×


  قضايا كردستانية

  ما زالت ندية و مازالت انتفاضة نوروزية



*ستران عبدالله

مر ما يقارب أربعة عقود على اندلاع هذه الانتفاضة، لكنها ما زالت كما كانت في يومها الأول؛ ندية طرية، مثل الربيع، ونوروزها عيد كل ما هو جميل وعطر. ومازالت معبرة عن القيم النبيلة للشعوب في الحرية والعدالة، كانت (لا) ضرورية في وقتها وليست مجرد صرخة، بل كانت أنين المظلومين وصوت الشعب  المحروم الذي حاول كثيرون إنكاره، بحسب قول الشاعر الكردي.

ما زالت ساخنة ومتقدة وناضجة، كما كانت في اللحظة الأولى لدفع الظلم وإسقاط الدكتاتورية. لقد مر خمسة وثلاثون عاما على اندلاعها، لكنها تتجدد كل عام، وتكتسب كل يوم معنى جديدا. وفي كل مرة نؤطرها بمهمة جديدة، فلا ينتهي واجبنا تجاهها ولا ينتهي حقنا فيها. فهي أحدث حكاياتنا التي نفخر بها.

ومع كل تقدم ونمو لشعبنا ننظر بشوق متجدد إلى زهرة ربيع الانتفاضة، ونتأمل عروس الحرية الجميل ونحمل شوقا عميقا لموعد التحرر الكامل الذي طال انتظاره.

لقد شهد العالم خلال أكثر من ثلاثة عقود اكثر من ربيع، واندلعت ثورات كثيرة، مثل ثورات بلدان المعسكر الشرقي وأيام الربيع العربي التي جاءت ثم مضت دون جدوى. تفككت دول وسقطت أنظمة ظالمة، لكن أيا من تلك التجارب والدروس لم ترق إلى مكانة انتفاضتنا الشامخة. سمعنا كثيرا من الاقاويل والشعارات، وغُنيت أغانٍ وأناشيد كثيرة عبرت الحدود وملأت الحناجر أملا و رجاء، لكن أيا منها لم تستطع أن تضاهى اناشيد الانتفاضة، وأحتفائها الجماهيري، ولا حرارة مذياع صوت شعب كردستان في بشارة الانتصار

ولانجافي  الواقع والحقيقة إن قلنا لم تكن هناك انتفاضة بمثل قوة وثبات انتفاضة الكرد ضد سلطة صدام حسين، فهي حتى الآن أفضل  ما قمنا به في الماضي وحتى اليوم، و طبعا  أحد يملك علم الغيب ليحكم على مستقبلها.

والجدار المتين لانتفاضة التحرر عام 1991 ما زال صامدا و شامخا لم يتزعزع ، لم تستطع أي شقوق أن تنال من أعتباره و مكانته . لقد تجاوز عمر بقائها و استمرارها أعمار الـكثير من أفراح الكرد. فمنذ أن ذكرنا المؤرخ زينفون في كتاباته، ومنذ اليوم الذي خُذلنا فيه بعد معاهدة سيفر ولوزان ومنذ أن قدمت لنا الأمم المتحدة الطعام في خيام التشرد و اللجوء، لما يسمى بأسباب إنسانية وحتى اليوم الحالي حيث يذكرنا الرئيس دونالد ترامب بين الحين والحين، لم يصل أي صرخة في كردستان، بما فيها صرخات جبال كيورش، إلى يوم صرخة رانية عند بوابة قرار الانتفاضة في عام 1991.

إن هذا اليوم بالنسبة لكرد كردستان يشبه ما قبل الميلاد وما بعدها في تقويم الاغريق و الافرنج هو عبقرية الماضي وأمل الحاضر الذي ما زال يقاوم الضيق والأزمات في تلك البلاد.

ولا تزال هذه الانتفاضة اروع أعمال الكرد في نهاية القرن العشرين، وقد بسطت جناحيها وظلها على تسعين عاما من النهوض والتضحيات في ذلك القرن. وحتى اليوم وبعد ربع قرن من القرن الحادي والعشرين؛ لا نحن شبعنا و ارتوينا من عطائها، ولا هي جفت في ينابيعها.

لا أحد يستطيع أن يوقف شريط التاريخ عند أي لحظة يشتهيها، والكرد بعدما دخلوا موكب التاريخ لا يريدون أن يوقفوا مسيرتها. و لكن صدقا ما لم نكتب ملحمة أخرى تضاهي تلك التي كتبناها في ربيع ١٩٩١ فلا يليق بنا أن نسطر  روايات ضعيفة وقصص ذات سرديات مبتذلة.

لقد كانت هذه الملحمة حتى الآن مصدر إلهام عظيم و دفعة جديدة نحو المستقبل.

وكما كانت بداية الانتفاضة متقدة ومشتعلة، وكما تكون بداية الكتابة ندية وطازجة، فهي ما زالت ربيعا… وما زالت نوروزية.

*ترجمة عن الكردية بتصرف


09/03/2026