*نيان خسرو
يدخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكيل عميقة قد تستمر لسنوات قادمة، تتسم بتزايد الصراعات غير المباشرة، وتحولات داخلية في بنية الدول الإقليمية الكبرى. في قلب هذه التحولات تقف القضية الكردية، ليس فقط بوصفها مسألة قومية تاريخية، بل كعنصر مؤثر في معادلات الأمن والطاقة والتوازن الإقليمي.
خلال السنوات الخمس المقبلة، ستتحدد مساحة الحركة الكردية بقدر كبير وفق تطورات أربع ساحات رئيسية: تركيا، إيران، العراق، وسوريا، إضافة إلى شكل الحضور الدولي، وخصوصا الأمريكي والاسرائيلي في المنطقة.
في تركيا، يعتبر الملف الكردي من اكثر الدول تعقيدا نظرا للفكر العنصري والقومي التأريخي التي تسيطر على كافة المحاولات الداخلية والخارجية لوضع الحل والتفاهمات في القضية الكردية. الضغوط السياسية والاقتصادية المتزايدة قد تدفع أنقرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، سواء باتجاه تشديد القبضة الأمنية لتعزيز الاستقرار الداخلي، أو نحو مقاربات سياسية أكثر براغماتية لتخفيف الاحتقان. أي انفتاح سياسي، حتى وإن كان محدودا، قد يخلق مساحة جديدة للنقاش حول الحقوق الثقافية والإدارية. أما في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، فقد يُعاد توظيف الملف الكردي ضمن مقاربة أمن قومي أكثر صرامة. وبالتالي فإن الاستراتيجية الكردية الأكثر عقلانية في هذه الساحة تبقى قائمة على تقليل الاحتكاك المباشر، والتمسك بالسياسة الحالية.
في إيران، تبدو السنوات القادمة حاسمة. الحروب الاخيرة، الضغوط الاقتصادية والعقوبات، إضافة إلى التحولات الديموغرافية والاجتماعية داخل المجتمع الإيراني، قد تفتح المجال أمام مراجعات داخلية تدريجية. لكن في المقابل، قد تدفع التوترات مع الغرب طهران إلى تعزيز نهج أمني أكثر تشددا في الأطراف القومية. المعارضة الكردية الإيرانية تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: أي اصطفاف علني مع محور خارجي قد يؤدي إلى تضييق داخلي واسع، بينما العمل التدريجي في إطار خطاب حقوقي وطني قد يمنحها شرعية أوسع داخل المجتمع الإيراني نفسه .
في العراق، يبقى إقليم كردستان النموذج الأكثر رسوخا من حيث الإدارة الذاتية. غير أن العلاقة بين أربيل وبغداد ستظل مرتبطة بملفات النفط والميزانية وصلاحيات الإقليم. إذا نجح العراق في تحقيق قدر من الاستقرار السياسي والاقتصادي، فقد تتجه العلاقة نحو صيغة أكثر وضوحا في تقاسم الصلاحيات. أما إذا عاد التوتر الداخلي، فقد يتعرض الإقليم لضغوط مالية وسياسية. في هذا السياق، فإن تعزيز الشفافية المؤسسية، وتنويع الاقتصاد، وتخفيف الاعتماد الأحادي على النفط، تمثل عناصر حاسمة لتحصين التجربة.
أما في سوريا، فإن المسار مرهون بطبيعة التسوية السياسية الشاملة إن وُجدت. في حال تم التوصل إلى صيغة حكم لامركزي موسع، فقد تجد الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا موقعا دستوريا معترفا به. أما في حال استمرار الجمود أو عودة التصعيد، فسيبقى الوضع هشا ومعرضا للمساومات الإقليمية. التحدي الكردي هنا يتمثل في الحفاظ على التوازن بين القوى الدولية الفاعلة دون التحول إلى أداة صراع بينها.
على المستوى الدولي، سيظل الدور الأمريكي عاملا مؤثرا، سواء في إطار مكافحة الإرهاب أو في إدارة التوازن مع إيران وروسيا. التجربة أظهرت أن الإدارات الأمريكية، بما فيها إدارة دونالد ترامب تتعامل مع الملف الكردي من زاوية المصالح الأمنية لا من زاوية الالتزام التاريخي. التواصل مع قيادات كردية مثل بافل طالباني و مسعود بارزاني يعكس اعترافا بالدور، لكنه لا يشكل ضمانة استراتيجية طويلة الأمد. لذلك فإن المبالغة في التعويل على أي إدارة خارجية قد تضعف القدرة على المناورة الذاتية.
السيناريو الأكثر ترجيحا خلال السنوات الخمس القادمة هو استمرار حالة السيولة الإقليمية دون حسم نهائي. وهذا يمنح الكورد فرصة، ولكن ضمن هامش محسوب. فغياب الحسم يعني تعدد مراكز القرار، ويعني أيضا أن أي خطأ في التموضع قد يكون مكلفا.
في هذا السياق، يبدو خيار الحياد الإيجابي أكثر اتساقا مع المعطيات. عدم الانخراط في صراعات إقليمية مفتوحة، مع الحفاظ على علاقات متوازنة، يسمح بتحويل المناطق الكردية إلى مساحات استقرار نسبي في محيط مضطرب. هذا الاستقرار بحد ذاته قد يصبح ورقة قوة تفاوضية، خصوصا إذا اقترن بإدارة رشيدة واقتصاد متماسك.
القضية الكردية في أفق السنوات القادمة لن تُحسم عبر إعلان سياسي كبير أو مواجهة عسكرية فاصلة. ما سيحدد مسارها هو قدرة الفاعلين الكرد على قراءة موازين القوى بدقة، وتفادي الاستقطابات الحادة، والاستثمار في الداخل بقدر الاستثمار في العلاقات الخارجية. السلام هنا ليس شعارا أخلاقيا، بل أداة استراتيجية تمنع الاستنزاف وتمنح الوقت .