، تجاوزت العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية مرحلة جديدة. فالبلدان الآن شركاء متساوون في الحرب، يدمجون عملياتهم الاستخباراتية، ويقسمون العمل، ويتقاسمون المخاطر، حيث أرواح الأمريكيين والإسرائيليين على المحك. طبعا، العلاقة الخاصة بين البلدين قائمة منذ عقود، وكانت الحملة المشتركة مبنية على دعم أمريكي مالي وعسكري طويل الأمد، إلا أن مستوى التعاون لم يكن بهذا العمق حتى قبل تسعة أشهر خلال الحرب التي استمرت 12 يوما في حزيران 2025.
ميزة غير معتادة
ميزة غير معتادة في هذه الشراكة هي اندماج العمليات العسكرية بينما تتباعد مواقف شعوب البلدين. الإسرائيليون يعتبرون النظام الإيراني تهديدا وجوديا منذ وقت طويل، وكانوا يتوقعون عودة الحرب هذا العام، ويظهرون دعمهم للحملة في البداية.
أما الأمريكيون، فقد كان الرئيس دونالد ترامب بالكاد مستعدا لخوض الحرب ضد إيران، وأظهرت استطلاعات الرأي في كانون الثاني وشباط عدم شعبية الحرب بشدة في الولايات المتحدة، كما بدأ أعضاء مؤثرون من كلا الحزبين الأمريكيين، وخصوصا في ائتلاف ماجا التابع لترامب، بالتشكيك في قيمة العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية.
الضربات على إيران تسرع الانقسام في العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية، حيث تتعمق الروابط العسكرية بينما يتزايد النقد السياسي للشراكة. قد لا يبدو هذا التحدي واضحا حاليا مع قيادة الجنرالات للعمليات في الخطوط الأمامية، لكن التعاون العسكري الوثيق لا يمكن أن يستمر مع اختلاف وجهات النظر بين شعبي البلدين، وإذا لم يعمل القادة على تغيير هذه المواقف، فإن التعاون العسكري سيصبح ضحية للانقسام السياسي.
التعاون العسكري المتعمق
قرار توحيد القوات الإسرائيلية والأمريكية لم يكن قرارا مفاجئا من ترامب، بل جاء بعد تحضيرات طويلة. في 2020، وجه ترامب البنتاغون لنقل العمليات المتعلقة بإسرائيل من القيادة الأوروبية إلى القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) لتسهيل دمج إسرائيل في المبادرات الإقليمية مثل تبادل المعلومات والرادارات، مع دعم التطبيع بين إسرائيل ودول الشرق الأوسط. كما ساعدت التطورات السريعة في التكنولوجيا الدفاعية على دمج القدرات بسهولة وسرعة وبكلفة أقل، وعزز القادة العسكريون الأمريكيون علاقاتهم الشخصية مع نظرائهم الإسرائيليين، إذ زار الجنرال إريك كوريلا، قائد CENTCOM بين 2022 و2025، إسرائيل أكثر من 40 مرة.
تواصلت الروابط العسكرية بين البلدين تحت إدارة بايدن، حيث أجريت في كانون الثاني 2023 تدريبات "Juniper Oak" متعددة المجالات (جو، بر، بحر، سايبر، فضاء) لأول مرة بين الولايات المتحدة وأي شريك في الشرق الأوسط، واختبرت كيفية مشاركة المعلومات والقتال المشترك ضد تهديدات متعددة.
بعد هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة، وقدمت دعما واسعا للقوات الإسرائيلية، ونفذت ضربات على وكلاء إيران في العراق وسوريا واليمن، وفي نيسان 2024 نسقت تحالف دفاع جوي متعدد الجنسيات. وفي تشرين الأول 2024، أثناء هجوم إيراني آخر، شاركت واشنطن بنشاط أكبر في الدفاع عن إسرائيل واعترضت نصف الصواريخ الإيرانية على الأقل.
إدارة بايدن اعتبرت دورها دعميا، مركزة على حماية القوات الأمريكية ومنع تصعيد الحرب بين الدول، ولم تشارك في ضربات هجومية مع إسرائيل ضد إيران لتفادي المخاطر على المدنيين الأمريكيين والإسرائيليين والعرب والبنى التحتية الحيوية.
الحرب المشتركة والتنسيق العسكري
خلال الحرب التي استمرت 12 يوما، تقدمت إسرائيل أولا وفتحت ممرات جوية لضرب الأهداف العسكرية والنوية الإيرانية، ثم تدخلت الولايات المتحدة بأسلحتها الخاصة لتدمير المنشآت النووية العميقة. هذا التنسيق أتاح مشاركة مؤقتة للولايات المتحدة في تحقيق هدف مشترك، مع الحفاظ على تتابع العمليات بشكل واضح ومنفصل.
خلال الضربة الأخيرة، أظهرت القوات الأمريكية والإسرائيلية تنسيقا حقيقيا في الدفاع والهجوم الجوي، ودمجا مستمرا للاستخبارات، وتقسيم الأهداف في الأيام الأولى قبل السيطرة على الأجواء الإيرانية. إسرائيل استهدفت القيادة الإيرانية، بينما ركزت الولايات المتحدة على تخزين الصواريخ والبحرية، مع عمليات سايبرية ومعلوماتية مشتركة لتأثير النظام الإيراني والرأي العام.
تحديات سياسية
في الوقت نفسه، يتراجع الدعم السياسي التقليدي الثنائي للحزبين في الولايات المتحدة للعلاقة الخاصة مع إسرائيل. استطلاعات فبراير أظهرت أن مزيدا من الأمريكيين يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين لأول مرة منذ 25 عاما، مع انخفاض التعاطف الأمريكي مع إسرائيل من 60% في 2020 إلى 36% الآن، مع معارضة 6 من كل 10 ناخبين لمواصلة المساعدات العسكرية. بينما الإسرائيليون يدعمون الهجوم المشترك، يعارض 60% من الأمريكيين الحملة ويريدون الحصول على موافقة الكونغرس لأي تعاون عسكري إضافي، ما يعكس فجوة كبيرة في الرأي العام.
هذه الفجوة قد تعمق الانقسام بين البلدين، إذ يعتقد معظم الإسرائيليين أن الحرب لم تنتهِ بعد بشكل كامل، وأن تهديد إيران مستمر طالما بقاء النظام الإسلامي. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يؤكد أهمية خلق ظروف لتغيير النظام، بينما ترامب يظهر انفتاحا للتعامل مع بقايا النظام الإيراني.
المخاطر المستقبلية
أحداث الحرب الأخيرة، رغم نجاحها العسكري، قد تؤدي إلى خسارة استراتيجية إذا لم يبنى سرد مناسب. نهاية القتال ستعتمد على قرار ترامب، مع مخاطر كبيرة على البنية التحتية المدنية للطيران والفنادق والموانئ والطاقة في دول الخليج المنتجة للنفط. ارتفاع الخسائر الأمريكية والاعتبارات المالية قد يدفع ترامب للبحث عن مخرج قصير المدى دون تغيير كامل للنظام، مما يقلل التهديد الفوري لإيران لكنه يترك المنطقة في حالة ترقب.
الخطر الأكبر هو الضرر طويل المدى للعلاقة الأمريكية-الإسرائيلية، إذ إسرائيل شريك أمني حيوي، مع قدرات استخباراتية لا يمكن الاستغناء عنها، ونظام دفاعي مبتكر يعود بالنفع على القوات الأمريكية. عدم القدرة على بناء توافق سياسي قد يؤدي إلى انهيار التعاون العسكري الفعال، وهو خسارة استراتيجية كبيرة.
الخلاصة:
نجاح العمليات العسكرية واضح، لكن استدامتها تعتمد على القيادة السياسية وقدرة البلدين على بناء توافق داخلي وشراكة استراتيجية مستدامة بعد توقف القتال.