تمرد آل سعود ضد الدولة العثمانية اعتبارا من عام 1780 وبتحريض من بريطانيا الاستعمارية التي أقامت علاقاتها مع كل القبائل الخليجية وأهمها آل ثاني في قطر وآل الصباح في الكويت وآل النهيان في أبو ظبي ولاحقا الإمارات وآل خليفة في البحرين، ورسم الاستعمار البريطاني خرائطها الجغرافية بعد انسحاب الدولة العثمانية من المنطقة نتيجة هزيمتها في الحرب العالمية الأولى.
فأعلنت بريطانيا استقلال السعودية كمملكة لآل سعود عام 1932 على أن يبقوا تحت إمرتهم وهي الحال بالنسبة لآل ثاني بعد استقلال قطر عام 1971 وآل نهيان بعد توحيد المشيخات السبعة وإقامة دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، مع بقاء هاتين الدولتين تحت رحمة الاستعمار البريطاني الذي احتفظ بقواعده العسكرية في هاتين الدولتين والسعودية، وكذلك الكويت بعد استقلالها عام 1965 والبحرين عام 1971 وسلطنة عمان 1970.
وبعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة إقامة الكيان العبري الصهيوني على الأرض الفلسطينية، دخلت واشنطن على خط التآمر على المنطقة برمتها، خاصة بعد اللقاء الذي تم بين الملك عبد العزيز والرئيس الأميركي روزفلت في الـ14 من شباط/ فبراير 1945 على متن المدمرة كوينسي في البحر الأحمر.
وأعلن آل سعود خلال هذا اللقاء ولاءهم المطلق للاستعمار الأميركي الجديد وبرضى معلن من بريطانيا التي تحولت إلى شريك رخيص لواشنطن التي رجحت الكيان العبري على الجميع في المنطقة وخارجها، ولأسباب سياسية واستراتجية ودينية، والأهم عضوية، لأن أميركا و "إسرائيل" دولتان أسسهما اللقطاء الذين تجمعوا من جميع أنحاء العالم واستولوا على أرض الآخرين.
وجاء العدوان الفرنسي- البريطاني - الصهيوني على مصر عام 1956، وحرب الكيان العبري على مصر والأردن وسوريا عام 1967، ثم حرب 1973، والعدوان الصهيوني على لبنان 1982، وبعد أشهر من الثورة الإسلامية في إيران التي أغلقت السفارة الإسرائيلية ورفعت العلم الفلسطيني عليها، لتفتح صفحة جديدة في مسار التطورات المثيرة في المنطقة، وعاشت برمتها سلسلة من الأحداث الخطيرة تارة داخل حدود دولها، وتارة أخرى بين هذه الدول، ليكون المستفيد الوحيد منها دائما، وكما هي الحال في سنوات الربيع العربي الدموي، هو الكيان العبري طالما أن واشنطن كانت في السر والعلن صاحبة القرار في عواصم المشيخات الخليجية التي تحولت مع الزمن إلى مستعمرات أميركية مطعمة بالوجود العسكري البريطاني والفرنسي، وأحيانا الألماني والإيطالي، كما هي الحال في كردستان العراق.
وجاء العدوان الصهيو - أميركي على إيران في حزيران/يونيو الماضي، وقبل ذلك الحرب الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، وبعد ذلك حزب الله في لبنان، قبل وبعد إسقاط نظام الأسد في دمشق، الخندق الأمامي لمحور المقاومة، ليثبت تبعية حكام الخليج لسيدهم الأكبر أميركا، وأيا كان حاكمها كالمجنون والمعتوه ترامب، أو كلينتون الحاصل على جائزة نوبل للسلام، وربما بتزكية من صديقه جيفري إبستين عميل الموساد الأكبر.
وبالتذكير بعلاقات واشنطن و "تل أبيب" الاستراتيجية مع "الشيعي" شاه إيران الذي كان صديقا وحليفا لحكام الخليج، لم يكن أحد منهم يتحدث آنذاك عن خطر "التوسع الشيعي الفارسي"، لا يجرؤ أحد من هؤلاء الحكام أن يسأل أسياده في واشنطن ولندن عن سبب وجود قواعدها العسكرية على أراضي بلاده.
ويعرف الجميع أن هذه القواعد ليست للدفاع عن استقلال وأمن وسيادة الدول التي توجد فيها، بل هي بمنزلة الخندق الأمامي للدفاع عن مصالح الكيان العبري الذي تحول قبل وبعد الاتفاقيات الإبراهيمية إلى حليف سري وعلني لحكام هذه الدول.
ويعرف الجميع أيضا أن الهم الوحيد لهذا الكيان هو الانتقام من الثورة الإسلامية في إيران، ولأنها تبنت ومنذ اليوم الأول لقيامها قضية الشعب الفلسطيني. وأثبتت لاحقا، لا بالقول بل بالعمل، أنها لا ولن تتخلى عن هذه القضية مهما خانها الكثيرون من العرب والمسلمين، الذين تواطؤوا في السر والعلن مع التحالف الصهيو - أميركي.
وجاء العدوان الأخير على إيران في الـ28 من شباط/ فبراير ليثبت هذه الحقيقة التي ضحى من أجلها الشعب الإيراني ومن معه من شرفاء المنطقة، بعد أن اقتنعت غالبية شعوب المنطقة أن إيران هي الوحيدة التي لقنت الكيان العبري الدرس الذي يستحقه منذ قيامه على الأرض الفلسطينية، وهو ما فعله أبطال المقاومة الإسلامية في لبنان واليمن والعراق، في الوقت الذي وقف فيه الكثيرون موقف المتفرج على إجرام التحالف الصهيو - أميركي على إيران ولبنان.
وبعد أن أثبتت تطورات ومعطيات الشهر الأول من العدوان أن ما يهم أميركا هو حماية الكيان العبري وليس "أمن واستقلال وسيادة" دول المنطقة التي عاملت حكامها دائما كخدم لديها يلبون أوامرها.
وهذا ما قاله و يقوله ترامب بين الحين والحين، مفتخرا بأنه جمع منهم خلال ساعتين فقط 5.2 تريليونات دولار في أيار الماضي، وهو مافعله في ولايته الأولى 2016-2020، مهددا إياهم بأنهم لن يبقوا في قصورهم عشرة أيام من دون حماية أميركا لهم.
ومن دون أن يجرؤ هؤلاء الحكام الآن على الاتصال بترامب ومناشدته لحمايتهم من الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي تستهدف دولهم كما يقولون، في حين أنها في الحقيقة تستهدف القواعد الأميركية والبريطانية والفرنسية في المنطقة، ويعرف الجميع أن مهمتها الأولى هي الدفاع عن الكيان العبري.
وكما هي الحال بالنسبة لقواعدها في تركيا وقبرص وجيبوتي وإثيوبيا والأردن الذي تحول إلى مستعمرة أميركية - بريطانية - فرنسية، مهمتها الأولى حماية الكيان العبري من الصواريخ الإيرانية التي ضربت العمق الإسرائيلي، منهية بذلك، ومعها صواريخ حزب الله"، أسطورة الجيش والموساد الذي لا يقهر" ليعيش هذا الجيش وباعتراف رئيس أركانه أخطر أزماته، في الوقت الذي ذاق فيه يهود الكيان العبري كافة أنواع الرعب الحقيقي الذي أجبرهم على العيش في الملاجئ كالجرذان.
ومن دون أن يكون واضحا هل وكم استخلص حكام المنطقة ما يكفيهم من الدروس بعد كل ما تعرضوا له من إهانة قصدها الرئيس ترامب، الذي يسعى بدوره للتغطية على فشل دولته "العظمى" في التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية واليمنية واللبنانية، التي أثبتت للجميع أنها لا ولن تتوقف إلا بهزيمة التحالف الصهيو- أميركي.
فقد كانت حماية الكيان العبري الأولوية الاستراتيجية بالنسبة لجميع خطط ومشاريع واشنطن التي تسعى لإخفاء حقيقة هزيمتها بالحديث عن الاجتياح البري لإيران، ومن دون أن تتذكر فشل الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان رغم المتواطئين فيه مع الكيان العبري وسيدته أميركا التي غزت العراق ومساحته 430 ألف كم مربع بحوالى 300 ألف عسكري، وأفغانستان ومساحتها 650 ألف كم مربع بـ 150 ألف عسكري، إلا أنها اضطرت للانسحاب من كلا البلدين الجارين لإيران ومساحتها مليون و650 ألف كم مربع، وعدد سكانها 90 مليون نسمة وأثبتوا تماسكهم الوطني وصبرهم الأسطوري "الكربلائي".
وفي جميع الحالات وخلاصة القول، إن استمرت الحرب أو توقفت، على حكام المنطقة وقبلهم شعوب دولهم أن يفكروا بهدوء وبعيدا من سفسطات التاريخ السخيفة، ويقرروا إلى جانب من سيكونون بعد الآن.
فإما أن يكونوا إلى جانب الكيان العبري وهو عدوهم الحقيقي سياسيا ودينيا وأخلاقيا ونفسيا، والذي لا يخفي أطماعه في أراضي الجميع، أو يقفوا إلى جانب أشقائهم المسلمين في إيران بكل قومياتها وأطيافها، والتي لم تشكل في أي يوم من الأيام خطرا على أحد لا في دول الخليج ولا في المنطقة عموما، وبعد "أن حملوا راية الإسلام المنتصرة" التي أشار إليها النبي محمد صلى الله عليه وسلم عندما "أثنى وأكثر من مرة على الصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه".
مع التذكير هنا لعملاء الكيان العبري من العرب والمسلمين أن دعم إيران لسوريا واليمن ولبنان والعراق وفلسطين لم يكن إلا لمواجهة الكيان العبري، العدو المشترك لكل دول وشعوب المنطقة، التي تآمر البعض من حكامها ضد إيران باعتبار أنها الدولة الوحيدة التي تستطيع أن تشكل خطرا حقيقيا على الكيان العبري.
وهو ما أثبتته نتائج الحرب المستمرة، وأثبتت أيضا أن القواعد الأميركية والبريطانية والفرنسية الموجودة في دول المنطقة ليست لحمايتها وحماية حكامها الذين قد تتخلى واشنطن عنهم في أي لحظة، وإذا لم يثبتوا المزيد من الولاء، أي العبودية التي لا ولن تحميهم من السقوط المطلق.
والخلاص منه لا ولن يتحقق إلا بالقبول بالحقيقة المرة ألا وهي أن أميركا ومعها الكيان العبري سيسقطان حتما وأيا كانت نتيجة العدوان المستمر على إيران ولبنان والعراق.
وقد حان الأوان بالنسبة لحكام وشعوب المنطقة أن يتذكروا معا أن الهم الأكبر بالنسبة لواشنطن هو أن يستمر حكام المنطقة في غبائهم، وبمعنى آخر عداواتهم القبلية، التي زرع بذورها الاستعمار البريطاني ورسم على أساسها خرائط دول المنطقة التي تركت واشنطن حكامها ليأكل بعضهم بعضا من دون رحمة.
وهو ما أثبتته كل السنوات الماضية قبل وبعد استقلال هذه الدول التي عاشت سلسلة من حالات الغدر داخل العائلات الحاكمة، وبالتالي المزيد من سنوات العداء المخفي والمعلن بين جميع هذه العائلات، وكما هي الحال عندما أعلنت السعودية والإمارات والبحرين وبدعم من مصر الحرب على قطر في حزيران يونيو 2017، وأرسل الرئيس إردوغان جيشه لحمايتها بعد أن نسي الجميع أن لأميركا أكبر قاعدتين في قطر، والعديد من القواعد في البحرين والسعودية والإمارات، إضافة إلى العلاقات الوطيدة مع مصر والأردن والكويت.
وكانت جميعا ضمن التحالف الخليجي الذي أعلن الحرب على اليمن في مارس/آذار 2015 لتجد السعودية نفسها وجها لوجه مع "حليفتها" الإمارات في اليمن، وبعد أن انسحبت الدول الأخرى من التحالف المذكور الذي حظي دائما بمباركة واشنطن و "تل أبيب" واللتين شنتا أكثر من عدوان على هذا البلد العربي الأبي، فقط لأنه تضامن مع الشعب الفلسطيني قبل وبعد طوفان الأقصى.
ويبقى الرهان في نهاية المطاف على إيمان شعوب المنطقة المؤمنة بحتمية الانتصار الإلهي على قوى الشر والعدوان، ليكون ذلك فاتحة لمرحلة جديدة في تاريخ المنطقة بعيدا عن العداءات الطائفية والعرقية التي غذاها التحالف الصهيو- أميركي وأثبت دائما أنه لا ولن يتردد في القضاء على كل ما يعارضه ويتصدى له، ليس فقط من السنة أو الشيعة بل كل الشرفاء في جميع أنحاء العالم، وفي مقدمتهم دول الخليج سواء كان عربيا أم فارسيا مسلما، والمهم ألا يكون يهوديا صهيونيا!
*باحث علاقات دولية ومختصص بالشأن التركي
*الميادين.نت