الارتداد السلطوي العالمي ضد المساواة بين الجنسين
مجلة "فورين افيرز"الامريكية/ الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
اصبحت الانظمة الاستبدادية اليوم تفوق الانظمة الديمقراطية عددا، ويعيش ما يقرب من ثلاثة ارباع سكان العالم تحت حكم سلطوي. وخلال العقد الماضي عزز الحكام المستبدون في الصين وروسيا قبضتهم على السلطة.
كما انزلقت ديمقراطيات هشة مثل المجر وتركيا اكثر نحو اللاديمقراطية.
وفي افريقيا اطاحت موجة من الانقلابات بقادة منتخبين شرعيا. وحتى في الولايات المتحدة، التي تعد ديمقراطية منذ تأسيسها، ضعفت سيادة القانون وتصاعد خطر السلطوية. وقد بدد هذا المسار آمالا ازدهرت بعد نهاية الحرب الباردة بشأن الانتصار الدائم للديمقراطية الليبرالية، واثار نقاشا واسعا حول ما الذي حدث على نحو خاطئ.
لكن هذه التطورات لا يمكن فهمها، ناهيك عن عكس مسارها، من دون ادراك عنصر جوهري في قلب الموجة السلطوية: اضطهاد النساء. فعبر الثقافات والقارات تقف النساء في طليعة الدفاع عن الديمقراطية، ولذلك يستهدفهن الطغاة كجزء من استراتيجيتهم لتعزيز السلطة.
ان الفشل في التعامل مع قمع النساء بوصفه ازمة حقيقية يضمن تقريبا استمرار تآكل الديمقراطية من دون رادع.
قبل اكثر من ثلاثين عاما اعلنت في المؤتمر العالمي الرابع للمرأة التابع للامم المتحدة في بكين ان "حقوق الانسان هي حقوق النساء وحقوق النساء هي حقوق الانسان"و كان هذا التصريح مثيرا للجدل في حينه، لكنه عكس واقعا مفاده ان النساء كن في الخطوط الامامية لما عرف بالموجة الثالثة من التحول الديمقراطي التي اسقطت الستار الحديدي وحررت ملايين البشر في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، ففي دول الكتلة السوفيتية ساعد النشاط النسوي، من الاضرابات العمالية في بولندا الى الحركات البيئية والمدنية الشعبية في المانيا الشرقية والمجر، في اضعاف السيطرة الشيوعية.
وفي الارجنتين والبرازيل وتشيلي خرجت الحركات النسوية من ظل الدكتاتوريات لتعيد تشكيل الحياة السياسية. وكانت الارجنتين اول دولة تعتمد حصة انتخابية وطنية للنساء المرشحات عام 1991. كما ساهمت نساء غواتيمالا في تحقيق السلام عام 1996 بعد عقود من الحرب الاهلية، ولعبت نساء المؤتمر الوطني الافريقي في جنوب افريقيا دورا في انهاء نظام الفصل العنصري.
واليوم، ومع تراجع الديمقراطية، يتضح ان حقوق النساء كانت بمثابة مؤشر مبكر للازمات، ففي مختلف انحاء العالم جرى التغاضي عن الهجمات التي استهدفت حقوق النساء وفرصهن ومشاركتهن الكاملة في المجتمع.
والنتيجة غالبا ما تكون تدهورا ديمقراطيا متسارعا: مؤسسات فارغة من مضمونها، وتجريم للمعارضة، وتركيز للسلطة خارج اي مساءلة. وهذا ليس صدفة، بل نتيجة تصميم متعمد.
تعمل الانظمة السلطوية بشكل منهجي على تقويض حقوق النساء، لأنها تدرك ان مشاركة النساء تمثل قوة دافعة للديمقراطية وسدا في وجه الطغيان ويأخذ هذا القمع طابعا ايديولوجيا وتكتيكيا في آن واحد، فهو يهدف الى اسكات مساهمات النساء التي تعزز قوة الديمقراطية، وفي الوقت نفسه توظيف خطاب ابوي يضفي الشرعية على الحكم السلطوي.
وكما لاحظت الباحثة ساسكيا بريخنماخر في مجلة "فورين افيرز" في وقت سابق من هذا العام: نظرا لاهمية الحريات المدنية والمساحة السياسية لتحقيق تقدم حقيقي للنساء، فإن تعزيز المؤسسات الديمقراطية عنصر اساسي، لكن التركيز على الديمقراطية وحدها من دون مبادرات محددة لتعزيز المساواة بين الجنسين سيكون خطأ كبيرا. ان فهم الترابط العميق بين حقوق النساء والديمقراطية شرط اساسي لمواجهة الاتجاهات الراهنة وعكس مسارها فما زالت حقوق النساء حقوقا انسانية، والطغاة يدركون ذلك جيدا.
ولعل المثال الاكثر تطرفا على كراهية النساء في الانظمة الشمولية اليوم يظهر في افغانستان. فحين استعادت حركة طالبان السيطرة على البلاد عام 2021، كان من اول قراراتها اقصاء النساء من جميع الادوار العامة في المجتمع. وخلال وقت قصير منعت الفتيات من التعليم الثانوي، وحظرت على النساء الدراسة الجامعية وتولي المناصب العامة والعمل خارج المنزل. وتدعي الحركة ان هذه الاجراءات تحمي القيم الاسلامية والهوية الوطنية، لكن هناك العديد من المجتمعات حول العالم التي يتعايش فيها الاسلام والديمقراطية.
اما الهدف الحقيقي لهذا القمع فهو واضح: حرمان النساء من الوصول الى المعلومات والدخل والتأثير السياسي، وترسيخ السيطرة عبر استبعاد نصف المجتمع من الحياة العامة.
ورغم ان قسوة طالبان قد تدفع البعض الى اعتبارها حالة استثنائية، فإن عداءها للنساء ليس استثناء بل نموذجا واضحا. فزعماء سلطويون اخرون يراقبون عن كثب ويتعلمون كيف يمكن توسيع السيطرة من خلال قمع النساء. ففي ايران تعرضت شابات للضرب والسجن وحتى القتل بسبب خلع الحجاب.
وفي الصين والمجر وروسيا تتكرر الدعوات الرسمية لعودة النساء الى المنزل وانجاب مزيد من الاطفال. وعلى اختلاف هذه الانظمة، العلمانية منها والدينية، الغربية والشرقية، المتقدمة والنامية، يجتمع الطغاة على العداء لحقوق النساء.
التقاليد كسلاح سياسي
تشكل كراهية النساء ركنا ايديولوجيا واداة سياسية في الانظمة السلطوية. فكثيرا ما يروج الحكام المستبدون لرؤية صفرية للعلاقة بين الجنسين، مؤكدين ان اي مكسب تحققه النساء يأتي على حساب الرجال.
وتقدم هذه الفكرة اجابة سهلة ومريحة للرجال، بل ولعدد من النساء ايضا، الذين يشعرون بالاحباط بسبب الركود الاقتصادي والتحولات الثقافية المقلقة.
وتشير الابحاث السلوكية الى ان عقلية الندرة تعد وسيلة فعالة لتآكل التعاطف وتعميق الانقسامات الاجتماعية. ولهذا يبرر كثير من الحكام المستبدين قمع النساء باسم الدفاع عن القيم العائلية والتقاليد الثقافية والدين والهوية الوطنية، وهو خطاب يجد صدى اجتماعيا واخلاقيا يعزز شرعية السلطة السلطوية.
ومن خلال اثارة المخاوف من استقلال النساء وحضورهن في الحياة العامة، يستغل الحكام المستبدون معتقدات مألوفة لدى قطاعات واسعة من المجتمع، ما يجعل تحديها اكثر صعوبة.
وبما ان النساء المعارضات يتحدين في الوقت ذاته التسلسل الهرمي السياسي والجندري، فإنهن يتعرضن للاستهداف مرتين: مرة بسبب تهديدهن للنظام، ومرة اخرى بسبب خروجهن عن الصورة التقليدية للانقياد والطاعة. وهكذا تتحول الابوية الى رابطة ايديولوجية واداة للسيطرة على من يحق له المشاركة في الحياة العامة.
ويعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من ابرز دعاة هذا النموذج الابوي في الحكم السلطوي. فهو يقود حركة دولية محافظة معادية لحقوق النساء والمهاجرين وتسعى الى تقويض التحالفات الديمقراطية والنظام الدولي القائم على القواعد.
ويقدم بوتين النساء في المقام الاول بوصفهن امهات ومقدمات رعاية، لا مواطنات متساويات، كما قوض مبادرات المساواة بين الجنسين وساهم في ترسيخ ثقافة الافلات من العقاب عبر تخفيف تجريم العنف الاسري. ويبرر هذه السياسات باعتبارها دفاعا عن القيم التقليدية للاسرة والدين والسلطة الذكورية في مواجهة الليبرالية الغربية.
ومن خلال استعراضات اعلامية تهدف الى تعزيز صورته كقائد قوي ورجل قومي صارم، تظهر صور بوتين وهو يمتطي الخيل عاريا الصدر او يفوز في مباريات الجودو او يقود سيارات السباق، في محاولة لتقديم نفسه بطلا يحمي التقاليد من عالم اكثر انفتاحا وتنوعا.
ما زالت حقوق النساء حقوقا انسانية
ومن خلال تجربتي الشخصية اعلم ان بوتين يشعر بالتهديد من النساء القويات. كما انه بارع في استغلال مخاوف الرجال من فقدان مكانتهم الاجتماعية. فهو مهووس بفكرة الامبراطورية الروسية المفقودة ويخشى خسارة سلطته وحتى حياته.
وقد غذت الثورات الملونة في الجمهوريات السوفيتية السابقة مخاوفه ووفقا لمدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق وليام بيرنز، كان بوتين يعيد مرارا مشاهدة فيديو يظهر فيه الزعيم الليبي معمر القذافي وهو يسحب من مجرى للصرف الصحي ويضرب حتى الموت عام 2011. لذلك شدد قبضته على الداخل وغزا اوكرانيا بدافع الخوف بقدر ما كان بدافع القوة. وبناء ايديولوجيا ابوية يضع نفسه على رأسها يعد وسيلة لترسيخ حكمه وحماية صورته.
ويتبع حليفه في بيلاروسيا الكسندر لوكاشينكو النهج نفسه، مستغلا الاعراف الذكورية لاقصاء النساء من مواقع النفوذ السياسي. فقد رفض فكرة قدرة النساء على القيادة، واعتبر ان الدستور "ليس للنساء"، كما سخر من زعيمة المعارضة سفيتلانا تيخانوفسكايا واصفا اياها بربة منزل. وعندما تحالفت مع قياديتين اخريين هما فيرونيكا تسيبكالو وماريا كوليسنيكوفا لتشكيل حركة معارضة موحدة، شعر لوكاشينكو بالتهديد، فزور الانتخابات ودفع تيخانوفسكايا الى المنفى.
وفي المجر تبنى رئيس الوزراء فيكتور اوربان خطابا مشابها، اذ اعتبر ان ارتفاع نسبة تخرج النساء من الجامعات يهدد الزواج ومعدلات الانجاب، كما فرض قيودا على الوصول الى خدمات الاجهاض بذريعة الدفاع عن القيم العائلية والهوية الوطنية.
الابتعاد عن خطاب حقوق النساء
وفي تركيا عزز الرئيس رجب طيب اردوغان سلطته عبر مزيج من السياسات والخطاب والضغوط الاجتماعية. ففي عام 2011 الغت تركيا وزارة المرأة واستبدلتها بوزارة الاسرة والسياسات الاجتماعية، في خطوة اعتبرت مؤشرا على الابتعاد عن خطاب حقوق النساء. كما شجع اردوغان سياسات زيادة الانجاب، ووجه انتقادات علنية للنساء اللواتي يفضلن العمل على الامومة، واصفا اياهن بانهن "نصف انسان". وفي عام 2021 انسحبت تركيا من اتفاقية اسطنبول لمكافحة العنف ضد النساء بحجة تعارضها مع القيم العائلية.
وفي الصين في ظل حكم شي جين بينغ ترافق تعزيز السلطة مع عودة قوية للخطاب الابوي تحت شعار القيم العائلية. فمنذ وصوله الى السلطة عام 2012 ضيق النظام الخناق على النشاط النسوي وفرض رقابة على المنظمات والمنصات الرقمية المدافعة عن حقوق النساء، كما دعا النساء مرارا الى العودة الى الادوار التقليدية داخل الاسرة. ومع تفاقم الازمة الديموغرافية تحاول الدولة دفع النساء الى الانجاب عبر تشديد قوانين الطلاق والحد من الاستقلال الاقتصادي.
وتشير تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش الى حالات رفض المحاكم الصينية طلبات طلاق لنساء تعرضن للاتجار والعنف لسنوات. كما كشفت فضيحة عام 2022 لامرأة وجدت مقيدة بسلسلة حول عنقها بعد ان بيعت عدة مرات عن حجم الاستغلال المرتبط باختلال التوازن بين الجنسين نتيجة سياسة الطفل الواحد السابقة. وفي اقليم شينجيانغ يتخذ القمع اشكالا اكثر قسوة، حيث تتعرض نساء الاويغور للاعتقال الجماعي وفرض وسائل منع الحمل او التعقيم القسري.
حتى في بعض الديمقراطيات يمكن توظيف الايديولوجيا الابوية لتقييد حقوق النساء. ففي الارجنتين تعهد الرئيس خافيير ميلي بازالة جريمة قتل النساء من قانون العقوبات وهاجم ما وصفه بـ "النسوية الراديكالية". وفي الولايات المتحدة الغت المحكمة العليا حكم "رو ضد ويد" الذي كان يحمي حق الاجهاض لنحو خمسين عاما، ما اعتبر خطوة تحد من حرية النساء الجسدية والانجابية.
وتظهر هذه السياسات مبدأ اساسيا: الاكراه المقنع في شكل سياسات قد يكون مدمرا بقدر القمع الصريح. فعندما يتم تعريف قيمة النساء اساسا من خلال قدرتهن الانجابية، تتقلص استقلاليتهن الاقتصادية وتتراجع مشاركتهن المدنية والسياسية، ويترسخ النظام الابوي.
النساء في مرمى الاستهداف
ان قمع النساء ليس مجرد خيار ايديولوجي لتعزيز شرعية الحكم السلطوي، بل هو ايضا استراتيجية عملية لاضعاف المعارضة السياسية وتقويض المجتمع المدني. فالانظمة الاستبدادية تستهدف القيادات والناشطات النسويات ضمن خطة مدروسة، لأنها تدرك ان مشاركة النساء في الحركات الجماهيرية تزيد من فرص نجاحها وتوسع طابعها الديمقراطي.
ولهذا غالبا ما تتعرض السياسيات والناشطات للمضايقات والاتهامات والسجن والنفي. وفي ليبيريا خلال حكم تشارلز تايلور استخدم العنف الجنسي كوسيلة لترهيب النساء ومنع مشاركتهن السياسية. ورغم ذلك تمكنت النساء الليبيريات من تنظيم حركات سلام عابرة للانقسامات الاثنية والسياسية، لعبت دورا حاسما في انهاء الحرب الاهلية عام 2003.
وفي السنوات الاخيرة استخدمت الانظمة السلطوية التكنولوجيا لتعزيز استهداف النساء. فقد حذرت الصحفية الفلبينية ماريا ريسا الحائزة جائزة نوبل للسلام عام 2021 من استخدام الفضاء الرقمي كسلاح لاسكات النساء وترهيبهن، خاصة الصحفيات والناشطات الديمقراطيات. وقد تعرضت ريسا نفسها لحملات تشهير وتهديدات بالقتل والاغتصاب بسبب تحقيقاتها حول الفساد وعمليات القتل خارج القانون خلال حكم الرئيس رودريغو دوتيرتي.
وتشير التجارب الحديثة الى ان وسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات المراقبة المعززة بالذكاء الاصطناعي باتت تضخم خطاب كراهية النساء وتتيح للانظمة السلطوية استهداف القيادات النسوية بدقة اكبر.
سيدة الحرية
عندما يتم اسكات النساء تضعف الديمقراطية نفسها. فالانظمة السلطوية لا تستهدف النساء كافراد فقط، بل تضرب المؤسسات والحركات والقيم التي تقوم عليها الديمقراطية. وكل تأخير في التعامل مع هذه الهجمات باعتبارها ازمة عاجلة يعزز قوة الاستبداد ويضيق مساحة المقاومة.
ولا يوجد حل سريع لوقف صعود السلطوية عالميا، لكن عقودا من البحث والخبرة تشير الى استراتيجيات واضحة لتعزيز الديمقراطيات، في مقدمتها المشاركة الكاملة والمتساوية للنساء والفتيات في الحياة العامة. وقد طرح تقرير صدر في مارس 2025 بعنوان "بكين +30: خارطة طريق لحقوق النساء في الثلاثين عاما المقبلة" مجموعة شاملة من السياسات لتعزيز قيادة النساء وحماية الحقوق الانجابية والقضاء على العنف القائم على النوع الاجتماعي وتوسيع فرص التعليم والعمل.
لقد اظهرت التجربة التاريخية ان الدفاع عن حقوق النساء هو دفاع عن الديمقراطية نفسها. فعندما تشارك النساء بفاعلية في عمليات السلام والانتقال السياسي تصبح الاتفاقات اكثر استقرارا وتستمر لفترة اطول، لأن النساء غالبا ما يوسعن اجندة المفاوضات لتشمل امن المجتمعات وحقوق الانسان والمساءلة.
ومن ايرلندا الشمالية الى كولومبيا ومن رواندا الى ناميبيا، تؤكد التجارب ان دمج النساء في الحياة السياسية يقوي المؤسسات الديمقراطية ويجعل تبرير القمع اكثر صعوبة.