×


  رؤى حول العراق

  العراق في الحرب بين (امريكا-اسرائيل) و (ايران)....(1-2)



– الباحثون: د.يوسف گوران، د.ئوميد رفيق فتاح، د.عابد خالد رسول، د.هردي مهدي ميكة، د.فاروق عبدول مولود.

مجلة "قراءات مستقبلية" العدد (11)/ مركز الدراسات المستقبلية

– المحور الأول: واقع العراق أثناء الحرب؛ المستجدات والتداعيات.

– المحور الثاني: إسرائيل والعراق؛ إعادة صياغة المنطقة وتغيير موازين القوى.

– المحور الثالث: الولايات المتحدة والعراق؛ الانقطاع والحياد مقابل الضمانات الاقتصادية.

– المحور الرابع: إيران والعراق؛ وحدة الساحات وجبهة المقاومة‌.

توطئة

يمثل الحرب الدائر بين (الولايات المتحدة وإسرائيل) من جهة، و (إيران) من جهة أخرى، تحديا وجوديا للدولة العراقية؛ كونه يضعها في موقف حرج تتجاذبه الالتزامات الأيديولوجية والسياسية تجاه القضايا الإقليمية من جانب، وضرورات الحفاظ على السيادة الوطنية من جانب آخر. يتأثر العراق بشكل مباشر بهذه الحرب عبر انخراط الجماعات المسلحة تحت مفهوم «جبهة المقاومة» و»وحدة الساحات»، فضلا عن فقدان السيطرة على المجال الجوي الذي تحول إلى ساحة للهجمات المتبادلة بين الأطراف المتصارعة، مما يشكل تهديدا خطيرا للاستقرار الأمني الهش الذي تسعى الحكومة لتعزيزه.

أما من الناحية الاقتصادية، فيبقى العراق رهينة لتقلبات أسعار النفط وآليات تصديره إلى الأسواق العالمية، حيث تبرز معضلات الموازنة العامة وخطر الانهيار الاقتصادي كأكبر هواجس الحكومة العراقية مستقبلا. علاوة على ذلك، فرض الموقع الجيوسياسي للعراق وضعا يتأرجح فيه بين الرغبة في لعب دور «الوسيط» وبين التحول إلى «ساحة لتصفية الحسابات» الحربية.

وفي هذا السياق، يحتاج العراق وإقليم كردستان إلى توازن دبلوماسي دقيق لمنع انزلاق البلاد نحو حرب شاملة قد تعيدها إلى المربع الأول من العنف.

**القراءة المستقبلية رقم (11): تتناول في أربعة محاور تحليل وضع ومكانة العراق في الصراع بين (الولايات المتحدة وإسرائيل) وإيران، مع تسليط الضوء بشكل خاص على رؤية وتعامل أطراف الحرب الثلاثة تجاه العراق.

*فيما ياتي عرض محورين الاول والثاني والبقية في العدد القادم:

المحور الأول واقع العراق أثناء الحرب؛ المستجدات والتداعيات

إن تداعيات الحرب الراهن بين (الولايات المتحدة وإسرائيل) و (إيران) سيكون له تأثير كبير- قبل أي دولة أو منطقة أخرى- على المكانة الاستراتيجية والعسكرية للعراق ومستقبله السياسي والأمني. فمن ناحية الموقع الاستراتيجي، تشير سلسلة الأحداث المتلاحقة — بدءا من هجمات 7 أكتوبر وما تلاها من إرتدادات (حرب غزة، إضعاف حزب الله اللبناني، سقوط نظام الأسد في سوريا، وحرب الـ 12 يوما ضد إيران) وصولا إلى المواجهة الحالية التي يقودها «التحالف الأمريكي الإسرائيلي» ضد «إيران ووكلائها في المنطقة» — إلى أن منطقة الشرق الأوسط تقف الآن على أعتاب تحول «جيواستراتيجي» كبرى. بناء على ذلك، يتوقع أن الحرب الحالية لن تكون مجرد جولة أخرى ضمن سلسلة الصراعات التقليدية بين المحورين، بل هي عملية إعادة صياغة لخارطة القوى في العديد من دول المنطقة، ويقع العراق في قلب هذه التحولات. فخلال الفترات الماضية، وبحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية والمذهبية، ظل العراق دوما إحدى الساحات الرئيسة لتصفية الحسابات وحسم تلك الصراعات الإقليمية.

أما من ناحية المشهد السياسي العام، فقد صِيغت السياسة العراقية طوال أكثر من العقدين الماضيين بطريقة تجسد نوعا من التوازن بين المصالح الإيرانية والأمريكية. غير أن أحد السيناريوهات المتوقعة لهذه الحرب هو اختلال هذا التوازن في الوقت الراهن، مما يضع العراق أمام اختبارين قاسيين:

الأول:

احتمال انتهاء حالة «الحياد القسري» التي انتهجها العراق حتى الآن بين أطراف النزاع؛ حيث لن يعود بمقدور العراق «اللعب على حبال الحياد»، في ظل تصاعد الضغوط على حكومة بغداد لاتخاذ موقف معلن وصريح بين المعسكرين المتصارعين، والانحياز لأحدهما بشكل نهائي.

الثاني:

تفاقم الانقسامات الداخلية في العراق؛ فمن جهة، يبرز تباين بين المكونات الرئيسية، لا سيما وأن المكونين السني والكردي، إلى جانب طيف من الشيعة المعتدلين، يرفضون انخراط العراق في هذه الحرب عبر الانضمام إلى أي من محوري الصراع. ومن جهة أخرى، يمتد الانقسام إلى داخل المكونات نفسها، وتحديدا في «البيت الشيعي»، حيث تعتبر بعض الفصائل المسلحة نفسها جزءا أصيلا من «جبهة المقاومة». إن كل هذه العوامل قد تؤدي لاحقا إلى إحداث شرخ كبير بين مؤسسات الدولة الرسمية وكثير من القوى غير الرسمية (اللانظامية).

أما على مستوى العملية السياسية، فمن الملاحظ أن اندلاع هذا الصراع قد تزامنت إرهاصاته مع الخطوات الإجرائية لتشكيل الحكومة تنصيب رئيس وزراء جديد، استنادا إلى نتائج انتخابات مجلس النواب الأخيرة في نوفمبر من العام الماضي. وهذا التزامن يجعل من مسارات الحرب عاملا مؤثرا بقوة في معادلات تشكيل الحكومة المقبلة؛ إذ قد تؤدي ارتدادات الحرب على المدى القريب إلى حالة من الانسداد السياسي بانتظار ما ستسفر عنه النتائج النهائية للمواجهة. ولكن على المدى البعيد، فيتوقع أن تصبح نتائج الحرب غربال أساسي لتحديد هوية رئيس الوزراء القادم، وفي هذا الصدد يمكن استشراف احتمالين على الأقل:

الاحتمال الأول:

يفترض هذا الاحتمال انتهاء الحرب بصيغة لا تضطر فيها الدولة العراقية رسميا إلى الانحياز المطلق لأحد الأطراف. في هذه الحالة، قد تتمكن القوى السياسية من التوافق على شخصية لرئاسة الوزراء تعمل على إدامة « الحياد الاضطراري» المذكور آنفا. بيد أن مهام حكومة كهذه ستكون في غاية التعقيد؛ فمن جهة، تطالبها الولايات المتحدة بضمانات قاطعة لمنع تحويل الأراضي العراقية إلى منصة لاستهداف مصالحها وحلفائها من قبل الفصائل المسلحة. ومن جهة ثانية، ستنتظر منها إيران الحيلولة دون انزلاق العراق نحو المحور الأمريكي أو التحول إلى عائق أمام نفوذها الإقليمي، وساحة لاستهداف الفصائل العراقية الحليفة لها. لذا، وبناء على هذه المعطيات، كلما كان رئيس الوزراء القادم شخصية تتمتع بـ (استقلالية القرار)، كان أقل عرضة للتبعية لأي محور إقليمي أو قوة دولية، وإلا فإن العراق سينزلق حتما نحو تبني سياسة الانحياز لأحد أطراف الصراع.

الاحتمال الثاني:

التقويض الجذري للنظام الإيراني نتيجة هذه الحرب، وما يتبعه من انحسار لنفوذه الإقليمي. في ظل هذا الاحتمال، ستفقد القوى السياسية الحليفة لطهران —لا سيما بعض أطراف الإطار التنسيقي— قدرتها على المناورة السياسية. حينها، قد تفتح الآفاق أمام بروز شخصية لا جدلية (تكنوقراط) أو (وطنية) تحظى بقبول الولايات المتحدة والقوى الإقليمية المنافسة لإيران. وفي خضم هذه التحولات، يغدو انسحاب (المالكي) من طموح رئاسة الوزراء أمرا واردا، مما يفسح المجال لإعادة ترشيح (السوداني) أو (مرشح بديل).

وفي كل الأحوال، إذا ما أفضت الحرب إلى اختلال ميزان القوى لصالح الولايات المتحدة، فإن شروط واشنطن لدعم الحكومة العراقية المقبلة ستكون صارمة؛ إذ لن تدعم إلا رئيس وزراء يقدم التزامات جادة بضبط الفصائل المسلحة، وحماية المصالح والقواعد العسكرية الأمريكية، وضمان عزل النظام المالي العراقي عن تقديم أي تسهيلات للجانب الإيراني.

أما فيما يتعلق بمصير الجماعات المسلحة — وهي إحدى أكثر القضايا حساسية في المشهد العراقي الراهن — فإن الفصائل المنضوية تحت مظلة «المقاومة» تعتبر نفسها جزءا عضويا من استراتيجية الدفاع الإيرانية. وبناء على بياناتها الرسمية، فقد انخرطت مباشرة في الصراع عبر تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات. وفي الوقت نفسه، يحتمل في المدى القريب أن تتصاعد وتيرة الاستهدافات الممنهجة لقادة هذه الفصائل، على غرار ما حدث لقيادات حزب الله في لبنان، مما قد يؤدي إلى شلل في قنوات الاتصال المباشرة مع مراكز القرار في إيران، ويقود بالتالي إلى تقويض قدراتهم العسكرية والمالية. وفي حال انقطاع خطوط الدعم اللوجستي من طهران، ستواجه هذه الجماعات حالة من الارتباك والتخبط؛ فبينما قد تسعى بعض الأطراف منها إلى التكيف السياسي مع التوجهات الرسمية للدولة العراقية لضمان بقائها، يرجح أن تنزع الأجنحة الأيديولوجية المتشددة نحو تبني استراتيجية «حرب العصابات» وإثارة الفوضى، مما يهدد الاستقرار الداخلي للبلاد.

ختاما،

لن تقتصر تأثيرات هذه الحرب على الأبعاد الاستراتيجية والسياسية والأمنية فحسب، بل ستتعداها لتشمل القطاع الاقتصادي بشكل حيوي. فبالإضافة إلى الأزمة الراهنة المتمثلة في إغلاق مضيق هرمز وتأثيره المباشر على صادرات النفط العراقية —التي تعد الشريان الأساسي للاقتصاد والمورد الرئيس للدخل القومي— يبرز خطر آخر يتعلق بسيادة القرار المالي. ففي حال عجز العراق عن النأي بنفسه عن دائرة النفوذ الإيراني، أو في حال فقدان السيطرة على الفصائل الحليفة لطهران وتصاعد عملياتها ضد المصالح الأمريكية، فمن المرجح أن تلجأ واشنطن إلى استخدام «سلاح الدولار» كورقة ضغط على الحكومة العراقية. ولا يستبعد في حالات التصعيد القصوى أن تفرض الولايات المتحدة عقوبات مالية صارمة على القطاع المصرفي العراقي، الأمر الذي قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي شامل، ومن ثم شلل تام في قدرات أي حكومة تتولى السلطة في ذلك الحين.

المحور الثاني إسرائيل والعراق: إعادة هندسة المنطقة وتغيير موازين القوى

في خضم الحرب الدائرة بين المحور (الأمريكي – الإسرائيلي) و (الإيراني)، قد تتقارب أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن رؤيتهما ومنطلقاتهما الاستراتيجية ليست متطابقة بالضرورة. ومع ذلك، ثمة تقاطع في المصالح الاستراتيجية تجاه العراق، يمكن إجمال نقاطه المشتركة فيما يلي:

النقاط المشتركة:

1-يرى الطرفان ضرورة ترسيخ مكانة العراق كجزء فاعل في المنظومة العربية، واستدراجه نحو التحالفات العسكرية والأمنية والاقتصادية المنبثقة عن إعادة تشكيل التكتلات الإقليمية الجديدة (New Regionalism) في المستقبل.

2-العراق طرف من إتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي بموجبها عليه أن لا يشكل تهديدا لأمن الاطراف المتمحورة اقليميا مع امريكا؛ إذ تؤسس الاتفاقية الأمنية العراقية-الأمريكية إطارا استراتيجيا بعيد المدى، وكفيلة بضمان شراكة وصداقة مستدامة بين الطرفين.

3-يعد العراق جزءا من دائرة تبادل القوة في المنطقة الإقليمية – إن لم يكن هو المحور الأساسي لهذه التغيرات – ويجب ألا يكون عائقا أمام مصالح إسرائيل والولايات المتحدة.

النقاط الخلافية:

1-تختلف المعايير الإسرائيلية في قراءة مستقبل توازن القوى في المنطقة؛ إذ تنظر تل أبيب بعين العداوة لكل قوة إقليمية لا تشكل تهديدا هجوميا فحسب، بل حتى تلك التي تمتلك قدرات دفاعية ذاتية تمكنها من الممانعة، لكن لا يفكر الأميركيون بهذه الطريقة.

2-تنظر إسرائيل إلى العراق بوصفه امتدادا للفكر والنفوذ الإيرانيين، وترى في تمركز السلطة بيد القوى الشيعية تهديدا أمنيا مباشرا. ولكن ينظر الأميركيون إلى الشيعة نظرة مختلفة، فهم لا يرفضون بالمطلق مرشحي «الإطار التنسيقي» لرئاسة الوزراء، بل ينصبون اعتراضهم حصرا على الشخصيات التي تحظى بدعم إيراني مباشر، أو تلك التي تبدي ممانعة في تفكيك الفصائل المسلحة الموالية لطهران

3-يتشابه المنظور الإسرائيلي مع المنظور الإيراني في ربط مفهوم «السلام الشامل» حصرا بفرض الاستقرار العسكري خلف الحدود، بينما تتبنى واشنطن رؤية مغايرة. وتنظر إسرائيل إلى العراق من منظور واحد، فتربط أمنها واستقرارها بضرورة إخراج العراق من دائرة نفوذ القوى التي تنظر إلى السلام والأمن كما تنظر إليهما هي.

4-تمحورت الرؤية الأمريكية حول التحفظ على تشريع قانون هيئة الحشد الشعبي ككيان مستقل، محذرة من مأسسة «قوة موازية» للجيش العراقي تمتلك ميزانية وتدريبا واقتصادا مستقلا. لذا، تتركز المطالب الأمريكية على ضرورة الدمج الهيكلي لهذه القوة ضمن صنوف القوات المسلحة، بحيث تخضع تماما لسلطة القائد العام للقوات المسلحة، وتكون مرجعيتها وولاؤها للعراق حصرا.

وعلى النقيض من ذلك، تعاملت إسرائيل مع هذه القوى بوصفها ممثلا مباشرا لإيران؛ لذا فهي ترى أن دمجها في صنوف الجيش العراقي سيؤدي إلى تفاقم المعضلة، حيث سيتيح لقادة هذه الفصائل الاستفادة من القدرات العسكرية والخبرات الاستشارية الأمريكية وقوات التحالف، وتوظيفها لصالح خصوم إسرائيل. ومن جهة أخرى، اعتبر الإسرائيليون أن عملية الدمج تعني شرعنة وكلاء إيران؛ لذا يتمحور المقترح الإسرائيلي حول ضرورة تفكيك هذه القوى من جذورها أو تقويض وجودها بالكامل.

بناء على ما تقدم، يمكن استنتاج أن الصراع القائم بين محور (الولايات المتحدة – إسرائيل) و (إيران) يتجاوز كونه مواجهة محدودة أو متوسطة النطاق؛ إنه صراع إقليمي شامل تتسع رقعته يوما بعد يوم. ورغم القراءات التي تشير إلى أن نهاية الحرب في إيران ستؤدي بالضرورة إلى وضع أوزار الصراعات الأخرى، إلا أن الواقع يؤكد أن الغاية الجوهرية من هذه الحرب هي إعادة هندسة المنطقة (Regional Redesign) وتغيير موازين القوى. وعليه، حتى وإن توقفت الحرب مع الإيران، فإنها قد تستمر في مناطق أخرى، مفرزة خارطة سياسية جديدة وعمليات إحلال وتبديل في مراكز النفوذ. هذه المعادلة تنطبق تماما على الواقع العراقي الراهن، حيث بدأت ملامحها وتداعياتها تتبلور بوضوح، وهو ذات الهدف الاستراتيجي الذي تسعى إسرائيل لتحقيقه في العراق وتعمل جاهدة على إنفاذه.


29/03/2026