×


  بحوث و دراسات

  الحرب في إيران.. تصاعد التوترات الإقليمية وارتدادات دولية



*عائشة الرميثي

 

*تريندز للبحوث والاستشارات الاستراتيجية

في صباح 28 فبراير 2026، شهدت منطقة الشرق الأوسط تصعيدا عسكريا غير مسبوق، عندما نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما جويا واسع النطاق على إيران، وصف بأنه هجوم (pre-emptive)،[1] أدى إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القيادات العسكرية. هذا الهجوم جاء بعد جولات متعددة من المفاوضات الدبلوماسية في مسقط وجنيف برعاية سلطنة عمان، والتي كانت تهدف إلى التوصل إلى اتفاق نووي جديد، وكان الطرفان على وشك إنجازه، وفقا لتصريحات وزير الخارجية العماني البوسعيدي.

ورغم أن الهجوم أمريكي–إسرائيلي، فإن رد إيران من خلال مهاجمة دول الخليج يعد تصعيدا مرفوضا، ومخالفة صريحة لمبادئ حسن الجوار والقانون الدولي، ويشكل تهديدا مباشرا لأمن واستقرار المنطقة. فدول الخليج، التي حرصت دائما على تجنب الصراع المباشر، لا يمكنها قبول أي أعمال عدائية تمس سيادتها أو أمنها الداخلي، وأي هجوم إيراني على أراضيها أو مصالحها يمثل انتهاكا صارخا للقوانين الدولية، ويزيد من مخاطر اندلاع صراع إقليمي واسع.

على الصعيد الدولي، تفاوتت المواقف بين الدول: بعض الدول الغربية اعتبرت الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي إجراء دفاعيا استباقيا ضد تهديد وجودي محتمل، بينما عبر حلفاء آخرون، ومن بينهم الاتحاد الأوروبي وفرنسا وإسبانيا، عن قلقهم من الانزلاق نحو تصعيد أكبر. في المقابل، أدانت روسيا والصين الضربات واعتبرتها انتهاكا للقانون الدولي، مؤكدين ضرورة احترام المبادئ الأساسية للأمن والاستقرار العالميين.

يقدم هذا التقرير استعراضا شاملا لخلفيات الهجوم، مجرياته، والخسائر البشرية والمادية، ورد الفعل الإيراني، والمواقف الدولية والإقليمية من تجدد المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط، والتداعيات الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية، مع تحليل معمق للمخاطر المحتملة على الأمن الإقليمي والدولي، وإمكانيات إدارة هذا النزاع لتجنب انزلاق الشرق الأوسط إلى صراع واسع النطاق.

 

خلفية الهجوم

في الأسابيع التي سبقت الهجوم، شهدت العلاقات الأمريكيةالإيرانية تصاعدا غير مسبوق للتوترات حول البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية. واشنطن وانسجاما مع الموقف الإسرائيلي اعتبرت توسع طهران النووي والبالستي تهديدا وجوديا لأمن إسرائيل ولحلفائها في المنطقة، بينما القيادة الإيرانية رأت أي قيود على برنامجها النووي مساسا بسيادتها الوطنية، ما أدى إلى تصعيد خطابي متبادل وتصعيد التهديدات العسكرية العلنية.

على الصعيد الدبلوماسي، جرت عدة جولات مفاوضات مكثفة في جنيف برعاية سلطنة عمان، شارك فيها مسؤولون أمريكيون وإيرانيون كبار، بالإضافة إلى مراقبين من الاتحاد الأوروبي.

على الرغم من إحراز تقدم، فشلت المفاوضات في معالجة القضايا الجوهرية، خصوصا حق إيران في التخصيب. هذا الفشل أعطى إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، شعورا بالإلحاح للعمل العسكري الوقائي. وتماشيا مع هذا الموقف كرر ترامب في مؤتمراته وبياناته العلنية التهديد بمصير سيء إذا لم تقبل إيران بشروطه وتوقع اتفاق.

خلال كل هذه المفاوضات وقبلها، كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تخطط لعملية عسكرية مشتركة، بل ووفقا لمصادر فقد تم تحديد اليوم، ما يشير الى أن المفاوضات ربما كانت للتغطية، وأن الحرب واقعة لا محالة، وهو ما كان يسعى إليه نتنياهو بشكل حثيث.

 

المفاوضات وبداية الهجوم

بينما كانت الأنظار متجهة إلى جنيف لتقييم نتائج جولات المفاوضات، ظهرت تقييمات متناقضة بشأن مدى النجاح الذي أحرزته الاجتماعات. فقد أعربت إيران ووسيط المفاوضات سلطنة عمان عن تقدم،بينما عبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالمقابل عن عدم رضاه عن النتائج، مؤكدا على استمرار التهديد الإيراني.

 على الرغم من هذا التوتر الكلامي، لم تكن هناك مؤشرات واضحة لهجوم عسكري وشيك، لكن الواقع انقلب فجأة في صباح 28 فبراير 2026.

في هذا اليوم، شنت إسرائيل والولايات المتحدة حملة جوية واسعة ودقيقة على البنية العسكرية والحكومية الإيرانية، مستهدفة نحو 500 موقع حساس، شملت مقر المرشد الأعلى ومقرات الحرس الثوري، والدفاعات الجوية، وقواعد إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة، والمراكز الاستخبارية. وقد شارك نحو 200 مقاتلة إسرائيلية في أكبر عملية جوية في تاريخ الجيش الإسرائيلي، مدعومة بقدرات أمريكية جوية وبحرية متقدمة، بما في ذلك استخدام طائرات مسيرة انتحارية لأول مرة في معارك مباشرة.

أكدت القيادة الأمريكية أن العملية العسكرية تهدف إلى القضاء كليا على القدرات النووية والعسكرية لإيران والتهديدات الوشيكة لإسرائيل والقوات الأمريكية في المنطقة، مع التأكيد على أن الضربات قد تستمر عدة أيام إذا اقتضت الضرورة. وتمثل هذه الحملة نقطة تحول حاسمة في الصراع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، حيث جمعت بين التخطيط العسكري الدقيق والاستخبارات الموجهة واستراتيجية الحرب الوقائية لضمان تحقيق الأهداف المرجوة، ولإعادة فرض التوازن العسكري في الشرق الأوسط بما يضمن أمن إسرائيل.

 

الرد الإيراني

جاء الرد الإيراني على الضربات الأمريكية–الإسرائيلية سريعا ومكثفا، عبر إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيرة استهدفت إسرائيل وقواعد أمريكية في المنطقة. إلا أن التطور الأخطر تمثل في توسيع نطاق العمليات ليشمل أراضي دول خليجية، من بينها البحرين وقطر ودولة الإمارات والكويت والسعودية، وحتى سلطنة عمان التي كانت تؤدي دورا دبلوماسيا وسيطا. وأعلن الحرس الثوري تنفيذ عملية “الوعد الصادق 4”، مؤكدا استهداف مواقع أمريكية وإسرائيلية.

غير أن هذا التوسع الجغرافي يثير إشكاليات أخلاقية وقانونية وسياسية عميقة. فاستهداف أراضي دول جارة لم تكن طرفا مباشرا في الهجوم، وكلها أعلنت صراحة رفضها للتصعيد العسكري واستخدام أراضيها في ضرب إيران، يمثل خروجا واضحا عن مبدأ حسن الجوار الذي يعد أحد الركائز الأساسية في العلاقات الدولية المعاصرة. كما أن ضرب أهداف داخل دول ذات سيادة، دون تفويض أممي أو حالة دفاع شرعي مباشر ومحدد وفق المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، يضع هذه العمليات في دائرة الانتهاك الصريح لقواعد القانون الدولي، ولاسيما مبدأ حظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي.

ومن هنا، فإن توسيع إيران لردها ليشمل دول الخليج، رغم إعلانها الحياد والدعوة الصريحة إلى التهدئة، يعكس نزعة لتدويل الصراع وتوظيف الجغرافيا الإقليمية كساحة رسائل استراتيجية. غير أن هذه المقاربة قصيرة النظر فعلا؛ إذ إنها تقوض الثقة السياسية التي سعت طهران إلى بنائها خلال السنوات الأخيرة مع العواصم الخليجية عبر مسارات تطبيع أو حوار أمني. كما أنها تمنح الدول الإقليمية مبررا إضافيا لتعزيز الوجود العسكري وتشكيل تحالفات ردع جديدة.

وفي هذا السياق، جاء قرار دولة الإمارات بإغلاق سفارتها في طهران وسحب سفيرها، وكافة أعضاء البعثة الدبلوماسية بوصفه إجراء سياديا يعكس رفضا واضحا لتحويل أراضيها أو محيطها الاستراتيجي إلى ساحة صراع مفتوح.

 فالخطوة لا تمثل مجرد رد دبلوماسي، بل رسالة سياسية بأن أمن الدولة خط أحمر، وأن أي مساس به ستكون له كلفة على مستوى العلاقات الثنائية.

إقليميا، أظهرت الأحداث قدرة إيران على تحريك حلفائها ووكلائها، كما حدث في العراق عبر مظاهرات مؤيدة وضربات بطائرات مسيرة استهدفت قواعد أمريكية. غير أن هذا الاستخدام المكثف للوكلاء يرسخ صورة إيران كفاعل يعتمد استراتيجية “الحرب غير المباشرة”، ما يعمق مخاوف دول الخليج من استمرار تهديد أمنها عبر أدوات غير تقليدية.

على المدى البعيد، ستترك هذه الهجمات تداعيات سلبية عميقة على مستقبل العلاقة بين إيران وجوارها الخليجي. فبدل ترسيخ مسار بناء الثقة، أعادت طهران إنتاج معادلة الشك والردع. وإذا لم يعاد ضبط السلوك العسكري ضمن أطر القانون الدولي واحترام سيادة الدول، فإن المنطقة مرشحة لمزيد من الاستقطاب الأمني، ما سيجعل أي مشروع لأمن إقليمي جماعي أكثر صعوبة وتعقيدا في السنوات المقبلة.

 

الردود الإقليمية والدولية

شهد الهجوم الأمريكيالإسرائيلي على إيران ردود فعل واسعة النطاق على المستويين الإقليمي والدولي. على الصعيد الأممي، أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش التصعيد العسكري، محذرا من أن استمرار الأعمال الحربية يهدد السلام والأمن الدوليين ويزيد خطر نزاع إقليمي واسع، داعيا إلى وقف فوري للأعمال العدائية وتهدئة الموقف.

 وقد عقد مجلس الأمن اجتماعا عاجلا لمناقشة الوضع، حيث أكدت الولايات المتحدة وإسرائيل أن الضربات كانت موجهة إلى أهداف استراتيجية محددة، تشمل قدرات الصواريخ الإيرانية والأصول البحرية التي تهدد حلفاء المنطقة.

وقد تباينت ردود الفعل الدولية والإقليمية بشكل واضح تجاه تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. فهناك مَن أدان صراحة الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران؛ كونها “غير مقبولة” أو “غير مبررة” أو مخالفة لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة (وفي مقدمتها روسيا، الصين، كوبا، باكستان، النرويج، وبالطبع وكلاء إيران في المنطقة). وهناك من أيد هذه الهجمات على أساس أنها “مبررة” لاستنفاذ الولايات الوسائل الدبلوماسية للوصول إلى اتفاق نووي مع إيران، وأنها سوف تسهم في ترسيخ الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بوضع حدٍ للتهديدات الإيرانية (أستراليا، كندا، أوكرانيا، وألبانيا مثلا).

وهناك مَن اختار عدم إدانة هذا الطرف أو ذاك، وبدلا من ذلك عبر عن قلقه من تداعيات التصعيد العسكري في المنطقة مع الدعوة إلى وقف إطلاق النار (الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأفريقي، مصر، عمان، فرنسا، فنلندا، أيرلندا مثلا). وثمة مجموعة رابعة ركزت موقفها على إدانة الضربات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي بزعم استهداف القواعد والمصالح الأمريكية هناك (السعودية، لبنان مثلا).

على المستوى الشعبي والدبلوماسي، دعا ترامب والقيادة الإسرائيلية الإيرانيين إلى التمرد على النظام، مع التأكيد على منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، ما يعكس توجها نحو ضغط مزدوج عسكري ودبلوماسي. بينما شددت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي على أولوية حماية المدنيين واحترام القانون الدولي، معتبرين أن التصعيد المستمر يحمل عواقب استراتيجية خطيرة على الأمن الإقليمي والعالمي.

 

التداعيات الاستراتيجية

 

تغيير النظام:

لم تخفِ كلٌ من إسرائيل والولايات المتحدة رغبتهما أو سعيهما إلى تغيير النظام في إيران، برغم انتقاد الرئيس ترامب الإدارات السابقة من ديمقراطية وجمهورية لتورطها في مثل تلك المهمة. ثم تزايدت التوقعات بأن مقتل المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، سوف يفضي إلى تغيير نظام الحكم في إيران، أو على الأقل تعبيد الطريق إليه.

والواقع أن مقتل المرشد الأعلى يمثل صدمة استراتيجية كبرى لنظام الحكم في إيران، ولكنه لا يعني بالضرورة انهياره الفوري؛ نظرا للمرونة المؤسسية التي يتمتع بها. وسرعان ما تم اختيار مجلس قيادة مؤقت (يتكون من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، وآية الله علي رضا أعرافي عضو مجلس خبراء القيادة ومجلس صيانة الدستور) يتولى مهام المرشد. ومن المرجح أن يتعزز الدور الأمني والعسكري للحرس الثوري لضمان الاستقرار ومنع أي انفلات داخلي.

والخلاصة أن مقتل المرشد أو الزعيم الإيراني حدث مفصلي، لكن التغيير ليس مضمونا، مع أولوية واضحة لاستمرارية النظام.

 

إعادة تشكيل التوازن الجيوسياسي في الشرق الأوسط

الهجوم الأمريكيالإسرائيلي على إيران أدخل المنطقة في مرحلة جديدة من إعادة التوازن الجيوسياسي. الضربة، التي استهدفت بنى عسكرية وتسببت في مقتل المرشد الأعلى الإيراني، قلبت الطاولة على الحسابات الاستراتيجية التقليدية. بحسب تقارير أولية، اشتملت الضربات على مئات الأهداف وأحدثت دمارا واسعا في مواقع قيادية داخل إيران، ما دفع طهران إلى الرد عبر صواريخ باليستية وطائرات مسيرة على دول متعددة في الخليج.

هذا التطور ينذر بإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وغير الإقليمية، إذ دفعت الضربة القوى الكبرى إلى إعادة تقييم دورها: الدول الغربية الأوروبية رحبت بدعوات ضبط النفس والعودة للدبلوماسية، في حين أدانت روسيا التصعيد ووصفته بأنه “عدوان غير مبرر” يهدد الاستقرار العالمي. تمثل هذا التحول في أن القضية لم تعد تخص واشنطن أو تل أبيب فقط، بل تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي، ما يعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط بشكل لم يشهده منذ عقود.

نتيجة لذلك، تبدو المنطقة في حالة توازن هش يخشى معه محللون من أن أي نزاع قد يوسع نطاقه ليشمل أطرافا أخرى، ما يعقد احتمالات التوصل إلى تسوية سياسية دائمة.

 

هشاشة الأمن الإقليمي والمخاطر المتسارعة

الهجوم ورَد إيران الواسع أظهرا هشاشة الأمن الإقليمي بشكل صارخ. بعد الضربة الأمريكيةالإسرائيلية، أطلقت إيران سلسلة هجمات صاروخية ومسيرة على مواقع في السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، والبحرين، ما عطل حركة الطيران، وأغلق المجال الجوي في أجزاء من المنطقة.

هذا التوسع في نطاق الاستهداف يجعل دول الخليج على خطوط المواجهة مباشرة، ليس فقط كحلفاء للولايات المتحدة، بل كأهداف محتملة لهجمات انتقامية غير متوقعة. الهجمات الإيرانية المتعددة على البنى التحتية المدنية والعسكرية في المنطقة أثارت قلقا كبيرا، خاصة وأنها استهدفت مناطق مدنية وغير عسكرية.

الأمن العسكري لدول الخليج أصبح في ظرف غير مسبوق؛ إذ دفع الرد الإيراني تلك الدول لتعزيز منظومات الدفاع الجوي وإعادة تموضع القوات، بينما تتصاعد مخاطر تصعيد عسكري مفتوح قد لا يقف عند استهداف قواعد عسكرية، بل يمتد إلى استهداف المدنيين والمرافق الحيوية. هذا ليس ردا تكتيكيا محدودا فقط، بل يشير إلى نمط جديد من المواجهة التي قد تتسبب في أزمات أمنية طويلة الأجل، إذا لم تدر بشكل حكيم وجماعي.

 

خطورة تأثر الأمن الدولي وأمن الطاقة العالمي

 

التصعيد الأخير يهدد الأمن الدولي نفسه، ولاسيما فيما يتعلق بأمن الطاقة والأسواق العالمية. الضربات وردود الفعل أدت إلى إغلاق جزئي للمجال الجوي في الشرق الأوسط، ما خلق فوضى في حركة النقل الجوي العالمي، وتسبب في تعطيل رحلات دولية ومحلية في المحور الخليجي، وهو مركز مهم للطيران العالمي.

كما أن استهداف إيران لمواقع في الخليج كان له أثر مباشر على أسواق الطاقة عبر تهديد المرور من مضيق هرمز، الذي يمر عبره نسبة كبيرة من النفط والغاز التجاري. نقص التدفق المتوقع للطاقة إذا استمرت الحرب وتم إغلاق المضيق فعلا كما أعلنت إيران قد يتسبب في ارتفاع الأسعار عالميا، مع مخاطر متزايدة على استقرار الإمدادات، وخاصة في أوروبا وآسيا، ما يزيد الضغط على الاقتصادات الدولية.

الأمن البحري والجوي ما زالا عرضة للاضطرابات على مدى الأسابيع المقبلة إذا استمرت المواجهة، ما قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية واسعة تشمل ارتفاع تكاليف النقل، وتراجع الثقة في أسواق الطاقة.

هذا التأثير يتجاوز الإقليم، ويضع الأمن الدولي في مواجهة معقدة بين الحاجة للبقاء على التدفق الاقتصادي العالمي وبين ضغوط سياسية لاحتواء النزاع.

 

الخطر الحقيقي لتصعيد نزاع إقليمي مفتوح

اختلفت ردود الفعل الدولية بين من يرى أن الهجوم يستهدف خنق التهديد الإيراني، ومن يحذر من أن الصراع قد يمتد ليشمل أكثر من طرف. تحليلات كثيرة تشير إلى أن إيران ليست خصما سهلا وستستخدم كما هو معتاد فصائل موالية في العراق وسوريا ولبنان للرد بشكل أكثر تعقيدا في الجبهات المتعددة.

التصعيد من أطراف الصراع بما فيها إيران لا يجعله صراعا ثنائيا فحسب، بل قد يتحول لحرب إقليمية، يمكن أن تشمل دولا عدة عبر وكلاء مسلحين، أو عبر ضربات مباشرة على أهداف استراتيجية. هذا السيناريو يخلق احتدام صراع طويل الأمد يصعب حصر تداعياته، خاصة إذا ما تحولت المواجهات إلى حرب شاملة بين طهران والتحالف الأمريكيالإسرائيلي بدعم خليجي.

الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط قد يدخل في دورة تصعيد متواصلة إذا لم تسعَ الجهود الدولية إلى وقف إطلاق النار وإعادة الدبلوماسية بشكل فعال، لأن توسع القتال قد يخلق مآسي إنسانية كبيرة ويهدد السلم الإقليمي والعالمي.

 في المحصلة، شكل الهجوم الإسرائيلي–الأمريكي على إيران نقطة فاصلة في تاريخ الصراع الإقليمي، إذ تجاوز حدود الضربة العسكرية المحدودة ليعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. غير أن الرد الإيراني، وامتداده ليشمل استهداف دول الخليج، يعد تصعيدا مرفوضا صراحة، ومخالفة صريحة لمبادئ حسن الجوار والقانون الدولي، ويشكل تهديدا خطيرا للأمن والاستقرار الإقليميين. هذه التطورات كشفت هشاشة منظومة الأمن الإقليمي وترابطها الوثيق بالأمن الدولي وأمن الطاقة العالمي، مؤكدة أن أي اعتداء على دول الخليج يحمل عواقب بعيدة المدى.

بين رهانات تغيير النظام وحسابات الردع المتبادل، تواجه المنطقة مفترق طرق حاسم: إما الانزلاق نحو مواجهة إقليمية مفتوحة ومتعددة الجبهات، أو العودة إلى مسار دبلوماسي صعب لكنه أقل كلفة، يحمي سيادة دول الخليج ويعزز الاستقرار. إن مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط سيعتمد بشكل مباشر على قدرة الأطراف الدولية والإقليمية على احتواء التصعيد، ومنع تحوله إلى صراع طويل الأمد، مع رفض أي هجمات تهدد دول الخليج أو تقوض القانون الدولي ومبادئ الأمن الإقليمي.

*باحثة رئيسية / مدير إدارة البحوث / مساعد لرئيس قطاع الشؤون البحثية


05/03/2026